المصالحة الوطنية والجمعة العظيمة
عبد الحسين شعبان
إن أخطر ما واجهته حركات التغيير في الوطن العربي ما بعد العام 2011 هو مسألة المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية. وهما المسألتان المترابطتان اللتان واجهتهما أيضاً الكثير من التجارب الدولية، وبعضها تصدّى لهما بشجاعة على الرغم من ثقل الماضي وتركته الملآنة بالمآسي وتاريخه الحافل بالجرائم والارتكابات، لكن من يريد أن يواجه الحاضر، فلا بدّ أن يفكّر بالمستقبل، بدلاً من العيش في الماضي على حد تعبير نيلسون مانديلا.
ولعلّ شجاعة المنتصر لا تقتضي الثأر من المهزوم، بل العمل على بناء المستقبل بدمجه في إطار مصالحة وطنية دون أن يعني ذلك إهمال الارتكابات والانتهاكات التي تستحق المساءلة وكشف الحقيقة، وفي الوقت نفسه العمل على جبر الضرر وتعويض الضحايا وصولاً للمصالحة الوطنية في إطار إصلاح النظام القانوني والقضائي والأمني، لكي لا يتكرر ما حصل. قد ينصرف الذهن إن المقصود من فكرة المصالحة الوطنية، هو “نسيان الماضي” استناداً إلى الفكرة الدارجة ” عفا الله عمّا سلف”، لكن مسألة المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية أعقد من ذلك كثيراً، وبقدر ما تقتضي عملية التحوّل وضع حد للماضي، فإن هذا الأخير ينبغي أن يظل في دائرة الضوء، لأجل أن تبقى الذاكرة حيّة، والمصالحة لا تعني المبدأ الأخلاقي الذي يقوم على الصفح من جانب المنتصر الذي هو بموضع الاقتدار، بل تعني الانطلاق من الواقع الانتقالي الجديد لإعادة البناء خارج دائرة الثأر والانتقام والكيدية، وبمشاركة الجميع في إطار قواعد للتحوّل الديمقراطي.
استذكرت ذلك بمناسبة مرور عقدين من الزمان على تجربة المصالحة الوطنية في إيرلندا الشمالية، خصوصاً ببعض جوانبها المتعلقة بالعدالة الانتقالية، فبعد صراع وحروب وعنف دامت عشرات السنين، بدأ مشروع بناء السلام في نيسان (ابريل) 1993، حيث تم التوقيع لاحقاً بعد مفاوضات مضنية في 15 كانون الأول (ديسمبر) من العام ذاته على اتفاقية داونتغ ستريت، التي تعهّدت فيها الحكومة البريطانية على عدم إجراء أي تغيير في وضع إيرلندا الشمالية دون موافقة الأغلبية فيها، والعمل على بناء مؤسسات تربط الشمال بالجنوب لغرض تعزيز التعاون في مجال التجارة والسياحة.
وفي 31 آب (أغسطس) 1994 أعلن الجيش الجمهوري الإيرلندي وقف إطلاق النار وأعقبته فصائل أخرى، على الرغم من بعض الاختراقات التي حصلت لاحقاً، حتى كادت عملية السلام أن تتعثر، لكن صعود حزب العمال البريطاني برئاسة توني بلير إلى السلطة، ساعد في اتفاق بريطانيا وجمهورية إيرلندا على تعيين السيناتور جورج ميشيل ليترأس عملية التفاوض حتى وافقت جميع القوى على وقف إطلاق النار تماماً في 18 تموز (يوليو) العام 1997.
وسارت المفاوضات خلال العام 1998 في قصر ستورمونت بالقرب من مدينة بلفاست وتم التوصل إلى اتفاق “الجمعة العظيمة” (عشية أعياد الفصح – الإيستر) بين الأحزاب السياسية التي تمثل الكاثوليك والبروتستانت وحكومتي بريطانيا وإيرلندا.
ويشكّل النزاع البروتستانتي – الكاثوليكي جوهر المشكلة الإيرلندية حيث يؤلف البروتستانت نحو 54 بالمئة والكاثوليك ما يقارب 43 بالمئة من السكان، ويعاني هؤلاء من بعض مظاهر التمييز، وقد عملت بريطانيا منذ استيلائها على إيرلندا إلى زيادة نسبة البروتستانت في الجزيرة الإيرلندية وأصبحت اللغة الانكليزية منذ قرون هي اللغة الرسمية، واستمر الأمر حتى عند استقلال جمهورية إيرلندا في العام 1921 بموجب الاتفاق مع بريطانيا، في حين بقي نحو ثلثها ولاسيّما الشمالي تابعاً لبريطانيا.
انعكست مشكلة الثلث على علاقات جمهورية إيرلندا مع المملكة المتحدة، ففي حين ظلّت مساعي الكاثوليك في الجزء المتبقي، تعمل على الانفصال من بريطانيا لتحقيق حلم الوحدة مع إيرلندا، كانت الأغلبية البروتستانتية تتمسك بخيار البقاء، الأمر الذي أوجد نزاعاً مستديماً، بما فيها ما اتسم بأعمال مسلحة وعنفية، حيث عاشت إيرلندا الشمالية حالة اضطراب سياسي وأمني لعقود من السنين، وتقاتلت الجماعات المسلحة ممثلة للفريقين الكاثوليكي (الميّال لإيرلندا) والبروتستانتي (الراغب في البقاء مع بريطانيا) وخلّف هذا القتال آلاف الضحايا.
قام الجيش الجمهوري الإيرلندي بسلسلة من أعمال العنف والتفجير، وامتدت علمياته حتى شملت العاصمة البريطانية لندن. وردّت لندن بأعمال عنف مضاد وارتبط باسمها “الأحد الدامي” حين شنّت القوات البريطانية هجوماً ضد اجتماع جماهيري في مدينة بلفاست راح ضحيته العشرات في 12 آب (أغسطس) العام 1984، وبدلاً من تقليص العنف كما اعتقدت الإدارة البريطانية لإيرلندا، فإنه ازداد وتيرة، حتى تحقق توقيع الاتفاقية البريطانية -الإيرلندية في العام 1985، التي لم تقنع الفريقين المتنازعين، لكن خطوات المصالحة اللاحقة ساهمت في الوصول إلى اتفاق “الجمعة العظيمة” في العام 1998.
وإذا كانت مارغريت تاتشر رئيسة وزراء بريطانيا الأسبق قد أُرغمت على توقيع اتفاقية العام 1985 بعد تشدّد وتعنّت، فإنها حاولت تثبيت إن أي تغيير في وضع إيرلندا ينبغي أن يحظى بتأييد السكان، كما نصت الاتفاقية على عقد مؤتمر لتحقيق السلام والاستقرار والرفاه واحترام حقوق الإنسان ومنع التمييز وحماية التراث الثقافي، إضافة إلى تحديث نظم الانتخابات وغير ذلك. وتعتبر اتفاقية ” الجمعة العظيمة” نقطة تحوّل في المسألة الإيرلندية، لاسيّما إشراك جمهورية إيرلندا في المؤتمر الخاص بشؤون إيرلندا الشمالية، على الرغم من تحفظات الكاثوليك الوحدويين على الاتفاقية، وهو ما أثار حفيظة البروتستانت أيضاً.
وكان استمرار القتال وأعمال العنف قد أدى إلى بروز تيار جديد من الفريقين يسعى لاستمرار المفاوضات ويضغط على بريطانيا والجمهورية الإيرلندية والأطراف المتنازعة في إيرلندا الشمالية، وهو ما حصل في اتفاق الجمعة العظيمة، حيث تم إلزام المشاركين بنصوصها وتعهّدت بريطانيا وجمهورية إيرلندا على احترامها، وأكدت على مبدأ هام وهو استقلال إيرلندا، وشرعية خيارها الحر بالأغلبية على أساس حق تقرير المصير دون ضغط خارجي، وهو ما قررته إيرلندا الشمالية أي البقاء في بريطانيا، واعتماد الوسائل السلمية والديمقراطية لحل الخلافات على أساس المصالحة ومبادئ التسامح والدفاع عن حقوق الإنسان وقد أفردت حيّزاً خاصاً لهذه المسألة، لاسيّما ما يتعلق ” بتكافؤ الفرص والاحترام المتبادل للحقوق الدينية والحق في التفكير السياسي الحر”. جدير بالذكر أن اتفاقية الجمعة العظيمة نالت 71 بالمئة من أصوات الإيرلنديين في الاستفتاء الشعبي وعلى أساسها ثم بناء جهاز تشريعي وسلطة تنفيذية ومجلس وزاري شمالي وجنوبي لمتابعة المصالح المتبادلة والتعاون في المجالات كافة، واتخذت عدداً في الإجراءات المتعلقة بإطلاق سراح السجناء ونزع الأسلحة والحق في الحصول على الهوّية الإيرلندية أو البريطانية أو كليهما. وبذلك أنهت بريطانيا مرحلة حكمها المباشر وأصبحت إيرلندا تتمتع باستقلال ذاتي في سلطاتها وتحديداً في قطاعات التعليم والصحة والنقل والسياحة والبلديات والبيئة والرياضة والاقتصاد وغيرها، في حين ظلّت تحتفظ بمهمات الدفاع والعلاقات الدولية.
إن أساس المصالحة في إيرلندا هو الاعتراف بالآخر على قدم المساواة، وحقه في القيام بممارسة شعائره الدينية بكل حرّية وإزالة أسباب التوتر الطائفي، لاسيّما بنزع السلاح الذي كان واحداً من العقد الكبيرة، وقد كان التوافق على ذلك وإنهاء الكفاح المسلح وانتخاب الجمعية في إيرلندا الشمالية أساساً في الوصول إلى المصالحة الوطنية.
ونستطيع القول أن ما سارت عليه بعض التجارب الدولية، سواء في إيرلندا الشمالية أم في تشيلي أم الأرجنتين أم بعض دول أمريكا اللاتينية أم ما حصل في دول أوربا الشرقية أم المغرب أم جنوب أفريقيا أم غيرها، هو ما تحتاج له التجارب الجنينية في البلدان العربية التي جرت فيها تغييرات منذ العام 2011، والأمر لا يتعلق باقتباس أو تقليد أو استنساخ أو نقل حرفي لهذه التجارب بحذافيرها، بقدر الافادة منها، خصوصاً اعتماد مبدأ التوافق، وهذا ما احتاجت إليه عملية إعداد الدساتير كما حصل في تونس ومصر وما تحتاج إليه اليوم اليمن وليبيا، وضمان حقوق الجميع دون تمييز، والعمل على مشاركتهم في إطار “الديمقراطية التوافقية” كمرحلة مهمة وخيار حيوي للانتقال الديمقراطي، وقد لعبت منظمات المجتمع المدني في إيرلندا الشمالية دوراً إيجابياً في نشر قيم ثقافة جديدة تقوم على أساس الحوار ونظمت ورش عمل للمصالحة في برامج الشباب والقادة والنساء، فضلاً عن تعميـــــــم ثقافة التسامح ونبذ العنف ومعالجة آثار الطائفية.
إن نجاح أية تجربة تقتضي مشاركة الجميع دون إقصاء أو تمييز أو تهميش لاعتبارات سياسية أو دينية أو إثنية أو لأي سبب آخر، أما المرتكبون فالقضاء وحده هو الفيصل في الحكم وعلى أساس الادعاء الفردي.
{ باحث ومفكر عربي
























