المهمل والمتروك من نهج البلاغة – مقالات – عبدالهادي البابي

المهمل والمتروك من نهج البلاغة – مقالات – عبدالهادي البابي

أقام نادي الكتاب في كربلاء أمسىة ثقافية القيت فيها محاضرة على نخبة من الأدباء والمثقفين والإكاديميين عن : (المهمل والمتروك من نهج البلاغة)..

وملخص ماجاء فيها :

أولاً : التجديد في فهم النصوص :

لماذا نسعى للتجديد في الخطاب الديني..وعلى من تقع مسؤولية التجديد في الخطاب الديني .. وماهو المراد من التجديد …!!؟

المسؤولية(اليوم) بالدرجة الأساس تقع على المثقف .. !!

والسؤال: لماذا تقع مهمة التجديد على المثقف ، وماعلاقة التجديد الديني بالثقافة ، والثقافة هي الفن والموسيقي والشعر والأدب..فماعلاقتها بتنقية التراث الديني..!؟

الجواب : لأن الثقافة هي الخط الدفاعي الأخير الذي بقي صامداً ضد الهمجية والبربرية والأيديولوجيات المتطرفة التي بدأت ليس فقط بتهديد الثقافة ومحوها بل بتهديد الحياة نفسها، ولإن الثقافة هي الجامع لكل أمنيات ومشتركات وتطلعات الشعوب دون تمييز، فالشعوب تلتقي وتتحاور بالثقافة الإنسانية ولاتلتقي بالأديان ، بل ربما تتصارع وتتقاتل بسبب الأديان ولكنها لاتتقاتل بسبب فهم وتبيان الثقافة والفكر والحوار ..! وذكرنا مجزرة سبايكر- التي هي مثال عملي لهذا الإحتقان الطائفي والموروث المذهبي- ..ورأينا كيف أن الفعل الثقافي قد تصدى لجزء من هذا التطرف وأوقف زحفه بعد أن عجزت عن ذلك كل الأساليب السياسية والعسكرية والمجتمعية والعشائرية ..!!

وقلنا : بأن أهم معاضل ومشاكل التراث عندنا اليوم هو الدين ..تأويل الدين ، تفسير النصوص الدينية ..تحميل هذه النصوص وتسويقها للمجتمع ..لي أعناق النصوص الدينية وتوجيهها لغايات ومنافع ربما سياسية أو نفسية أوإعتقادية ..بل تعدت ذلك وأصبحت تُسّوق كأدوات قتل وإبادة بشرية لامثيل لها في التاريخ الإنساني.. ولكن الإشكال الأساس في هذا الأمر هو كيف نفهم الدين ، وكيف نتصور الدين بصفة عامة…حيث يرى العلماء المتنورون المجددون بأن الأصل في الدين هو الأخلاق ..والأصل في الأخلاق هو المقاصد والحكمة من التشريع بصفة عامة ..فإذا ما أعتبرنا المقاصد هي المبدأ وهي المنطلق فلا بد أن تتغير نظرتُنا لحرفية هذه النصوص التي عادة مايُتمسك بها لغايات معينة كما أسلفنا.. فينبغي علينا كباحثين ومثقفين أن نتناول الدين والتراث – تفسيراً وتأويلاً- بإجتهاد متطور بإستمرار مع تطورأسيقته وظروفه الحضارية..فالتأويل والتفسير اليوم ونحن في القرن الواحد والعشرين لاينبغي أن يُقبل بإي حال من الأحوال أن يكون هو نفسه التأويل الذي كان في القرن الأول الهجري ..ويجب أن تكون مسؤولية من يقوم بالتجديد مشدوداً للنصوص في صفائها اللغوي وفي ما أكتسبته البشرية اليوم من تطور وتحضر ، وليس التعامل مع هذه النصوص بالطريقة التقليدية ..! إذاً…في هذا الواقع المّر اليوم وهذا الأضطراب الكبير الذي نعيشه كيف نحقق التجديد في هذا التراث ..وكيف نحقق التجديد في الخطاب الديني ..؟

ثانياً : لقد كان الغرض من المحاضرة هو أن لا وجود لأي خلاف أو معارضة أو تهّجم عدائي أو كلام سيء في خطب الإمام علي (عليه السلام) التي وردت في كتاب نهج البلاغة ، لا للخلفاء ولا للصحابة ولا لإمهات المؤمنين ولم تكن عند الإمام وجود نيّة تمسك بالخلافة أو وجود أي إشارة إلى إغتصاب معلن للخلافة (هذا إذا فهمنا النصوص فهماً واقعياً محايداً ومجرداً من كل رواسب ماضية)، ولكي يفهم أصحاب الخطاب الديني الطائفي اليوم الذي جّر البلاد إلى صراعات طائفية ومذهبية وتدخلات خارجية وتمزيق اللحمة الوطنية العراقية أنهم يسعون ويعملون ويفعلون على عكس ما كان يسعى إليه الإمام علي (عليه السلام) لجمع كلمة ووحدة المسلمين ورص الصفوف من أجل إعلاء كلمة لا الله إلاّ الله محمد رسول الله ، حتى إن كان ذلك تنازلاً عن حقه : (لإسلمن ماسلمت أمور المسلمين ولوكان بها جورٌ عليّ خاصة) ويقول: (أسففت إذ أسفّوا ..وطرت إذ طاروا) فما علينا اليوم إلاّ الأقتداء به (عليه السلام) وأن نتنازل عن الكثير من رغباتنا وغاياتنا ومصالحنا في سبيل مصلحتنا الوطنية العليا التي تفرض علينا العمل على إنقاذ بلادنا وشعبنا وأمتنا من الهلاك والبوار الذي تمثله الفرقة والنعرة الطائفية …..!!

ثالثاً : وفي آخر محاضرتنا المتواضعة قلنا : إن موروثنا التراثي الإسلامي أصبح اليوم مثل الأرض الحرام المليئة بالألغام والمفخخات والعبوات الناسفة ..أصبح أرضاً منتخبة للموت والخراب وتقطيع الرؤوس والأوصال وقتل الإنسان .. نتمنى أن نكون قد وفقنّا ولو بإزالة لغم واحد من ألغام التراث وإحداث ثغرة ولو صغيرة في شبكة الألغام المخيفة التي ورثناها من هذا التاريخ والتراث المخيف علنا ننفذ منها لقلب الطرف الآخر.!!

وفي ختام الأمسية كانت هناك ردود ومداخلات من قبل نخبة طيبة من الأساتذة والباحثين أثرت المحاضرة ولملمت أطرافها التي ربما يراها البعض قد حدث فيها إنزياح وتمدد خارج الموضوع ولكننا والحمد لله كنا في قلبها ومركزها ..!!