الكنز

قصة قصيرة

الكنز

(ما اصعب هذه الحياة وأمرّها)

عبارة انسابت على شفتي خليل الموظف البسيط الذي لا يملك الا راتبه الشهري الذي ينفق منه على زوجته وطفليه .. كان اليوم حارا شديد الجفاف في حين راح يجرُّ خطاه الثقيلة محتميا بظل جدران المباني العالية على جانبي طريقه وقد سرح فكره في امر ما كما هي عادته في كل يوم حين يعود الى منزله وهذا الامر كالعادة ليس بذي بال ككل الامور التي يفكر فيها ليضيّع بها الاربعين دقيقة التي يقضيها في سفره من والى الدائرة التي يعمل فيها … استيقظ باكرا هذه المرة سابقاً وقته بربع ساعة على الوقت الذي يستيقظ فيه كل يوم وأستقبل فجراً منعشا يبشر بصباح جميل من صباحات تموز الحارة , تناول فطوره البسيط وشرب قدح الشاي بأستعجال كي يريح رجليه هذا اليوم من عناء الوقوف في الباص فقد اشتاق كثيرا لأن يجلس على احد مقاعد تلك الحافلة التي كانت تأتي دائما معبأة بالركاب كأنها علبة سمك سردين .. ركب الحافلة وكانت دهشته كبيرة حين وجد متسعا للجلوس رغم انها لم تسبق الوقت الذي تأتي فيه عادة ً ولكن المفاجأة الاكبر حين عرف ان اليوم هو الجمعة ولم يكن هنالك داع للاستيقاظ مبكرا والخروج من المنزل وتندم على ساعتين اضافيتين كان بأمكانه ان يقضيهما في النوم .. فكر مليا مع نفسه ,أيعود فينام فلا يخسر شيئا ؟ أم انه يستأنف مسيره مع مسير الباص ؟ وينزل في منطقة الوقوف قرب سوق الشورجة فيسكب فيه بعض الزفرات على عمر ضاع منه لا يدري كيف ؟ وهو لا يستطيع شراء أي شيء سوى وقوده الذي يحركه أو يراقب بعض الناس وهم يكسبون ما يضمن لبعضهم حياة ميسورة نسبيا ً ورخاء وسعة للبعض الاخر .. حين أنتبه من شرود ذهنه كانت الحافلة قد وصلت الى (جنة احلامه) فهم سريعا ً بالنزول , وحالما كانت رجلاه تسير هوينا على رصيف ذلك المكان دخلت الاصوات المعروفة اذنيه بلا استئذان , اصوات باعة يروجون لسلعهم , وحمالون يريدون من يستأجرهم وابواق المركبات المحملة بالبضائع , فزفر زفرة اعمق من زرقة عينيه الذابلتين وندب حظه الذي لم يجعله من اصحاب رؤوس الاموال أو على الاقل من اصحاب الدخل غير المحدود , ثم اسرع حالاً للابتعاد عن ذلك المكان لكي لا يعذب نفسه بمطالبها التي لا تجد من يلبيها وقرر العودة الى البيت وأخذ ما ضاع منه في الصباح وتعويضه , فكر فعلا بالنوم عسى ان يحقق ما يريده في احلامه على الاقل , وان لم يحصل ذلك في السابق فكيف يحصل هذه المرة وقال في نفسه : عسى ان أحلم مع ان هذه الحياة قاسية لا تعطينا ما نريد حتى في الاحلام .. ثم ردد بصوت مختنق بيتاً من الشعر نسي أسم قائله :

إن أقبلت كادت تقاد بشعرةٍ

وإن أدبرت كادت تُقدّ السلاسلا

وصل الى بيته ذي الحجرتين والذي مضى على بنائه اكثر من نصف قرن وكانت الساعة لم تتجاوز الحادية عشرة صباحا فقابلته زوجته بشكواها المتواصل عن البيت والاولاد والجيران ولم تسأله لماذا عاد قبل وقته المحدد .. _هل رأيت ما فعل ابن الجيران بأبنك ؟ لقد شجّ رأسه بحجر بينما كانوا يلعبون . وها هو ينزف .. أنظر .. وأرته زوجته الجرح الذي في رأس ابنه فلم يكن سوى خدش بسيط .. أنصرف عنها وهو يهدأها بكلمات يتوعد فيها تارة ويهدد فيها تارة اخرى : _ سوف ارى لماذا لا يربي هذا المنتفخ أبنه بدل أن يربي كرشه .. بعد هذه المحادثة كان خليل قد وصل الى منعطف الشارع الذي فيه منزله وكان شارد التفكير كما هو حاله دائما ولكن لحسن الحظ انه كان سريع الانتباه اذا فاجأه امر او داهمه خطر وبينما هو يهم بالرجوع الى المنزل صاح صيحة تحمل بين طياتها الالم والفرح المكتوم أثر اصطدام رجله بشيء ثقيل صلب فصاح : اااااخ .. لفت نظره بسرعة منظر غريب .. فما يراه حقيقة لا يصدقها حتى المجانين .. هذا ما حدّث به نفسه .. كان المنظر علبة من الصفيح المخصص لوضع زيت الطعام مكتوب عليها (زيت الراعي) _ جاءه الجواب من عينيه _ ولكنه لا يصدق عينيه فهو يرى بداخلها اشياء غريبة (ذهب _ مجوهرات _ عملات نقدية بالدولار الامريكي من فئة كبيرة _ شيء ما يستخدم للقتل مع بعض اطلاقاته ) .. تمنى في نفسه ان لا يجد أثرا لصاحبه يدل عليه وخالطته فكرة انه اذا سلمه الى الجهات المعنية فأنه قد تضيع عليه الفرصة في الثراء السريع ,, وهو الذي لم يتمن ربع ما موجود في الصفيحة فحتى امنياته كانت بسيطة وهاهو امام كنز يمكن ان يعيش منه مرفها ان اراد التوقف عن العمل هو وابناؤه واحفاده في المستقبل .. وكانت الصدمة الاقوى انه لم يجد ما يشير الى علامة على صاحب هذا الكنز .. لم يخبر احداً ولم يعد الى البيت كي يحمل معه الكنز بل وضع قطعة من الورق المقوى على الصفيحة وجلس عليها وراح يفكر ماذا يفعل في هذا الكنز .. هل يبني جامعاً يدر عليه الحسنات ؟ هل يشتري مبان سكنية وتجارية لتدّر عليه الاموال كما تدر البقرة الحلوب ؟ هل يبني مدرسة لكي يساهم في انتشال جزء من هذا المجتمع من الجهل والامية ؟ فقد كانت لديه نظريات في الاصلاح والتربية .. فأعترض عقله على هذه الفكرة لأن المدرسة وحدها لا يمكن لها ان تبني مجتمعا ما لم تتوفر عوامل عديدة ؟ اذن سأعين راتبا للذين لا يجدون الرغيف كي اضمن قصري في الجنة .. ثم قال في نفسه : _ سأبدأ بالتفكير من جديد وسأوضح مقاصدي جيدا اذ انني اهملت نفسي قليلاً ولأبدأ على شكل نقاط : 1- سأشتري منزلاً فخما أملأه بأثاث فخم 2- سأشتري سيارة فخمة وأضعها في كراج بيتي الفخم 3- سأشتري لي ولزوجتي وأولادي ملابس راقية وأملأ عنق زوجتي ومعصميها بالذهب . 4- سأدخل اولادي الى مدارس فخمة وأشتري لهم ما يشتهون من اللعب 5- ثم سأبني فندقا سياحيا من الدرجة الاولى في وسط العاصمة يحتوي على على مساحة امامية أملأها بالحدائق والمسابح و….. و……..و…….و…… انقطع عن التفكير وشرورد الذهن ملتفتا الى صوت ولده الصغير المفجوج الرأس وهو يقول : _أبي ان امي تدعوك للغداء وتقول لك ان لم تستعجل الحضور فسوف تحرم من الشوربة البيضاء التي اعدتها .. فنظر الى ما تحته فوجدها صفيحة من الازبال وأدرك ان حمى احلامه النهارية قد عاودته فلم يسعه الا ان يتبع أثر ولده متحسراً على عدم اكمال هذا الحلم الجميل …

احمد الخالدي- بغداد