المقايضة – حميد الحريزي

رواية قصيرة جدا

المقايضة – حميد الحريزي

الفصل الاول  – فضول

في كل إرجاء المعمورة شاعت أخبار مملكة (ملك الزمان ) ، حيث تمر عقود وتتلوها عقود من السنين ، تذهب أجيال ، ترثها  أجيال ، والحكم ثابت والآباء يورّثون الحكم للأولاد والأحفاد ، شعب يطيع ملوكه حدّ العبادة ، فله الأرض والثروة ، وله على الأرواح والأملاك السيادة .

أثار هذا الأمر العجيب والحال الغريب احد صحفي العالم الديمقراطي المتطفلين ، ومن محبي المغامرة ، وطلب الدخول الى المملكة منفذا وملتزما بالشروط المطلوبة منه وهي :

أن يكون ملزماً بارتداء جلبابٍ خاصٍ ، يغطي جسده بكامله ابتداء من رقبته حتى أخمص قدميه ، وان لا يخلعه أبدا طوال وجوده في المملكة ، وإلا سيكون رأسه ثمنا لخرق التعليمات .

ان يراقب ، يرى ويسمع ، ولكن لا يعترض ، ولا يختلط بمواطني المملكة ، اثناء تجواله ووجوده بينهم في الأماكن العامة او الخاصة .

في المنطقة الحدودية ، استقبلته ثلة من الأشخاص ضخام القامة  متجهمي الوجوه ، أيديهم على الزناد ، ابرز لهم وثيقة السماح بالمرور  بعد ان لبس الجلباب  قبل رؤيتهم ، اصطحبوه في عربة خاصة ، مضللة الزجاج . اغرب ما شاهده ان لهؤلاء ذيولا طويلة يجرونها وراءهم ، واضح ان رئيسهم أطولهم ذيلا ، ففسر ذلك بكونه زي خاص يتوجب على قوات الحرس ارتدائه ، فبدلا من وضع ريشة طاووس ملونة مثبتة في خوذ حراس بعض الدول والممالك  ، تقرر وضع ذيول في مؤخرات هؤلاء الحراس ، وفق نظام هذه المملكة . سارت السيارة لما يزيد عن أربع ساعات ، توقفت ، فتح له الباب ليلج داراً تبدو غير مسكونة ، الا من بعض  أشخاص كان يبدو أنهم من الخدم الخاصين بضيوف الدار . دار بينهم حديث لم يتمكن من حل ألغازه ولكنه يبدو توصيات خاصة به.

تم حمل أمتعته وحقائبه ، وإيصالها الى غرفة معدة بشكل جيد لنوم  وراحة شخص واحد ، مزينة جدرانها بصورٍ للملكِ وإخوانهِ وأبنائهِ  وأحفادهِ وقسم من حاشيتهِ . في هذه الدار أيضا ، يلاحظ ان للخدم ذيولا مختلفة من حيث الطولِ واللونِ ، فلم تكن ردّة فعله تختلف عما شاهده  لدى الحراس ، فمازال ضمن حرس وحاشية الملك بمعنى إنها ضمن  الأزياء الرسمية لموظفي الدولة ، ولا غرابة في ذلك .

كان يلاحظ ان الخدم بين حين وآخر يرددون عبارة كأنها هتاف ، تبين له من خلال سؤال مرافقه ، أنهم كغيرهم  من  موظفي الدولة  يلهجون  دوما بالهتاف بحياة الملك والعائلة المالكة ، قبل وبعد أداء إي عمل من إعمالهم اليومية . الغريب ان هؤلاء الأشخاص كانوا يرددون هذه  الهتافات  حتى مع عدم وجود الرقيب ، يرددونها بنفس النغمة ونفس  وقفة  الخضوع  والترجي والرجاء و يرددها معهم دليله ومرافقه أيضا ،  ومن كثرة تكرارها   كاد الصحفي ان يحفظها عن ظهر قلب حتى انه  اخذ  يتوقع  أوقات  ترديدها بشكل تلقائي كما آلة تسجيل وفق تسجيل و توقيت مسبق .

لم يلاحظ وجود أكثر من قناة واحدة في التلفاز تعرض خطب ومؤتمرات ومحاضرات ونصائح الملك الى رعيته ، جولاته ، طريقة كلامه   ولبسه ونوع وطريقة تناوله لطعامه ، والكثير من  مفردات  حياته  اليومية . الجميع يجلسون ، يستمعون ، ويشاهدون بدهشة كبيرة كل ما يعرض في التلفاز .

أمضى ليلته الأولى في هذا المنزل ، ليستيقظ  مبكرا طالبا من دليله  ان يقوم بجولة في شوارع وأسواق وساحات المدينة ، فكان له ذلك ، وكانت أول ملاحظة لفتت نظره : ان كل الناس البالغين ، رجالا ونساء ،  تبرز من مؤخراتهم ذيول مختلفة الألوان ومختلفة الأطوال ، وكان  صاحب  الذيل الأطول يمشي وهو يختال فخرا ، كما  تتباهى  وتفتخر الفتاة  الحسناء بطول ضفائرها ، فسأل مرافقه حول هذه الظاهرة التي تبدو غريبة ، فلم يرَ ولم يسمع حول جنس بشري بذيل ، فأجابه مرافقه : إننا نفتخر بهذه  الذيول ، فالذيل هو علامة الإخلاص والطاعة لملكنا العظيم ، وإخلاص  المواطن لملكه يتناسب طرديا مع طول الذيل ، لذلك  فان قرب وبعد الفرد  عن الملك تقاس بطول ذيله ، ستشاهد أن  وزراء  وحاشية وقادة  الجيوش  تم اختيارهم لأنهم الأطول ذيلا بين رعايا المملكة ، فرئيس الوزراء مثلا  ، هو الأطول ذيلا بين جميع الوزراء ، وفترة بقائه في منصبه مرتبط  باحتفاظه بهذه الميزة ، فان ظهر من هو أطول ذيلا منه فسيحل محله  فورا  ، وهو ينزل الي مستوى أدنى . طبعا ، لكل طبقة او شريحة اجتماعية لون   ذيل محدد يميزها عن سواها ، يمنع اختلاطها ، ويمنع تزاوجها مع الفئات   والطبقات من الألوان الأخرى ، تحصل عادة حالة تنقل بين هذه الفئات  وفقا لمتغيرات الذيل ، فقد يرفع احدهم الى طبقة أرقى إذا بلغ ذيله معدل طول أذيالهم ، وبذلك تجري له مراسيم خاصة لتبديل لون ذيله ، وكذا هوو الحال بالنسبة لمن يصاب ذيله بالقصر ، حيث ينزل الي مرتبة أدنى  وبنفس المراسيم ، حتى الزوجين يتم انفصالهم الفوري في حالة اختلاف طول ذيليهما ، ليقترن كل منهما بشريك آخر له نفس طول الذيل .

الفصل الثاني- نمو الذيول

-وهل يولد الإنسان عندكم بذيل ؟

-طبعا لا ، فنحن مازلنا كبقية البشر من حيث المواليد ، تجري الآن بحوث علمية متطورة ومتخصصة لتكون الذيول اعضاء تولد مع  المولود منذ يومه الأول : إي ان تكون الذيول -علامة الطاعة للملك – خاصية جينية وليست مكتسبة كما نحن الآن ، وقد تعاقدت مملكتنا  مع علماء أجانب من مختلف دول العالم من اجل الأشراف على هذه الأبحاث والتجارب في معهد الأبحاث الخاص ، وقد وضعت لهم ميزانية مفتوحة غير مقيدة من أجل تتويج بحوثهم بالنجاح . الأسرة لدينا ترقب بفارغ الصبر ظهور برعم الذيل للمولود منذ سنواته الأولى إي بعد نمو أسنانه الدائمية وبداية فطامه عن صدر أمه ، حيث تجري مراسيم أحتفالية خاصة وتكريم من قبل الأسرة ذات الأطفال الذين تنمو وتظهر ذيولهم بوقت مبكر ، أي تظهر ذيولهم قبل ظهور أسنانهم اللبنية ، وهناك أحتفال خاص ومميز لمن يولد بذيل ، تصدر المراسيم الملكية باعتبارهم من أفراد الصف الأول ضمن حراسات وحاشية الملك ، ويخصص لهم رواتب وعناية خاصة ، ويخصص لهم زيّ خاص بهم يميزهم عن سواهم ، لا يحق لغيرهم حضور ديوان الملك او الاقتراب من موكبه ، وإما من لم يظهر له ذيل حتى عند بلوغه سن الرشد ، فأما ان يقتل من قبل عائلته ، لأنه عار عليها ومؤشر خطير على عدم ولائها وإخلاصها وعدم تكريسها وقتا لتربيته وترويض طباعه حتى لا يكون شاذا ، وإما أنْ يسلم للسلطات المختصة ويكون تحت رعاية (التيوس) ، وهم أصحاب اللحى والذيول الطويلة ذات اللون الأزرق الغامق ، ليقوموا بإعادة تربيته وغسل دماغه وتطبيعه لعدة أشهر ، فان لم يظهر ذيله ، يرسل الى مكان خاص لا يعلمه أحد ، ويتم عزله تماما عن الرعية . وما يجب الإشارة إليه :

لا يسمح لكائن من كان ان يطلق لحيته ليكون من التيوس ، فهؤلاء طبقة خاصة يتم اختيارهم من قبل مقربي الملك استنادا لطول ولون ذيولهم  وتاريخ أسرهم لعدد من الأجيال السابقة تثبت عدم وجود ولو فرد واحد من أجيالهم من (الشواذ) ، وان سلالتهم نقية الذيول واضحة الميول  والإخلاص للملك المعظم . هؤلاء هم الوحيدون الذين يسمح لهم لقاء الملك المعظم وأسرته في قصره المعظم ، مرة واحدة في السنة هي  تاريخ  ميلاد الملك ، حيث يلقي عليهم كلمة ، هي حزمة من الوصايا والإرشادات ، يلقيها من خلال كرسيه الذهب المطعم بالجواهر والدرر والأحجار الكريمة ، تحفّ به أسرته التي لا يعلم أحد عددها ولا أعمار أفرادها ، تتكاثر وتتزاوج فيما بينها ، لا تأخذ ولا تعطي مع بقية أفراد الرعية ، حتى انَّ الملك  يظهر لهم كل عام ، ولألف عام ، بنفس الهيئة والشكل والعمر . يذكر بأنَّ الملك لا يموت ، لذلك يحتفل بيوم محدد من كل عام ، هو الأول من نيسان ، كعيد ميلاد للملك ، تحتفل فيه عموم المملكة من أقصاها الى أقصاها ، فتعطل الدوائر الرسمية والمعامل وتعطل كافة الأعمال في المملكة  ليوم واحد .

الفصل الثالث – الشواذ

الشواذ أقلية قليلة جدا ، نسبة الي مجموع رعايا المملكة ، فالطفل منذ   ولادته ، يخضع لتعاليم مشددة ، يتعلم عدم الجدل ، وعدم رفض إي أمر  يوجه إليه

 تتمة الموضوع على موقع (الزمان) الالكتروني

 ولا يعترض على أكل او شراب او ملبس يرتديه ، يحفظ عن  ظهر قلب خطب ومقولات الملك المعظم ، يهتف تلقائيا بحياة الملك ودوام ملكه ، لا يسير الا مع الجماعة ، لا يقرأ الا ما يقرره معلميه ومربيه ، وهو لا يزيد عن تاريخ الأسرة المالكة ومعجزاتها ووجوب تقديسها وتمجيدها . وبمرور السنوات الأولى ، يلاحظ الصبي نمو وتبرعم ذيله   فيعمّ العائلة الفرح والسرور ، ويقيم الأهل احتفالا خاصا بهذه المناسبة  شبيها باحتفالات الختان للصبيان في بعض المجتمعات ، توزع الحلوى وتذبح الذبائح وتقام دبكات جماعية تمجد الملك والأسرة المالكة ، وعندها  يتم تنسيبه الى إحدى القطعان تحت رعاية احد رعاة الملك من ذوي الذيول  الطويلة ، وهناك تجري عملية مراقبة نمو ذيل كل فرد فجر كل  يوم  ، وقياس الطول بالمليمتر والسنتمتر ، وتثبيتها في سجل خاص وعبر بطاقة خاصة تعلق في رقبة الفرد ، ذكرا كان او أنثى ، ووفق ذلك يتم فرز الأفراد  ومنحهم علامات ومراتب تعبّر عن مدى ولائهم للملك المعظم . تشكل من هؤلاء فرق ، مهمتها الأخبار عن كل من لا ذيل له ، فلهذه الفرق حق قتل  مثل هذا الشخص إذا حاول الإفلات من قبضتهم ، فلا حياة لمن لا ذيل له  في المملكة ، مصيره إما الموت او العزل التام عن المجتمع .

ولفت نظره وجود صالونات فخمة في أغلب الساحات والشوارع ، متخصصة في تزيين وتلوين والعناية بالذيول ، تشبه صالونات الحلاقة  والتجميل في بقية أرجاء العالم .

كما لاحظ وجود أطباء مختصين بصحة وسلامة ونمو الذيول لمختلف الأعمار ، وللنساء والرجال .

لوحات إعلانات ضوئية كبيرة الحجم في أغلب الساحات دعاية  لأنواع من المراهم والحبوب والإعشاب التي تساعد على نمو وصحة الذيل ، كما يوزّع قسم منها مجانا في الأماكن العامة ، ويجبر طلبة الابتدائية على تناولها إجباريا مع وجبات الطعام .

على حين غرة يتوقف كل شيء عن الحركة ، وأخذت الأفواه تردد  الهتاف نفسه في كل مكان . وقد لاحظ الصحفي ان مثل هذا الطقس يتردد ثلاث مرات يوميا ، عند الفجر والظهيرة وفي المساء . قال الدليل موضحا : ان هذا الطقس يمارس في البر والبحر ، في المعامل ، في المدارس ، في  المزارع ، في المحلات الخاصة ..الخ ، فتضج المملكة بهذا الهتاف   الموحد .

الفصل الرابع –فصائل القطعان

لاحظ زمرا ، أو ما سميت قطعان (الكلاب النابحة) ، مهمتها ترديد  التهم والشتائم للأعداء كما يشخصهم الملك ، وهناك قطعان ( القردة) ، مهمتها ان تلهج باسم الملك ، تتدرب وتدرب  الناس على أساليب  الخضوع واستجداء عطف الملك وإسعاده وإضحاكه ، وهناك  قطيع (الثعالب) ، و (الخيول) ، و(الذئاب) ، … الخ .

أما قطيع (الأسود) فيتوزعون كقادة لكل هذه القطعان . ولاحظ  وزارة التدجين والتدريب  ومهمتها ، كما قال الدليل ، القيام بتأهيل وإكساب  مهارة القيام بالواجب للفرد وحسب حاجة الملك لينظم الى احد القطعان .  وهنا تعطى حرية نسبية للفرد لأختيار القطيع الذي يناسبه ، طبعا يجب ان يحظى هذا الخيار بموافقة قطيع (التيوس) . وهناك قطيع ( الغزلان) وهن من أجمل نساء المملكة مهمتهن إسعاد الملك وأسرته وتلبية رغباتهم   وطلباتهم في إي وقت وفي إي مكان ، لهم وحدهم لا شريك لهم . وهناك   قطعان العاملين في الزراعة والصناعة والصيد والتعليم وغيرها من الخدمات العامة لإدامة الحياة . هؤلاء لا حق لهم بالمطالبة بحقوق خاصة   لهم الا ما يديم حياتهم اليومية ، فلا وقت للعمل ولا تحديد للراتب .

لم يجد للناس بيوتا بالمعنى المتعارف عليه في بلدان العالم ، وإنما  هناك مساكن جماعية لكل قطيع حسب صفته ومهمته ، فكل شيء من أجل الملك : النساء ، والأولاد ، والغاية من الإنجاب ، والتعلم ، وحتى الأثاث  ووسائل العمل .

شعارهم : إنا ، روحا وجسدا ، أحيا وأعيش من أجل الملك ، وهذا هو الكسب العظيم .

صور الملك لا تخلو منها دار ، ولا مؤسسة ، ولا شارع ، ولا ساحة . وكل فرد ، صغيرا او كبيرا ، يحمل على صدره باجا خاصا لصورة الملك  المعظم . صورة الملك حاضرة أمامه ومعه دوما رغم انه لا يحلم برؤيته او مجالسته يوما ، الا من كان ذا حظ عظيم.

وجبات الأكل مواعيدها موحدة في كل المملكة لكل (قطيع) وجبته  الغذائية ، وحسب ما تيسر ، ولا يحق لأحد الاعتراض ، وليس له الخيار والمفاضلة بين أنواع الأطعمة

كان الصحفي مثار تساؤل ومحل ريبة من قبل ( القطعان ) ، فهو لا يشبه ، ولا يسير مع أحدها . كانت كاميرته  توثق ،  ودماغه يضج  بالكثير من الأسئلة . أخذ الخوف يدب الى نفسه ، فربما سينظم الى أحد هذه القطعان لو طال مكوثه هنا ، فاخبر دليله بأنه ينوي الرحيل ، ولكن ليس قبل تحقيق رغبته بزيارة قلعة المنبوذين ، التي شاهد بالصدفة قطعة تشير  نحوها .

 الفصل الخامس المنبوذون

سارت بهم السيارة مسافة طويلة ، حتى بانت من بعيد قلعة وسط ارض موحشة ، محاطة بحرس من قطيع (الذئاب) وفصيلا من قطيع  الكلاب . دخل القلعة ، وأتيحت له فرصة لقاء من كان في داخلها ، وكانت الملاحظة الأولى أنهم  بلا ذيول ، ومن رافضي الالتحاق بأي قطيع من القطعان . وجد العديد منهم من ذوي الفكر الفلسفي ، والأدباء والشعراء ، وعقول تعشق الأبتكار والتجديد وترفض التقليد ، ممن لم يتمكنوا من  الانسجام مع تقاليد مجتمعهم ، كما لاحظ وجود قطعة صغيرة معلقة على صدر كل واحد منهم ، كتب عليها رقم بالدولار .

أخبره الدليل ، ان بإمكانه اختيار إي عدد من هؤلاء المنبوذين   مقايضة بكمية من البضائع تعادل السعر المثبت على صدره ، فلا حاجة للمملكة بأمثالهم . أتصل الصحفي ببعض الشركات في بلاده عارضا على مالكيها الأختصاصات المعروضة للبيع في مملكة الذيول ، مع قائمة بالأسعار لبيان الحاجة ، وقد أتاه الرد سريعا ، بالموافقة على جلبهم جميعا  ، وبدون استثناء ، وسيحصل مقابل ذلك على مكافأة سخية ، وقد كانت  المنافسة شديدة بين الشركات للفوز بالصفقة ، وعدوا الصحفي بمكافئة مغرية ، لو تمكن انْ يعقد مع سلطات مملكة الذيول أتفاقية طويلة الأمد لتصدير (المنبوذين) إليهم مقابل ما يحتاجون إليه من حاجة .

أستبشر الديوان الملكي ، ورحب كثيرا بالأتفاقية ، عارضا على الصحفي واحدة من قطيع (الغزلان) ، كهدية له من الملك ، مقابل خدمته للملكة ، مما أضطره الى رفضها لأنها تتعارض مع حقوق الإنسان في بلده  ، وسط أستغراب مرافقيه .

 الفصل السادس ديوان الملك

طلبت من مرافقي ان يقدم لي طلبا للموافقة على حصولي بإذن دخول  ديوان الملك ان كان ذلك ممكنا . وعلى الرغم من استغرابه الشديد لهذا الطلب الذي يعتبر من المستحيل الموافقة عليه ، ولكنه مأمور بتلبية كل طلباتي بأمر من الجهات العليا ، فأرسل الطلب الى مراجعه ، وقد جاءت الموافقة بعد وقت قصير ، وكمكافأة لي ، لأني تمكنت من استغفال (  الشواذ) في دولتي بعقد اتفاقية مقايضة شواذ مملكة الذيول بسلع من   بلدان دول (الشواذ) ، كما كانوا يسمون من لا ذيول لهم في العالم الآخر .

رافقني عدد من الحراس الى باب القصر المهيب ، باب بالغ الضخامة ، محروس بعدد من رؤوس الأسود الذهبية ، ومرصع بمختلف أنواع وألوان الجواهر ، محكمة أقفاله الكترونيا ، ويتم التحكم بها عن بعد من داخل القصر .

سلمني هؤلاء الحراس الى عدد من التيوس الأشداء الذين تخط الأرض ذيولهم ولحاهم  الزرقاء . ما ان دخلت حتى رأيت العجب العجاب ، أبوابا تليها أبواب ، وفي كل باب صف من الحراس المدججين بالسلاح ، بعد الباب السابع ، دخلت جنة الله في الأرض ، حيث الأشجار دانية القطوف ، وأشكال وأنواع من الطيور لم تر مثلها عيوني في كل مكان ، بحيرات متراصة ونافورات ملونة تعمل على مدار الساعة ، تربض بين   خمائلها الغزلان والطواويس ، والحمام والبلابل ووو…

بعد ان اجتزنا عدة كيلومترات من الرياض والجنان باذخة الجمال  وفائقة الخيال ، تم استقبالي – ولوحدي هذه المرة – من قبل كردوس من  أجمل الفتيات كوصف الحواري في جنان الخلد ، تمت قيادتي من قبلهن  الى باب ضخمة من الزجاج السميك ، قيل انه ضد الكسر حتى من قبل  قذائف مدافع الدبابات ، فتح هذا الباب كلمحة البصر ، سحبت من دون ان   اعلم الى الداخل – ولوحدي طبعا – فشاهدت ما لا تراه عين : قصر من الزجاج الشفاف والمعتم وبمختلف الألوان ، ترقد عند بواباتها المضللة  بالورود فتيات باذخات الجمال ، ولكنهن أيضا بذيول من  صنف (الغزلان) ذيولهن تخط خلفهن ، فتح لي الباب الأول ، فاستقبلت بالموسيقى   وبأصوات مهللة مرحبة بضيف الملك المعظم ، ومرددة هتافات المجد  والحياة لعظمته ، كنت أسير على أرضية مكسوة بالذهب والفضة ، لا تشعر وأنت تسير في دهاليزها لا بالحر ولا بالبرد ، كانت تسير أمامي سهام من  ضوء تدلني على متابعة طريقي صوب الملك المعظم ، ولا اعرف كيف  أحسست ان اذرع عملاقة رفعتني عاليا ، حملتني ، وبعد وقت قصير وضعتني أمام كرسي بالغ الضخامة ، قوائمه من الذهب المطعم باللؤلوء والزمرد والجواهر البراقة التي لم ارَ مثيلا لها في حياتي ، يجلس فوقه  رجل مهيب الطلعة تشع الصحة والعافية من خدوده ، بريق عينيه يكاد  يغشى عيوني ، يرتدي لباسا من الحرير الأبيض ، وعلى رأسه تاج لا يمكنني وصفه ، لأنه يتموج بألوان وإشعاعات مختلفة ، يقف  في كل جانب  سبعة فتيان ، لهم صفات الملائكة ، يبدو لي أنهم لم يروا نور الشمس  طيلة حياتهم ، ومن أهم ما لفت نظري ، ان الملك ومرافقيه ومن يحف به  من الأمراء والأميرات جميعهم بلا ذيول .

ابتسم الملك ، وكأنه فهم ما أضمر من أسئلة ، وما أصابني من الاستغراب ، قائلا :

–              يكفيك ما شاهدت وما سمعت ، ولا تسأل عن المزيد ، فلا غرابة ان  نكون بلا ذيول ، فالحاكم ليس له ذيل ، الذيول للرعية فقط ، ومن  يظهر له ذيل من الطبقة الحاكمة يقتل فورا وبلا سؤال . والآن ، عد من حيث أتيت ، شاكرين لك ما قمت به من جهد ، وتخليصنا من شواذ مملكتنا .

     ما ان لفظ لفظه هذا ، حتى تلاقفتني الأكف واذرع العملاقة ، ولم أشعر الا وأنا مرميا أمام الباب الأول ، وبانتظاري الحرس المذيل الذي جلبني أول مرة ، ومعه مرافقي ومترجمي الذي واصل حديثه السابق حول ظاهرة الذيول قائلا :

ظهرت على شاشات التلفاز بشارة لرعايا المملكة ، بعقد اتفاقية طويلة المدى لمقايضة شواذ مملكة (الذيول) مع ممالك (الشواذ) في العالم ببضائع تسد حاجة الملك المعظم .

فلتحتفل كل القطعان بهذا  المنجز العظيم  وخلاصهم من الشواذ ، أولا بأول ، من الآن فصاعدا.