المعرض الاستعادي للفنان الرائد محمود صبري بلندن

المعرض الاستعادي للفنان الرائد محمود صبري بلندن
ألوان ذرة الهيدروجين في واقعية الكم
ساطع هاشم
العالم الذي نعيش، عالم من القوى والطاقات التي تتبادل التأثير، وهو في أدق جرئياته مجموعة من الشحنات التي يستحيل التنبؤ بمسار ها مقدما، هذا ما تقول به علوم الطبيعة، وهو ينطبق على الواقع الاجتماعي للإنسان أيضاً، فهل يمكن معالجة الظواهر الاجتماعية اعتمادا على مناهج البحث في العلوم الطبيعية ؟ هذه اسئلة تطرحها العديد من الاختصصات في العلوم الانسانية حاليا لمعالجة مشاكل حديثة ولدتها التكنلوجيا الحديثة، منها مثلا ــ التكوين البيولوجي للإنسان وقدرته البطيئة على استيعاب التقدم التكنولوجي السريع الذي أنتجته المجتمعات المتقدمة ــ وكيف يؤثر البطئ والسرعة أحدهم بالآخر، وماهي مستويات هذا التأثير وهذه مواضيع حساسة ليس للمختصين بعلم الاجتماع ومسؤولي تطوير ستراتيجيات التكنلوجيا الحديثة فقط، وانما للمشتغلين بالفنون الجميلة وبقضايا الابداع الجمالي عامة بقدر متساوي، وقد بدات في الفترة الاخيرة نظرية عدم اليقين للعالم بفيزياء الكم هايزنبيرغ التي ابتكرها قبل حوالي تسعين سنة تطرح نفسها بقوة في هذه الاوساط.
فن واقعي
واقعية الكم هي واقعية فيزياء الكم او على الاقل هكذا تطمح ان تكون، ولا يربطها بالواقعية المعروفة في الأدب أو الفن سوى تشابه المصطلح اما معناه فمختلف تماما، وقد درس محمود صبري فيزياء الكم بعمق وفهم العالم والأشياء من خلالها، وقرأ تاريخ الفن من خلال تاريخ العلم وليس بمعزل عنه كما يفعل الأدباء والفنانين التقليدين. وتسعى واقعية الكم كطريقة بالتفكير إلى إلغاء الحاجز بين الفن والعلم، اي معالجة ظاهرة الفن الاجتماعية اعتمادا على مناهج البحث في العلوم الطبيعية باعتبار أن النشاط الابداعي للإنسان متشابه في العلم أو الفن.
واقعية الكم تنقل البحث الجمالي للفنان واستلهاماته من عالم التاريخ والتراث والافكار الوهمية المجردة والذاتية الممزوجة بالخرافات وتجربة الحياة اليومية المباشرة الى عالم الفيزياء والكيمياء والرياضيات، حيث هناك تم اكتشاف عالم جديد وغريب للمادة، عالم اكثر دقة وواقعية واثارة من ما نراه بالعين المجردة كل نهار او مانتخيله في الاحلام والتخمين والحدس، هذا العالم الذي يتم التعرف عليه اولا في المختبرات وعبر نظريات العلم الحديث المجردة، يعاد مرة اخرى الى الانسان في حياته اليومية، على شكل اجهزة علمية فائقة الدقة ونظريات وفلسفات جديدة غير مألوفة سابقا بالتفكير لتفسير اسرار العالم والكون الذي نعيش فيه لمساعدته في تسهيل حياته، وبناءها بطريقة اكثر تطورا.
هذه الواقعية العلمية الجديدة هي موضوع وهدف واقعية الكم، حيث ترسم الاشياء كما كشفها العلم الحديث وكما راها وفسرها علماء الطبيعة والحياة، لاكما فسرها الملا في الجامع او الحالم بالمقهى، لتعاد مرة اخرى الى الانسان على شكل اعمال فنية تشبع رغباته واحاسيسه الجمالية المتأصلة في تركيبه البايلوجي.
نتحدث هنا عن فن واقعي متجدد وفقا لتجدد العلم، خالي من الطلاسم والتعابير غير الضرورية، وبالنسبة لي فانا أسعى هنا الى أن يكون كلامي مفهوما قدر المستطاع، لان واقعية الكم شئ بلا تعقيد، وقد أصبحت لغزا محيرا لدى غالبية الناس بسبب الفصل القسري بين الفن والعلم في المجتمع والثقافة والتربية.
وحتى نصل الى اكتشاف النسق الهارموني الكامن في اعمال واقعية الكم، سيكون لزاما علينا ان نعرف على أية أطوال موجية بنيت اللوحة، فهذا هو البعد الجمالي لهذه الاعمال لان ما تريد قوله، هو ان هناك دائماً بحث مقصود من قبل الفنان عن القوى والمعاني المخفية تحت سطح الواقع المرئي بدءا من مكونات الكون وعناصره الأساسية والمكتشفة وحتى وعي الناس بهذه الاكتشافات، لانها كلها طاقات من أمواج تتوزعها الطبيعة، والإنسان بناء كامل من هذه الأمواج الموحدة عبر قوى الطبيعة الاربعة العظيمة، القوى النووية العظمى والصغرى والكهرومغناطيسية وقوى الجاذبية، هذه هي عوالم حركة ووجود الانسان الأربعة فقط، حيث يكمن مصيره وماضيه ومستقبله، او كما تفسر بلغة العلم باننا امواج طافية على سطح بحر يرى احدنا الاخر لكننا لانستطيع رؤية البحر نفسه الذي نطفو عليه، فلماذا ننكر هذه الحقائق العلمية عن اصل العالم والاشياء، لسنا سوى أمواج ممتدة بالفضاء اللامتناهي، والألوان المرئية هي الحقيقة الوحيدة التي نراها أمامنا حيث نعيش في عالم رباعي الابعاد لانرى منها بالعين المجردة الا ثلاثة ابعاد.
الضوء طاقة كهرومغناطيسية تنتشر بالفضاء على شكل موجات أو ذبذبات والطاقة الكهرومغناطيسية، تعني أنها طاقة من الكهرباء والمغناطيس، فيجري تمثيلها بالرسوم البيانية العلمية على شكل علامة أي خط أفقي وعليه خط عمودي، لان الطاقة الكهربائية متعامدة مع المغناطيسية، هكذا يجري حسابها على شكل خطوط مستقيمة قائمة ومائلة، أفقية وعمودية في مختبرات العلماء
لذلك فقد اتخذ محمود صبري من هذا التشبيه العلمي طريقته بالرسم، فالتيار الكهربائي مثله مثل الضوء مثل الفوتون كلها مثل سهم منطلق الى الإمام والطاقة المغناطيسية المتولدة عنه والمرافقة له عمودية دائما، والسبب الآخر هو أن الضوء يسير دائماً بخطوط مستقيمة، إلا إذا تعرض الى قوة جذب عالية مثل الكواكب الكبيرة، هذه هي الأسباب التي جعلت محمود صبري يتخذ من الخطوط الأفقية والعمودية والمائلة وسيلته بالرسم.
الصورة التي رسمها وانجزها سنة 1990 هي مسارات حركة إلكترون ذرة الهيدروجين في عدة مستويات
اولا أثناء الصعود ــ امتصاص طاقة ــ يعني خطوط افقية وعمودية ومائلة بلون اسود، كدليل على اختفاء اللون المرئي من حركة الالكترون أثناء الصعود والسبب هو ان طيف الامتصاص غالبا مايكون غير مرئي
ثانيا اثناء الهبوط تنطلق الطاقة من الإلكترون أي تتحرر ــ تلك التي اكتسبها عند الصعود ــ أي تنبعث وتضئ على شكل فوتونات من الألوان أو الحرارة المنطلقة منه
فيتم رسم حركة الإلكترون هذه بالألوان إذا كانت مرئية اي اذا كانت واقعة داخل المجال المرئي للعين البشرية، يعني الارقام المحصورة بين 3800 وهو لون بنفسجي أي النهاية البنفسجية وحتى رقم 7700 وهو لون احمر يعني النهاية الحمراء
وما بين هذين الرقمين توجد بقية الأرقام الخاصة بألوان الطيف الشمسي والتي تسمى spectrum بنفسجي،الأزرق، الأخضر ازرق ازرق فاتح ، الأخضر، الأخضر اصفر، الأصفر، البرتقالي ثم الأحمر
أما إذا كانت الحرارة المنطلقة ذات موجات بأرقام اقل من 3800 مثل 2200 أو 1900 فهذا يعني أنها في المنطقة
فوق البنفسجية أي التي لاتراها العين البشرية وإنما يمكن الاستدلال عليها بواسطة أجهزة خاصة ونفس الشئ إذا كانت أعلى
من رقم 7700 فهذا يعني أنها تحت الحمراء.
اما اذا كانت في المنطقة فوق البنفسجية أو في المنطقة تحت الحمراء فإننا لا نراها لذلك فسوف ترسم أيضاً بالأسود
كدليل على عدم وجود ألوان مرئية خلالها كما فعلنا في رسم حركة الصعود
الصورة تمثل مستويات الطاقة في ذرة الهيدروجين وهي مرسومة على أساس قاعدة غروتريان او الرسم البياني لمستويات الطاقة، توصل إليها محمود صبري في مرحلته الثانية، لتحديد التركيب الداخلي للذرة، أو ما يسمى بالحالات الثابتة للطاقة، وهي بعدة مستويات تبدأ من الحالة الأرضية وحتى مستوى لانهاية، ولتوضيح هذا العمل الفني الكرافيكي بشكل تقريبي نأخذ هذا مثال
تخيل نفسك الان في ملعب رياضي دائري ذو مدرجات، منتصف هذا الملعب هو مكان نواة الذرة، وفي هذا المنتصف ربطنا
كرة بحبل مطاطي…المدرجات في هذا المثال..تمثل مستويات الطاقة المتعددة…اما أرضية الملعب فيمثل أدنى مستوى للطاقة
يعني يرمز إلى مستوى الحالة الارضية في الذرة التي ليس بعدها مستوى آخر، والكرة المربوطة بالحبل المطاطي ترمز الى الإلكترون
اما الحبل المطاطي الذي يربط الكرة فهو رمز قوة الجاذبية ــ ليست الجاذبية الأرضية يجب عدم الخلط ــ وإنما جاذبية نواة الذرة التي
تربط الإلكترون بها
الآن لدينا العناصر التالية وكما شبهناها كمثال
أولا مدرجات الملعب مستويات الطاقة المتعددة من واحد الى ما لانهاية
ثانيا ساحة الملعب مستوى الطاقة الأرضي أو الحالة الأرضية
ثالثا منتصف ساحة الملعب مركز الذرة
رابعا كرة اللعب الالكترون
خامسا الحبل المطاطي للكرة قوة جاذبية نواة الذرة للالكترون
فإذا ضربنا الكرة وهي رمز الإلكترون في هذا المثال ــ يعني تعرضت الذرة إلى حرارة أو طاقة ــ فإنها ستقفز على هذه المدرجات صعودا ونزولا بمستويات عديدة، من المدرج الأول إلى الخامس او السابع مثلا، ثم تهبط إلى الرابع او الثالث وهكذا في حركة مستمرة، هذه الحركة من الارتفاع والهبوط للإلكترون يسمى الامتصاص في حالة الصعود… والانبعاث في حالة الهبوط، وتوصف الذرة خلال هذه العملية من حركة الإلكترون بانها متهيجة أو متأينة أي أنها تعرضت إلى طاقة، أي أنها صارت غير ساكنة، ولكن إذا عاد الإلكترون الى المستوى الأرضي، يعني إذا عادت كرة الملعب إلى ساحته، فيقال بان الذرة ساكنة، يعني عدم وجود مؤثر عليها فهي غير متأينة، أو كما يقال في حالة الملعب الرياضي أن اللعب انتهى، أي أن الملعب ساكن غير متهيج خالي من الضجيج.
AZP09