
النواب في الذكرى الأولى لرحيله – قاسم حسين صالح
في ( 20/5 / 2022).. غادر الدنيا شاعر العراق والعرب الذي افنى عمره من اجل الشعب والوطن. والمفروض ان النظام الذي صار ديمقراطيا..ان يحتضنه ويكرمه ،لكنه مات في الغربة، ليطرح هذا التساؤل: لماذا يموت المبدعون العراقيون في الغربة..والنظام صار ديمقراطيا؟.
ساترك الجواب لحضراتكم ،لأروي عن مظفر حقائق للتاريخ وألأجيال..وفيها ما يمتعكم.
في المكان الذي يوجد عليه الآن مبنى وزارة الصحة العراقية ،كانت هنالك خمس قلاع ملأى بالشيوعيين والوطنيين ومحبي عبد الكريم قاسم من مختلف الأعمار والمهن (طبيب،ضابط ،عامل،فلاّح،طالب…) زجّ بهم منفذّو انقلاب 8 شباط الأسود 1963. وكان نصيبي أن أكون في القلعة الخامسة .وكنت محظوظا أن أكون أصغر سجين بين خمسة كبار بالعمر والسياسة بينهم الدكتور مكرم الطالباني وصباح خيري (شقيق زكي خيري)وقائد فرقة المظليّن المقدم عبد النبي. وكان السجناء السياسيون في سجون العراق الذين تستدعيهم المجالس العرفية ببغداد أيام حكم البعث الفاشي الأول ” 963 ” يأتون الى ” قلعتنا ” هذه .وفي عصر أحد الأيام ناداني عريف السجن ..أبو سكينة : ” عمو…جايكم ضيف من نكرة السلمان” .كان شابا طويل القامة أسمر بلون خاص ظننت أنه أفغاني أو هندي . قدّم نفسه وقال : مظفر النواب . تسمّرت عيناي بوجهه ، وامتزجت ارتعاشة الفرح بدهشة المفاجأة ، بأمنية كنت أحلم بها وها أنا أراها أمامي حقيقة واقعة !. سحبته اليّ من يمينه وقبلّته..فكانت أطعم من قبلّة حبيبة !. فنحن شباب الجنوب ، بخاصة شباب الشطرة وسوق الشيوخ ، كنا نحمل مظفرا في قلوبنا ، ونتبارى بحفظ قصائده .
منتصف الليل
كانت سهرتنا في ذلك ” المخزن ” الصغير بالقلعة الخامسة تبدأ منتصف الليل . وسألني ما اذا كنت سمعت أغنية ” أنت عمري ” . ما كان يدري أننا هنا،في القلعة الخامسة بوسط بغداد، كنا معزولين عن العالم!..سوى الشرطة الذين كانوا يأتون لنا بالأخبار والسجائر.
لم أكن سمعت ” أنت عمري ” فقال إنها آخر أغنية لأم كلثوم . وبدأ يعزف..بلسانه كما لو كان أمهر عازف عود !. وانطلق صوته : ” رجعوني عينيك لأيام …” . وجادت العين بالدمع . فصوته الرخيم وبحته الشجية وعزفه المدهش تمنحك فرصة ممتعة لدموع تغسل بها هموم روحك ، فكيف اذا كان الفاشست ذبحوا وطنك وشووا بالنار خيرة أبنائه وأودعوك القلعة الخامسة ؟!.
بعد عشرة أيام عاد مظفر الى نقرة السلمان..والتقيته ثانية في هافانا..ولكن بعد أربعة وأربعين عاما!.
وهافانا هذه ليست عاصمة كوبا بل مقهى في دمشق العاصمة يلتقي فيه المثقفون من الأدباء والفنانين على غرار مقهى (البرازيلية) في العاصمة بغداد أيام زمن الثقافة.جلست انتظره قبيل الموعد وعيناي تطلان على الشارع ترصدان الوجوه القادمة وبي شوق عارم لأن أرى مظفرا وخوف يرعبني ان اراه بالحال الذي وصفوه لي.
وهاجس ان يموت غريبا كما الجواهري وكأن الموت والغربة صارا قدرا للمبدعين امثالهما..مع أن العراق تحرر كما يقولون!.
ودخل مظفر..واعترتني هزة. فأنا ارى فيه مسيرة ما يقرب من نصف قرن من تاريخ المناضلين من اجل الحرية وشاعرا يتغنى بقصائده العشاق ويلهج بالأخرى العراقيون والعرب الذي صفقوا له في أكثر من مناسبة ،وأهان بقصائده ،قبل أربعين عاما،قادة عرب أثبتت أحداث يناير وفبراير 2011أنهم يستحقون الاهانة ..والازاحة ايضا.
ودار بيننا حوار نشر في حينه.. كان جميلا في اجاباته، اللذيذة عن الحب ،والصريحة عن السياسة.. والموجعة ايضا. فبرغم ان ما فيه يكفيه فانه حزين ليس على نفسه بل على (الناس وعلى المبدعين وعلى الوضع العالمي..وأنه لا عتب لديه على أحد! ).وفاجأني بجواب غريب حين سألته لماذا لم تتزوج وفي مسبحة حبك أكثر من مائة حبيبة..قائلا بأنه يهرب من التي تبغي الزواج منه او تطلبه بلسانها!،وأن الزواج ،في قناعاته،صخب ووجع رأس ،و اسّرني بقصة حب مميزة لن أبوح بها!.غير ان حبه للعراق لا يزاحمه فيه بلد أو حبيبة .فبرغم اوجاع (باركنسون) الذي أتعبه فان وجعه العراق الذي يحن للعودة اليه: (يجي يوم انلم حزن الايام واثياب الصبر ونرد لهلنه..).وان اجبته :وان لم يأتي يامظفر؟ أجابك 🙁 اذا ما جاش..ادفنوني على حيلي وكصتي لبغداد!)…ووري جثمانه مساء يوم السبت ( 20 مايس 2022) في مقبرة وادي السلام بناءا على وصيته..لتبقى البنفسج ومرينه بيكم حمد.زترددها الأجيال.


















