المقالة النقدية في رسالة جامعية السؤال القديم بملامح معاصرة
كشف عن طبيعة الأنساق الثقافية الفاعلة
فاضل عبود التميمي
ظلت المقالة النقديّة في الأدب العربيّ الحديث تشكو الإهمال، وقلة العناية على الرغم من أهميتها، وإسهامها في بلورة مفاهيم جديدة كان لها أثرها في تشكيل المتن الأدبي المعاصر،وإيجاد رؤى فكريّة أسهمت في الحراك الذي شهده المشهد الثقافي العربي في القرن العشرين،والسنوات اللاحقة به.
مناسبة المقدمة السابقة اطلاعي قبل أسابيع خلت على رسالة ماجستير مهمّة تمّ إعدادها في كليّة الدراسات الإسلاميّة والعربيّة في دولة الإمارات العربيّة المتّحدة ،قدّمتها الباحثة لطيفة عبد الله أحمد الحمادي للحصول على شهادة الماجستير في الأدب والنقد العام 2009 عنوانها المقالة النقديّة الأدبيّة في مجلة الرافد الإماراتيّة دراسة تحليليّة نقديّة 1939 2000 ، بإشراف أ.د.محمد عيلان، وقد رأيت أن أقف عندها مدقّقاً في متنها، بالنظر إلى أهميّة ما جاء فيها من رؤى، وأفكار تسهم في إشاعة هذا النوع من الأدب النثري،فضلاً عن أنّ الحاجة إلى معرفة الكثير عن أدب الإمارات تبدو اليوم ملحّة،وضروريّة.
في المقدمة تنطلق الباحثة لطيفة الحمادي في تقديم أسباب دراستها للمقالة من حقيقة أنّ المقالة في الأدب العربي الحديث تحتلّ مكانة مرموقة بين الفنون النثريّة المعروفة،وأن ميدان البحث كما ترى يعاني من قلّة الدارسين،والمكتبة العربيّة بحاجة ماسّة إلى هذا النمط من الدراسات،لهذه الأسباب ،ولغيرها خاضت الباحثة في الموضوع منطلقة من مجلة الرافد ،التي وجدتها معنيّة أكثر من غيرها من المجلات بالمقالة النقديّة ،ولم يغب عن فكرها أنّ العناية بالنثر العربي الحديث تنطلق من مغايرة أسلوبيّة منزاحة من حقل الشعر نحو الجنس الآخر النثر ،مؤكدة أنّ هدفها الأسمى يتمثل في رصد قضايا النثر ، وظواهره في منطقة تعدّ اليوم من أهمّ مناطق العالم،ثقافة واقتصادً.
وقد أشارت الباحثة إلى منهجها المعتمد في تأليف الرسالة فرأت أن المنهج الوصفي التحليلي النقدي هو ما اعتمدته في تتبّع المقالات النقديّة المنشورة في تلك المجلّة ،منفتحة على شيء من المنهجيّة التاريخيّة،والفنيّة،فضلاً عن الملمح النفسي، ذلك أن العيّنات المقاليّة التي أخضعتها للبحث ،والدراسة تستجيب لهذه المنهجيّة التي لا غبار على اعتمادها.
وكان بودي أن أجد الباحثة قد قسّمت رسالتها على تمهيد ،وأربعة فصول ،يتولى التمهيد مهمة إضاءة الفصول بما يقدّم من تفصيل يُعنى بفن المقالة ،ونشأته،وتطوره،لكي يتم الانتقال إلى الفصول عبر تلك العتبة الملساء التي تسهم في تشكيل خطّة البحث تشكيلاً منطقيّاً تلجأ إليه أغلب الرسائل والأطاريح الجامعيّة،والكتب أيضاً،فقد وجدتُ الباحثة قد جعلت الفصل الأول بمنزلة التمهيد ؛ولهذا صارت الرسالة بفصول خمسة فضلاً عن الخاتمة والفهارس.
في الفصل الأول من الرسالة فن المقالة نشأته، وتطوره في الأدب الإماراتي الحديث فصّلت الباحثة القول في مفهوم المقالة،ونشأتها بالإحالة على اللغة ،والاصطلاح،مع وقفات عند المقالة عند الغرب،وجذورها في التراث العربي الذي كنت أتمنى لو أنها أطالت الوقفة فيه لخرجت بنتائج باهرة،فيما كانت وقفتها عند المقالة العربيّة في العصر الحديث تحليلاً دقيقاً لظاهرة انتشار المقالة الأدبيّة، وكان المبحث الثاني علاقة المقالة بالصحافة الأدبيّة إكمالاً للمبحث الأول،وتوضيحاً للخطوط العريضة التي انبثقت منها الحاجة إلى المقالة،وعلاقتها بالصحافة الأدبيّة عبر كشفها الواضح عن الأثر المتبادل بين الصحافة والمقالة لتتوقف عند المبحث الثالث ظروف نشأة المقالة في دولة الإمارات وعوامل ازدهارها الذي بُني كما المباحث السابقة على رؤية تاريخيّة رابطة تلك النشأة بمحيطها الخليجي، والعربي ،وهو ربط حكيم دلّ على عقل منظّم تابع بواكير الصحف والمجلات الخليجيّة ليكون مدخلاً إلى الحديث عن الصحافة الإماراتيّة التي مرّت بمرحلتين النشأة،والتطّور الذي تزامن مع ظهور التيارات الفكريّة في الخليج،وتوافر عدد من كتّاب المقالة مؤكّدة فاعليّة اللغة بوصفها وعاء للفكر الذي تشتغل عبر آلياته المقالة.
أما الفصل الثاني مقالات نقد المسرح فقد خصّصته الباحثة لمتابعة المقالات النقديّة التي لاحقت النصوص المسرحيّة،وعروضها كاشفة عن عناية المجلة برافد مهم من روافد الثقافة العربيّة المعاصرة،مبيّنة أن مقالات المجلة اقتربت من المسرح من خلال موضوعات المباحث الآتية أنواع المسرح الذي قرأت فيه الباحثة مقالات أنور الخطيب،و ومحمد غانم،و وطفا حمادي،ومحمد اللباني،وساميّة دياب،وسمير سرحان ،ورياض موسى سكران ،وآخرين، و علاقة النص الأدبي المسرحي بالإخراج ،الذي نقدت في مقالات جواد الأسدي،وخالد بدر،وراجع فايز قزق،وعزت عمر، و الرافد والمسرح الإماراتي الذي كشفت فيه عن توجه المجلة نحو الفاعلين في المسرح من مؤلفين،ومخرجين، وممثلين، ونقاد، ودارسين لغرض معرفة وجهات نظرهم حول المشكلات التي يعانيها المسرح مدقّقة في مقالة لسميرة عبدة،وآراء المسرحيين في الإمارات،و الحوار ولغة المسرح بين الفصحى والعاميّة الذي كان سياحة فكريّة حول السؤال الآتي بأي لغة يُكتب للمسرح؟،لتقرر أنّ اللغة الفصحى هي لغة العقل التي تتيح للإنسان أن يعبّر عن مشكلاته بلغة واضحة، ومفهومة مارّة على مقالات هيثم الخواجة،ومحمد إسماعيل بدر،و المسرح العربي بين التراث والمعاصرة الذي كتبت فيه نقداً عن مقالات باسم عبد الحميد حمودي،و عبد المجيد شكير،ومحمد بلال مبارك ،فضلاً عن قراءتها لإشكاليّة أصل المسرح العربي،وكيف تعامل النقاد معه ليكون ذلك المبحث مدخلاً نحو التجربة الإماراتيّة الخاصّة بتوظيف التراث في تجربة الكتابة المسرحيّة.
هذا الفصل بمباحثه المختلفة يدخل في باب نقد النقد؛لأنه كان خطاباً على خطاب معروف توخّت الباحثة من خلاله الكشف عن طبيعة الأنساق الثقافيّة الفاعلة في طبيعة المقالات،وقد برهنت في مبحثها الموسوم بـ علاقة النص الأدبي المسرحي بالإخراج أنها قادرة على أن تقرأ الصورة التكاملية الإبداعيّة في المسرح لتثبت للقارئ أنها ليست باحثة في الأدب وحسب،وإنما لها القدرة على التوغل في حرفيّات الإخراج المسرحي، وتقاناته الفنيّة لتصل إلى نتيجة مؤداها أن الإخراج كتابة صوريّة داخل فضاء المسرح، فضلا ًعن أنّه حوار حيّ أيضاً.
أساليب السرد في الرواية العربيّة
في هذا المبحث تناولت الباحثة مقالات كلّ من هدى عبيد، ونضال الصالح، وناصر يوسف شبانة، و محمد جمال باروت التي صبّت دلالاتها النقديّة في أساليب السرد الروائي الذي شهد تحولات خطيرة في الرؤية ، والنسج النصيّ،وقد تمكّنت الباحثة من القبض على موضوعها عبر وقفات نقديّة عند مجمل المقالات التي تحدّثت في آليات السرد عن الغرب،وجذور السرد في التراث العربي التي وجدتها في السيرة الذاتيّة،والسيرة الشعبيّة،والسرد القرآني،وسرديّة الشعر،والقصص،والمقامة،لتقفز باتجاه المقالات التي كُتبت في السرد العربي الحديث، وقد تبيّن لها أنّ مقالات الرافد النقديّة عُنيت بتقديم أهمّ الآليات المنهجيّة الخاصّة بالتحليل البنيوي للنص السردي.
نماذج لأشهر الروايات العالميّة وكتّابها
وهو مبحث يتكئ على مقالات كتبها غازي حاتم،وممدوح عدوان،وأحمد خلف،ومحمد درويش علي،ومحمد منصور،وحسب الله يحيى،وكانت تلك المقالات قد عُنيت بنماذج روائيّة عالميّة كان لها صدى في الذاكرة الإنسانيّة؛ ولهذا عدّت الباحثة تلك المقالات نافذة مفتوحة على تيارات العالم المعاصر، وجسراً للتواصل الحضاري ، والتفاعل الثقافي.
وكان الفصل الرابع مقالات نقد القصة وفيه أكّدت الباحثة تواصلها النقدي مع مقالات نقد القصّة التي كتبها محمد عبد الرحمن يونس،وبدر عبد الملك،وأحمد المعلم،وعبد الله الخليفة،وعبد الفتاح صبري،وريم العيساوي،وفاضل ثامر،وصبري مسلم متمكّنة بفطنة باحث ماهر من قراءة النقد السياقي،والنسقي النصي بمنهجيّة تواصل المقالات مع التيارات النقديّة،والمدارس الفكريّة.
ومن إشاراتها المغنية أن المقالات النقديّة التي تناولت نقد القصّة في إطارها الاجتماعي سجّلت حضوراً لافتاً في الرافد، فضلاً عن أنها رأت أنّ النتاج القصصي في الإمارات يتنوع بتنوع الاتجاهات،والمدارس الحديثة.
ورأت الباحثة أيضاً أن نقّاد المجلة يحاولون تأكيد العلاقة العضويّة بين القصص والمجتمع ، من دون أن تشير إلى النقد السسيلوجي والياته التي تتحكم في ربط القصّة بالمجتمع استنادا إلى مقولات نقدية تنهل من حاجات اجتماعية معروفة.
ومن إشارات الباحثة الدالّة في هذا الفصل الإشارة إلى حضور الصوت النسائي في الحياة الأدبيّة، وهي إشارة كانت الرسالة بأمس الحاجة إليها نظراً إلى كثرة المبدعات في الإمارات، لاسيّما في حقول الأدب.
أما الفصل الخامس دراسة تحليلية لمقالات الرافد النقدية الذي أعدّه من أهم فصول الرسالة لتعلقه بطرائق بناء المقالة ،وتحليلها مقاربة إياه بمنهجيّة نصيّة خالصة عبر مدخل مهم عاين بناء المقالة من خلال مكونات البناء التي هي العنوان، والمقدمة، والموضوع الذي سمته الجسم، وكنت أتمنى على الباحثة لو سمّته المتن ، والخاتمة،وقد درست الباحثة هذه العتبات دراسة تحليلية تمور بين أحيازها أساليب بلاغيّة تتقصى جمال العبارة والنص معاً،ومما يؤخذ على الباحثة في هذا الفصل وصفها المقالة بالجنس الأدبي،ولا ادري كيف فاتها أن نظرية الأجناس الأدبية تحيل الأدب بعامّة على جنسين مهمين الشعر ،ثمّ النثر،والنثر بوصفه جنساً يحال على أنواع منها المقالة، فالمقالة نوع وليس جنساً.
أمّا خاتمة الرسالة فقد اشتملت على ابرز النتائج التي توصّلت إليها الباحثة ،وهي نتائج لها تماس بالحياة الثقافيّة ليس بالإمكان التفصيل فيها في هذا المقام،ولي أن أشير هنا إلى أهمّ المقترحات، والتوصيات التي جعلتها الباحثة ملحقة بالخاتمة ،وهي تستحق الإشارة لجدتها،وتعلقها بفنّ المقالة النقديّة ،فضلاً عن أنها ترتبط بوزارات حكوميّة لها علاقة بالثقافة مثل وزارة التربية، والتعليم، ولأنها ترتبط أيضاً بالمبدعين لاسيّما كتّاب المقالة، ولها صلة بالمكتبات العامّة ،وأثرها الثقافي،فقد ألقت على كاهلها مهمّة فهرسة الصحف ،والمجلات بحثاً عن الضائع ،والمغمور من المقالات،وتشجيع المواهب الأدبيّة الشابّة في حقل كتابة المقالة،وحثّ الباحثين للتوجه صوب أدب المقالة.
وإذ أنهي قراءتي لمتن الرسالة لا تفوتني الإشارة إلى أهميّة المصادر، والمراجع التي اعتمدتها الباحثة في تأليف رسالتها التي تحيل بالتأكيد على حجم الجهد الذي بذلته وهي تطّلع على أكثر من 223 مصدراً، ومرجعاً منها 115 مقالة نقدية، ولقاء، ودراسة لكي تقول كلمتها في مسألة أدبيّة تعدّها من مجالات الإبداع الأدبي في العصر الحديث.
/5/2012 Issue 4214 – Date 31 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4214 التاريخ 31»5»2012
AZP09
























