الله يحفظ راعي البيت
حيدر علي الجبوري
مهما تمطت مسافات الزمن , وأخذت السنين بالاتساع , ثمة ما يبقي الأماكن كما هي بلحظة ما , وكأن الزمن توقف هناك والتقط صورة للحدث . ما تزال تلك الدربونة المظلمة تأخذ حيزا بذاكرة العمر , وما زلت هناك , بلحظة سمعت بها صبية الدرابين يطبلون على علب الحليب الفارغة أمام البيوت , وهم يغنون بأعلى صوتهم الأغنية الشهيرة ذات الدعاء : الله يخلي راعي البيت , آمين , وبجاه الله وإسماعيل , آمين . سمعتهم , ثم ركضت خارجا من الدار كي أراهم فإذا هم صبية منطقتي , جاءوا بواحدة من متع العطلة الصيفية , علهم يجمعوا بعض النقود ويشتروا ما يشترون بها , ولأنها ليلة واحدة لا تتكرر إلا مرة في كل عام , ذهبت معهم بعدما وجدت في بيتنا علبة حليب نيدو كانت للتو قد نفدت , كان القرع عليها مميزا بصوت أعلى مما كانوا يحملون لكبر حجمها , لكنني كنت أقف آخرهم دون أن ادري لماذا . وفي أول محاولة لي معهم , تأملت المنزل الذي وقفنا عنده , كان المصباح الوحيد في واجهته معطلا , وسكون غير معهود في بيوت شوارعنا يحيطه , فبدأنا بالطرق على علبنا , ثم ازددنا بقوة ظنا منا ا ن أهل الدار نائمون وسنوقظهم كي يعطوا لنا ,وإذا برشة ماء أتت من خلف الباب وبللت من كان في مقدمتنا و جعلتهم يهربون , فكانت ردة فعلنا أغنية أخرى نستخدمها في حالنا هذي : أهل الفقر رشوا علينا مي حار … واصلنا الطواف حول البيوت , صاحب بيت نثر الفلوس المعدنية نثرا على رؤوسنا فصرنا نبحث عنها تحت الضوء الخافت , وكل من يجد ما نثر ذلك الرجل يكون له , ولم احصل على شيء سوى النظر لفرحة الصبية بما وجدوا , أراهم يتوغلون نحو دروب أكثر بعدا عن منزلي , وبرغم ما سمعت منهم إن هنالك بيتاٍ أعطى ساكنه لصبية قبلنا مالا لم يخطر ببال احد , لكن خوفي من الليل وبعد ذلك المكان منعاني أن استمر معهم , ثم رحلوا , ورويدا رويدا كان صوت قرع علبهم المعدنية يختفي حتى ما عدت اسمعه . كنت اطرق بعلبتي وحيدا ,تاركا لقدمي خريطة العودة للبيت دون الحصول على فلس , وبذات الوقت أتحسس مكان سقوط قطعة نقود على رأسي حينما رماها صاحب الدار علينا , ابحث عنها معتقدا أنها اختبأت تحت شعري الكثيف الذي لم احلقه منذ بدأت العطلة الصيفية , ولن احلقه حتى تبدأ المدرسة . ومما لم ينه تلك الليلة , وجعل الزمن عندها يتوقف ويأخذ لي صورة , توقفت عند باب دار كان لونه ابيض , مزخرف من الأعلى بتاج كملك ضائع في درابيننا , بدأت الطرق على علبتي , واغني أغنية تلك الليلة لوحدي , فإذا بباب الدار يفتح , وامرأة تنادي لي أن اقترب إليها وآخذ منها ما ستعطي , لم يكن صوتها بالغريب , لكنني لم اصدق أنها معلمتي لدرجة إني سألتها إن كانت هي بالفعل أم لا , فضحكت كثيرا وقالت لي : سأعتبر نفسي لم أعرفك , تعال وخذ…
























