الوعي الفلسفي عبر جئت متأخراً.. خطوات متوقعة في طريق مغلق

25

الوعي الفلسفي عبر جئت متأخراً.. خطوات متوقعة في طريق مغلق

يوسف عبود جويعد

للرواية جانبان يفضيان الى فن صناعتها ، الجانب الأول اظهار أدواتها التي تشكل أساس كتابتها ، كالزمان والمكان والشخوص وهو الجزء المهم في فن صناعتها ، أما بقية الأدوات التي تشكل حالة اكتمالها مثل ، الشكل ، المضمون ، الأحداث ، الثيمة ، الفكرة ، الرسالة الانسانية ، والرسالة الأدبية ، والأنساق الثقافية المضمرة داخل متن النص السردي ، فتبقى ثابتة في الجانبين ، وفي الجانب الاول يعمد الروائي الى متابعة تلك الأدوات في الظهور واستمرار نموها مع المبنى السردي ، الا أن الروائي علي الحديثي اختار الجانب الثاني في روايته ( جئت متأخراً ) التي تكون فيها تلك الأدوات مضمرة داخل متن النص السردي ، وترك للمتلقي رسم معالم الزمان والمكان ، وترك له ايضاً رسم معالم شخوص الرواية ورؤية ملامحهم وفق المخيلة التي يراها المتلقي ، وفي ذلك تكمن حالة الانسجام والالتصاق مع السياق الفني لعالم الرواية ، وهو نوع من التناول الحديث الذي يغنينا عن التفاصيل التي لا يُحتاج اليها ، كون الرواية تداعيات ذاتية غائرة في أعماق النفس ، واختار لها لغة بلاغية ممزوجة بالحس الشعري الذي ينسجم وسياقها العام ، ومن الوهلة التي تشغلنا قبل الولوج في عالمها السردي هو غلافها حيث لم نجد اشارة واضحة تشير الى كونها رواية ، كون الناشر لم يكتب في متن الغلاف ذلك ، وكذلك لوحة الغلاف تبدو للمشاهد وكأنها معالم لصرح من المعمار الاسلامي ، مما أبعد انتماء الغلاف الى مضمون الرواية وفكرتها وثيمتها ، وما أن نلج عالم الرواية حتى نعيش مع الصراع المحتدم ،داخل تداعيات صفاء بطل الرواية الذي يقوم بمهمة سرد أحداثها،والذي يدعونا الى المشاركة ومتابعة تفاصيل حياته ،منذ بداية نشأته وسط امه وابيه واخوته ، وهو دائم البحث عن الانطلاقة الكبيرة لحياته ، التي عاشها وهو أسير طقوس وواجبات وأمور حياته تحاول عن تبعده عن مرماه او ما يبغي اليه ، ولا ضرر في أن تكون أحداث الرواية تجارب معيشة من حياته ، اذ أجاد الروائي معالجتها وتوظيفها ، ليحيلها الى رواية مكتملة ، وهذا مانجده داخل عالم هذه الرواية … صفاء بطل الرواية تتوافق حياته مع حياة الروائي ، وهي تتطابق تماماً ومسيرة حياته ، حيث نجد بطل الرواية يميل الى قراءة الكتب الادبية والفكرية والفلسفية ، وهو يحتفظ بنصوص أدبية داخل مخيلته يريد اطلاقها ، كما انه رافض لهذه الحياة المقيتة التي تحد من طموحه ، وتقيد حريته ، وتمنعه من أن يعيش كما يريد ، حيث يرغب في ان يعيش حالة حب عاطفية ، يطلق لها عنان الوجد والشجن والهيام ، لكن بيئته وتقاليده وحدود حياته تمنعه من ذلك ، وانه لا يستطيع الانسلاخ من خجله او طقوسه الدينية التي تعزل الانسان عن الحياة ، طقوس مغلقة جداً ، لا شيء سوى العبادة ، الصلاة ، التسبيح ، لايحق له ان يتكلم او يلامس امرأة ، بينما ان الحياة لديه امرأة بوجه باسم جميل ، كان الصراع قائما داخل المبنى السردي لهذه الرواية بين ان يعيش مقيداً بهذا السجن الرهيب ، وبين ان يمارس حياته كما أراد لها ، كان يستمع الى الاغاني وهي تستهويه الا انهمأخبروه ان الأغاني حرام ، كان تواقا لصوت أم كلثوم او عبد الحليم حافظ او أي صوت شجي ، وهو يريد أن يحب بعمق ، يريد لتلك العاطفة الجياشة داخله ان تنطلق بكل حرية ، ( نحن مرايا تعكس ما يحيط بها ، ولكل مرآة سطحها .. مقعرة.. محدبة .. مستوية .. فهل كان ذنبي اني ولدت مرآة مهشمة ، كل الوجوه ممزقة فيها ؟…) ص7 ، كما ان الروائي اختار عناوين لفصول روايته ترتبط بمضمون الفصل ومسيرته السرديه وتعطي فكرة مختزلة عنه ، لقد تأخرت ، تفاح طفولتنا ، شعر منسدل ، نقر الديك ، الى شارع المتنبي ، الله يبتسم لي ، اركض بشراهة ، نصوص في الغيوم ، عنكبوت الموت ، دفتري بلا اغلفة ، ورقة صغيرة ، خطوات حذرة ، هل سأفعلها؟ ، المرآة ، البقلاوة ، ان لم اكن انا ، كوالح ، مدرسة شمس الفتوح ، لا مقصلة ولا ماء ، علبة سجائر ، كما انها مرتبطة ببعضها لتشكل المبنى السردي العام للرواية ، يقدم لنا الروائي حياة كبيرة ، وفضاء شاسعا ، ويتنقل بنا بين المدن ، وفي شارع المتنبي ، ومقهى الشاهبندر ، ومقهى ام كلثوم ، وهو في تساؤل دائم ، اين نجد انفسنا؟ هل في العزلة ؟، ام في طقوس الحياة البليدة ؟ . ام في حياتنا وسط الناس نعيشها كما نريد ، وكما نرغب ، في تداعيات ذاتية فكرية عميقة ممتعة وشيقة ، وداخل احداث تعزز وتمتن وتقوي هذا السياق الفكري ، ووسط اجواء حزينة حيث الموت هذا الكائن المخيف الذي يختطف اعزاءنا ، وبين العلاقة العاطفية الشاعرية الرومانسية ، وبين مفهوم الدين الخاطيء ، وبين مفهومه الصحيح ، انها رؤية فلسفية عميقة باسلوب روائي شيق ، تعطي الاجابة الواعية للحياة مرتبطة بالدين ، وللدين مرتبط بالحياة ، كما انها تعكس حياة الأديب الذي يحتفظ بنصوصه ، الا أنه لم يجد الأجواء الملائمة لانطلاق قلمه المرتبك ، ( ” قل كلمتك وتحطم ” قالها ” نيتشه ” في ” زرادشت ” ورددتها انا شعاراً لي ، لكنها لاتختلف عندي عن شعار الحكومات ” حبر على ورق ” ما كنت خائفاً من لحظة التحطيم الذي ارتضيته منهجا فيما ما تبقى لمدرسة حياتي ، ولكن أي كلمة يريدني ان اقول ، وكلمتي قد تبعثرت حروفها بين دروب الفراغ وربما لم تكن لي كلمة اصلا ً ) ص 99 ، وهكذا اختار صفاء بطل الرواية ان يعيش حياته وسط الناس ، وحسب ما يحب ودون ان يحيد عن الدرب القويم الواعي …