الهجرةُ القسرية خسارة كبيرة للسمعيبصري العراقي
فيصل عبد الحسن
الكثيرون من المتتبعين للقنوات التلفزية العراقية الخاصة والحكومية والحزبية يظنون أن الفنانين العراقيين من ممثلين ومخرجين وتقنيين يعيشون من عملهم الفني برفاهية، وليس هم وحدهم يرفلون بهذه الرفاهية المزعومة بل كذلك الجمع الكبير من فناني السينما العراقية، لكنه يتفاجأ حين تطالعه الصحف بأحوال الفنانين الحقيقية عند المرض!
وذلك عندما ينشر القريبون منهم أو اصدقاؤهم في هذه الصحف نداءات استغاثة لمساعدة هذا الفنان في دفع تكاليف العلاج له أو للمساهمة بدفع مابذمة الفنان المتوفى للمستشفى لإستلام جثته ودفنها، وكثيراً ماتطالعنا الصحف عن هجرة الفنانين العراقيين إلى خارج العراق بسبب الفقر والحاجة والخوف بسبب الحالة الأمنية المتردية في وطنهم في السنوات الأخيرة. ولكن بعد مغادرتهم الوطن، وعندما يجدون فرصة للعمل في دول المهجر بغير تخصصهم الفني طبعاً، فهم في العادة يعملون كعمال وسواق تاكسيات وتقنيين ومزارعين، ويعودون إلى الوطن بعد ذلك في زيارة خاطفة لرؤية الأهل أو لمجرد إعادة ذكريات أيام الفقر والحاجة، وسوء الأحوال السابقة، والأنتقام منها باليورو الفتان، والأخضر الرنان، فيراهم مواطنوهم بأحوال مالية أكثر من ممتازة، وهذا دليل لا يقبل الدحض على أن تلك الاعمال البسيطة في بلاد المهجر تدر من العائد المالي أكثر مما يتقاضاه أي فنان في بلاده العراق. وهذه الهجرة المستمرة خسارة كبيرة للسمعيبصري وستفرغ العراق بالتدريج من طاقاته الفنية ومواهب أبنائه، مما يجعل العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة، فيبقى في سوق العمل الفني من هم أقل موهبة، وأقل معرفة بالعمل الفني والإنتاج الفني، مما يكرس عمليات التخلف على الإنتاج الفني بشكل عام، ويجعل معالجة مشاكل هذا القطاع الإنتاجي شبه مستحيلة.
نظراً لأستفحال ظاهرة هروب الكفاءات للخارج، وملء فراغهم بالجاهلين وأنصاف الموهوبين، مما ينتج تبعاً لذلك التدهور المستمر لقدرات البلد الفنية، وموارده من الكفاءات المطلوبة لهذا الإنتاج، الذي يحتاج إلى أدق التخصصات وأكثر الناس موهبة وقدرة على العمل الفني.
أن خطورة الهجرة للكوادر الفنية إلى خارج البلاد أزدادت خلال العقود الأربعة الأخيرة نظراً للحروب التي مرت بها البلاد، والغزو الأمريكي عام 2003 وتردي الحالة الأمنية في السنوات التي تلت الغزو، ولمستجدات العولمة، التي خلقت تنافساً شديداً بين المنتج المحلي، والمنتج العالمي، الذي صار حاضراً في كل لحظة لدى المستهلك الوطني. ومن نزيف الهجرة ما نقلته الأخبار الفنية قبل أيام قليلة عن هجرة الفنان الكبير بهجت الجبوري إلى أمريكا وتضاف هجرته القسرية إلى خسارات السمعبصري العراقي الكثيرة، فقد جاءت هجرته القسرية بسبب ما اشاعه بعض الجاهلين في العراق عن دوره في مسلسل ” فرقة ناجي عطا الله ” وإتهامهم له بالطائفية بالرغم من أن الفنان كان ممثلاً يؤدي ما عليه من دور مطلوب، وكلام مكتوب في المسلسل، مما جعل عودته للعراق من مصر محفوفة بمخاطر الأعتداء على حياته من قبل الطائفيين.
وهجرته المؤلمة لكل عراقي تضاف إلى هجرة آخرين سبقوه، فقبله هاجر الفنان الكبير خليل شوقي إلى هولندا، والفنان الكبير حمودي الحارثي الذي أستقر أيضاً في هولندا وترك التمثيل بالرغم من قابلياته الفنية الكبيرة في التمثيل، ليبدع في النحت، ويقدم العديد من المعارض في هولندا.
وقبلهما هجرة الفنان حسين الليثي الذي عمل في إذاعة فانكوفر، والفنان الموسيقي سرور ماجد الذي يقيم في أتاوا، وناظم فالح الإذاعي القدير، الذي عمل في إذاعة كالغيري لفترة طويلة، وغيرهم العشرات من الملاكات العراقية الكفوءة التي هاجرت من العراق إلى بلدان أخرى ليحفظوا في تلك البلاد كرامتهم وحياتهم وحياة عائلاتهم.
فصارت تلك الكفاءات في حصالة المنتج الغربي المنافس للإنتاج الوطني، أضافة إلى ذلك فإن هجرة الكفاءات الفنية لم تعد مقتصرة على الرجال بل صارت حسب آخر الأحصاءات تشير إلى أن أعداد النساء المهاجرات يساوي أعداد الرجال المهاجرين، أي أن كل امرأة مهاجرة مقابل رجل مهاجر، مما جعل سوق الإنتاج التلفزي والسينمائي العراقي بحاجة ماسة للوجوه النسائية، المدربة التي يمكن أن تشارك في الإنتاج من خلال التمثيل أو الأعمال التقنية التكميلية، كأعمال المكياج والأكسسوار والسينوغرافيا، التي تبرع بها النساء بشكل خاص في أي عمل فني يتم عقد النية لإنتاجه.
وكذلك فإن هجرة الكوادر الفنية العراقية تميزت بكونها هجرة من كافة أرجاء العراق، مما يعني تنوع الخلفيات المهنية والسيسولوجية للمهاجرين، مما شكل مشكلة حقيقية في الوسط الفني العراقي لتعويض هذه الكوادر المهاجرة.
ومن نافلة القول أن الإنتاج السمعيبصري في العالم في تطور مستمر، فهو يسير بطاقاته البشرية المتجددة وما يستورده من الخارج من طاقات بشرية رخيصة تتم معاملتها في الغرب على أنها درجة ثانية من الجودة.
وتستخدم أخبث الطرق وأكثرها أستغلالاً لأمتصاص طاقاتها، وزخها في إنتاجها، وإحدى الدول التي تجهز هذه الماكنة الغربية العملاقة هي العراق، بأعداد تتزايد كل سنة للأسف. أن رداءة الإنتاج التلفزي في العراق وأنصراف المشاهدين العراقيين عنه يعود بالدرجة الأساس لهذا النزيف في الملاكات الفنية الموهوبة، وكما يقال عادة في موقف كهذاـــ إذا عُرف السبب بطل العجب.
{ كاتب عراقي مقيم في المغرب



















