المصريون ضد حكم العسكر والإخوان
سمير درويش ــ القاهرة تدخل الجيش سنة 1952 بصرف النظر عن تقييم شخص وتجربة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر أوقف مدّاً ثوريّاً تبدى في مظاهرات الطلبة والعمال كان في سبيله لتكوينات شعبية حقيقية تنقل المصريين من فكرة السكان إلى فكرة الشعب الذي تتكون فئاته حول مصالح سياسية واقتصادية واجتماعية وتدفع في سبيل تحقيق مصالحها تلك، كقاعدة لتطور حقيقي على كل المستويات، الآن يحدث هذا في تصوري منذ ثار الشعب في 25 يناير 2011 وخرج إلى الشوارع والميادين مطالباً بحقوقه العادلة في العيش والحرية والكرامة، وهو ما يحتاج إلى وقت وتضحيات وتجارب واختبار فئات وأطروحات جديدة في العمل السياسي، وأخطاء تصل إلى حد البله والعك والخطيئة مما نراه الآن، وربما إلى دماء أيضاً وحتماً، لذلك فإن تدخل الجيش قد يصنع وضعاً أفضل مما نحن فيه بصرف النظر عن تقييمنا لمرحلة حكم المجلس العسكري من حيث الشعور بالأمن وتحسين العلاقات الخارجية وتوازنها وإقامة بعض المشروعات الصناعية والاستهلاكية والخدمية، وتشغيل بعض العاطلين، وإشراك فئات مهمشة في صنع القرار، والاعتماد على ذوي الخبرة لإنهاء سطوة فريق واحد، لكنه بالتأكيد سيوقف هذا المد الشعبي ويعيده مجدداً إلى نقطة الصفر. المشكلة أننا قصيرو النفس، ونحبذ الانتقال دون ثمن جماعة الإخوان المسلمين بحكم تكوينها وخلفيتها الدينية والسياسية والاجتماعية تقوم على قاعدة أن الأعلم بأمور الدين هو الأصلح لإصدار القرار، الديني والدنيوي، وأن التابع يثق في إيمان القائد الذي يعمل لصالح الجماعة المسلمة ، هي إذاً جماعة ديكتاتورية أحادية الاتجاه، يسود فيها رأي الفرد، أو الحلقة الضيقة، على رأي المجموع، ولا يسمح للأقل بمناقشة الأعلى علماً، لأن الجدال حرام شرعاً في عقيدتهم. وأتصور أن خطأها الأعظم حين انتفخت من جماعة ضيقة أعضاؤها عدة آلاف إلى حكم وطن كبير تعداده أكثر من تسعين مليوناً، أنها تعاملت مع الشعب معاملتها لأعضاء الجماعة، عليه أن يسلم بفارق العلم الذي يتفوق به الحاكم مكتب الإرشاد على المحكومين الشعب كله فنشأ هذا الصراع الحتمي بين من يتصورون امتلاكهم الحكمة، وبين من يتوقون إلى الحرية والديمقراطية التي تُعنى بالمواطن وتعتبره أصل الوجود، وتقيِّم تجربة الحكم بما ينجزه الحاكم على الأرض وليس بافتراض أنه مرتبط بالسماء. هذا الشكل الهرمي الديكتاتوري للجماعة هو نفسه الذي تقوم عليه عقيدة الجيوش، فالأعلى رتبة هو الذي يرى أكثر ويعرف المصلحة العامة بحكم معرفته، وبالتالي يكون على الأدنى أن ينفذ الأوامر دون مناقشة حتى لو كانت ضد قناعاته، وحتى لو أضرته شخصيّاً، ساعتها يكون عليه أن ينفذ ما أُمر به أولاً ثم يتظلم منه بعد ذلك. الفارق بين الجماعة والجيش، أن الجماعة تخدم تابعيها من المسلمين ، داخل الوطن أو خارجه، وتضعهم في مقدمة أولوياتها، وهو ما يهدم فكرة المواطنة نفسها مهما قالت كلاماً عن حبها لأصحاب الديانات الأخرى، بينما الجيش يخدم الوطن والمواطنين جميعهم دون تفرقة بين ديانتهم عن طريق تأمين الحدود الخارجية ضد أي تعدٍّ عليها، وحراسة السلم الاجتماعي بين الفرقاء المتصارعين في الداخل ومنع جور أحدهم على الآخر باستخدام القوة أو بالمخالفة للدستور والقانون. غير أن ديكتاتورية الجيش مبررة لأنه يعد أفراده لوقت اعتداء خارجي لا يكون معه وقت للمناقشة أو تدارس الأمور، ديكتاتورية الأزمة هي التي تحفظ الوطن وتحمي حدوده. هذان النمطان لا يصلحان لحكم الشعوب التي تتوق للحرية، فلم يخلق الجيش نظام حكم قابل للاستمرار منذ انقلب على السلطة في يوليو 1952، بدليل أن الشعب ثار عليه بعد أقل من ستين عاماً، ولم تستطع الجماعة أن تقنع المصريين، حتى الذين انتخبوا مرشحها للرئاسة، أنها قادرة على إنشاء مؤسسات حقيقية تعمل لصالح الوطن، بصرف النظر عن شكل وطبيعة السلطة الحاكمة، ما أدى إلى استمرار العمل الثوري الذي يهدف إلى إسقاطها، باعتبارها امتداداً لطريقة الحكم السابق وإن اختلفت الأشكال والمسميات، فلا حديث عن عدالة اجتماعية تقرب الفوارق بين الطبقات وتنتشل نصف المصريين من الفقر والعوز، ولا تحرُّك باتجاه إنشاء مظلة تأمين صحي حقيقي لشعب يعاني معظمه من فشل الكلوي وتليف كبدي، ولا خطط لإصلاح التعليم، فقط اكتفوا بحذف صورة مبارك وتقرير صورة العياط على تلاميذ المدارس. الصراع الخفي الذي يدور إذاً بين الجيش والإخوان المسلمين في الفترة الأخيرة، والذي تؤكده الشواهد والتحركات والتصريحات الصحفية والتسريبات والإشاعات والاجتماعات والصور، هو صراع بين طرفين فشلا في إدارة الدولة المصرية بالتجربة العملية، لأنهما لا يصلحان للحكم حسب عقيدتيهما، لكل منهما مصالحه الاقتصادية وعلاقاته الداخلية والخارجية التي يريد تأمينها، وهما في سبيل ذلك يتجاهلان الطرف الأصيل، الشعب، الذي قدم الكثير من الشهداء والمصابين والمفقودين لتحويل مصر إلى دولة عصرية متقدمة، لا إلى ولاية إسلامية تابعة لجماعة أو خلافة، ولا إلى سكنة عسكرية قاهرة قامعة للحريات. صحيح أن لكل منهما رصيداً شعبيّاً يعملان على تغذيته وتكبيره بدعاوى صادقة مرة وكاذبة مرات، لكنه قليل إذا قورن بمجموع المصريين، هؤلاء الذين ملأت رائحة دمائهم الشوارع الميادين ومازالت، يبتكرون أشكالاً للمقاومة ضدهما معاً، ضد حكم العسكر والإخوان.
شاعر من مصر
/4/2013 Issue 4490 – Date 29 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4490 التاريخ 29»4»2013
AZP07
























