الموقف المعاكس لحالة القبول – جاسم مراد

الموقف المعاكس لحالة القبول – جاسم مراد

 

إنها ليست حالة منفردة ، فالوضع العام ارادها أن تكون حالة مقبولة ، بكل بشاعتها ، وصورها المنتشرة في الشوارع القديمة ، والجوامع العتيقة ، داعش ليست ولادة عراقية حسب ، بل شكلها العام كذلك ، لكنها صممت في الاداء ، والممارسة ، والخطابة ، والاحاطة ، والتوحش ، والتمدد ، على قانون الالغاء للاخر والتمركز فيه،  في ارقى مجمعات ومدارس التكيف والرفض لشبكات التجسس الاجنبية ، فهي تحتل بتعويذة  دينية ، وتنفي بمذهبها كل من حولها لايحفظ الآيات الداعشية . لعل المعنيون من اساتذة علم النفس ، والتاريخ ، والاعلام ، والمجتمعات ، والمختصين في تاثيرات الثيوسياسي على الحضارات الانسانية وتطلعات الانسان الى التغيير ، لعلّهم يحتارون في فهم طبيعة وتكوين وممارسات وسياسات هذا النموذج من المكونات التنظيمية الجديدة ، لعلّهم يحتارون في فهم هذا التطويع البشري الهائل لهكذا تنظيم يبدأ بصدمة الرعب في اكل قلوب البشر ، ولاينتهي بمحاصرة النساء وسبيهن والاستفراد بهن ، ولايتوقف عن تدريس الصبيان طريقة ذبح الانسان ، أي انسان ، كأن يكون اخاً أو اباً واماً  أو جاراً لم يحسنوا قراءة مفردات الايات الداعشية ، نعم قد يحتار الانسان بذلك كله ، وقد تكون الانشغالات بوجهات النظر المتعددة والمعاكسة تقف حائلا عند المختصين في تشخيص الحالة الداعشية . في عمق التاريخ ، عندما كان الوعي البشري لايتعدى حائط قصور الولاة والحكام والسلاطين ، كان الغزو من اجل معصم امرأة وقرط ذهب في اذن طفلة وفرض الوصايا والسيطرة على مدينة وكيان دولة ، تمارس فيه في تلك المراحل بشائع البشر ، وقالوا عنها إنها وقعت في زمن الصراع البشري للاقوى ، وفي زمن غياب الوعي ، وفي وقت السيطرة وتوسيع المحيط للمكان كذا ، وللامبراطورية الفلانية .

ماحدث وقت احتلال ( الدولة الاسلامية ) الداعشية لمدينة الموصل ، يعود بنا لذلك التاريخ ، مع بعض الفوارق، فتلك الغزوات تترك اثراً من تاريخها في بناء الحصون والقصور ومكانات الحضور ، لكن داعش قضت على كل ماهو قائم من تاريخ وحواضر ومدارس وجوامع وبشر وزرعت في عمق النفس البشرية الموالية لها وتلك المساندة لممارساتها والتي سهلت لغزوتها ، زرعت نفي الاخر من بني البشر في حاضنة الوطن الواحد ، وزرعت منهج القتل الذي يسبقه الرعب في كل مكان وصلت اليه الايادي الداعشية ، وزرعت الموت والسبي والاغتصاب ، كما زرعت في عقول الصبيان ، القتل كطريقة لبقاء الدولة الداعشية .

 إذن نحن أمام اخطر نهج الغائي تدميري في العصر البشري الحديث ، وهنا يمكن تسمية الهجوم المعاكس التربوي والاخلاقي والوطني ، لحالة العقلية التي قبلت بداعش أو تلك التي رضخت لها ، أو التي سوقتها في نفسية الشبان والاشبال والصغار من ابناء المدينة التي اغتصبت من قبل هذه العصابات . بالتأكيد الهجوم المعاكس ، يحتاج الى مختصين في علوم التربية والمجتمع والسياسة  والتربية الوطنية والتاريخ، يحتاج الى دراسة تفصيلية تأخذ في الاعتبار منهجين اولهما قصير الامد والثاني بعيد الامد ، مع هّمة مصحوبة بالنخوة والمسؤولية والامانة ، لاعادة البناء والترميم للبيوت والمدارس والشوارع والحدائق العامة ورياض الاطفال وملاعب الرياضة .

 الكل يدرك ان العودة لصياغة العقلية والنفسية البشرية التي دمرت تحتاج الى شعور عال بالانتماء للواطن الواحد ، والى مسؤولية مضاعفة في دراسة ومعالجة كل العيوب التي ادت بوقوع البلاد بهذه البلوى . لم يعد مفيداً بتاتاً خطاب المناطقية والمذهبية والسياسية الانانية ، في طريقة معالجة مخلفات داعش .

الهجوم المعاكس يجب ان يكون انسانياً فكرياً تربوياً بنائياً لكي يتم غسل مخلفات داعش ، وهذا الهجوم المعاكس هو اصعب واخطر واكثر مسؤولية من الهجوم المسلح ، صحيح انه لولا تضحيات وصلابة وايمان الجيش العراقي بكافة صنوفه وقوات الحشد الشعبي وفصائل المقاومة لما تحقق النصر ، لكن نحن امام معركة ومواجهة فكرية ووطنية ودينية واعلامية لردم الهوة والفجوة التي سمحت لداعش بالدخول لبوابة الموصل واحتلال المدينة . ان الفنانين والكتاب واساتذة الجامعات والمدارس المتوسطة والثانوية والابتدائية ورجال الدين بكافة مذاهبهم ، يتحملون مسؤولية المشاركة في الهجوم المعاكس للفكر والممارسات والانتماءات الداعشية ، نحن بحاجة الى سياسية هادئة مرنة تساهلية وطنية تربوية اصلاحية .

ان منطق الرفض والعنجهية ورفض الاصلاح والتساهل مع من يريد العودة للجادة العراقية ، يخلق داعشاً جديدة ويعطي الفرصة لصناع داعش المتوحشة أن يصنعوا داعشاً جديدة بعنوان اخر . إذن الهجوم المعاكس البنائي ، العراق محتاج له ، والمجتمع بحاجة له ، ومدينة الموصل تترقبه ، وهذه مسؤولية صناع القرار في السلطة العراقية ، ومن هنا الجميع ينتظر خطوات السلطة ، واجراءات فعلها ، وحزمها وصرامتها ضد كل الخطابات المنّفرة لوحدة المواطنين ، والمقززة للنفس الانسانية العراقية . وهكذا نرى ضرورة أن تمسك سلطة الدولة بكل خيوط الهجوم الوطني التربوي البنائي المعاكس ، لكي لايخرج من يدعي الــــــــــولاء لمواطني الموصل بعد خلاصها ، في حــــــــين كان وقت الشدة  يخفي رأسه ، وبالتأكيد اهل نينوى ادرى من قاتل وضحى من اجلهم ، وهم الاكثر جدارة وفطنة في الاختيار…