الكاتب علي لفته سعيد: رواية مثلث الموت أبكتني كثيراً
فاضل المعموري
انا كثير البكاء و رواية مثلث الموت قد اتعبتني و ابكتني كثيرا لان فكرة الرواية و الخطوط العريضة هي عن قصة حقيقية حدثت معي في ايام الطائفية المقيتة و افقدتني زميلا و صديقا عزيزا علي.. وقد خدمتني الصدفة و رحمة الباري عن عدم الذهاب معهم في ذلك اليوم و الا لكنت احد المغدورين الذين طالتهم الايدي الاثيمة .. كنت كلما أكتب احداث الرواية كان ( أحمد أدم ) حاضرا معي يحرك الحزن في داخلي و يجعل الدمع شيئا عاديا مثل الموت الذي اصبح شيئا عاديا في زمن غير عادي .
هذا جزء من حديث الاديب الروائي والشاعر والناقد علي لفته سعيد في امسية استضافه بها البيت الثقافي البابلي في مدينة ( الحلة ) قدمه بمنتهى الروعة و البساطة الاستاذ الناقد زهير الجبوري و بحضور جمع غفير من الكتاب و الادباء و المثقفين من محافظتي بابل و كربلاء .
بعد موجز بسيط عن البطاقة الشخصية للمحتفى به فتح باب المداخلات و القراءات النقدية ابتدأها الدكتور الناقد علي حسين يوسف و هذا شيء مما قاله :
أن الرواية العراقية مازالت في المخاض و مازالت تعاني من سرد واقع مؤلم و قاس فرضته الاحداث التي مرت و مازال البلد يمر بها رغم ان الكتاب بصورة عامة قد وجدوا فسحة من الحرية للكتابة دون قيود او مضايقات ورواية صديقي الصريح جدا علي لفته سعيد هي نتاج مرحلة مهمة من مراحل قد عاشها اغلبكم.
ثم جاء دور القاص حمودي الكناني و قبل ان يدخل في مداخلته رد على الدكتور علي حسين يوسف حيث قال :
أن الرواية العراقية خرجت من المخاض منذ زمن طويل و الدليل على ذلك انها تقرأ عالميا في امريكا و غيرها من البلدان فقط هي تحتاج الى من يترجمها الى لغات العالم و سترون صدى اكبر لها .
اما عن الرواية فقد كتبت ورقة نقدية رغم اني لست بناقد لكن سأحاول ان اعرض ما اخذته من انطباع عند قراءتي لها من منا لم يعش لحظات الخوف و الوجل عندما يذهب في تلك الفترة الى العاصمة او يأتي منها و هو يمر بمناطق ساخنة تخرج منها رائحة الموت لكن هنا يوجد اختلاف بسيط لان احساس الكاتب و نظرته لما يراه و يمر به يختلف عن الانسان العادي لأنه يتعمق في كل شيء و يضيف عليه من خياله الخصب بل هو يرى الاشياء بعين لا تراها العين الاخرى .
و رواية مثلث الموت لم تغفل اي شيء و كتبت بصورة كاملة و قد سجل و وثق الروائي حقبة زمنية مهمة و صعبة لأحداث وقعت في زمن معين و مكان معلوم و اكبر أمنياتي الان أن تأخذ الرواية مداها و مكانها الصحيح و تحول الى فلم سينمائي او مسلسل ليراها المشاهدين .
ثم جاء دور الاستاذ الباحث حسن عبيد عيسى ليدلو بدلوه حيث قال
كل متلق يتلقف منتجا ثقافيا فإنه يبحث عما يقع ضمن اهتمامه..لاشك ان الصورة التاريخية هي بعض ما يبحث عنه متلقون محددون..والمنتج الثقافي لوحة كان او رواية او قصيدة ربما يحوي صورا تاريخية مؤثرة..فالنخلة والجيران ليست كتابا تاريخيا ولا هي رواية تاريخية..ولكنها حفظت لنا مشاعر وسلوكيات وطبائع وعلاقات مجتمع بغداد في حقبة الاربعينات وظلت تسلمها بامانة الى الاجيال المتعاقبة ووصلتنا لتعبرنا لمن خلفنا..ولقد وقف المرحوم جمال الغيطاني وهو يقدم برنامجا تلفزيونيا سنة 2005 في ارض خالية من احدى حواري القاهرة العزيزة وهو يشرح تفاصيل ثلاثية نجيب محفوظ ليقول:يفترض انها أطلت من شباك يقع في هذه البقعة حتى تتمكن من رؤية الزاوية الفلانية،ولكن لا بناء هنا.. اقرب بناء يبعد 15 مترا..إذا فالغيطاني يؤكد على تاريخية النص المحفوظي..أنا لا أطالب ان يكتب المبدع تاريخا ولكني اثني على الاخ علي لفته سعيد الذي خلد مشاعرنا ومآسينا ومخاوفنا على راهننا ومستقبلنا ومصير وطننا..وهو يسرد حوادث عشناها ونعرف تفاصيلها ولكن بطريقة ابداعية هي اسلوب الروائي علي لفته سعيد..لقد كانت هناك عوامل عديدة تكمن في شخصية علي جعلته ينحى هذا المنحى ..منها الثقافة الموسوعية التي اكتنزها من خلال النهم في القراءة المتنوعة الذي يتحلى به والمستوى الراقي من الابداع اضافة الى عمله الصحفي.. فأصل الرواية تحقيق صحفي استقصائي يقوم به الصحفي سلام. وهنا يبدأ العمل الاكثر سخونة في الرواية.
لاشك انني افخر بما قدم لنا علي .فهو مثلا صور المشهد الحربي دون استشارة احد ..وكم كنت اتمنى لو انه عرض مخطوطة الرواية علي لقدمت له مشورة كانت تنفعه في صنع سيناريو المشاهد الحربية وخاصة القتال بين المقاتلين والامريكان في اللطيفية..
واذا ما طولبت ببيان السمات التي توسمت بها الرواية أقول:انها السمات التي يتحلى بها كاتبها،فهو جريء صريح مباشر..ووفي ..هذه السمات هي التي تجسدت بوضوح في الرواية التي يسعدنا الاحتفاء بها وبكاتبها اليوم..
وفي مداخلة للاستاذ حيدر العابدي قال :
يطرح القاص في روايته تسائل (كيف و لماذا الموت في بلدي بالمجان) وايضا قدمها باسلوبه الخاص به حيث يجعلك تتفاعل مع الاحداث المتصاعدة ثم يتركك لتبحث انت عن نهايات حسب تصورك انت .
يقول العابدي ان الحياة في العراق هي الشيء الاستثنائي و ليس الموت .. !!!
ثم يكمل حديثه و نظرته الفنية عن الرواية فيقول تأخذنا رواية مثلث الموت إلى عمق المأساة في العراق يسردها لنا بلسان سارد عليم مشارك وفق تساؤل يرسم أكثر من علامة استفهام فكرية ينفتح على عدة إجابات تتناسل من خلالها الكثير من الحقائق والوقائع لنكون على تماس مع الموت داخل مثلث الموت تتخذ أحداث الرواية خطا بيانيا تصاعديا اي حدث طبيعي ثم توتر فذروة لكن سرعان ما ينتهي هذا الحدث بتأجيل الحسم .هناك دلالات فكرية جهد الكاتب في توظيفها بعناية تبدأ من عتبة العنوان وتنتهي بمدلول معلن (الموت صناعة وطنية . الرواية قد نجحت في كشف النقاب عن حقيقة ما يجري اليوم من صراع ديني مذهب وسياسي حزبي ضحيته الشعب بكل اصناف كما ساهمت الرواية في فضح وتعرية الكثير من صناع الموت لذا هي رواية تنتمي بأسلوبها إلى تيار الواقعية النقدية الذي نضج بعد التغيير لإدانة كل أشكال الاستبداد والتسلط
ثم جاء دور الاستاذ القاص و الروائي علي لفته سعيد ليرد على بعض المداخلات فاجاب بشيء من العجالة لضيق الوقت
حيث بدا بشيء من الحزن يعتريه و يجثم على صدره فاحب ان يبوح به
لي عيْنان
وكل هذا الحوْلُ كثْرُ
هكذا راح يسرد هم الكتابة و معاناته معها منذ الزمن البغيض المباد و مازال يتجدد في هذا الزمن الفاسد العفن قال رادا على صديقه الدكتور ان الرواية العراقية ليست بمخاض بل هي شيخ كبير اخذت مداها و وصلت للعالمية ولي زملاء كتاب قد توهج اسمهم في بلاد بعيدة و سجلوا بصمة كبيرة يشار لها بالبنان لكن هناك حسرة كبيرة فالكاتب هنا يعاني ما يعاني وربما يكتب و لا يستطيع طبع او نشر ما يكتبه من قصص او روايات او حتى قصائد شعر فهل تعلمون يا اصدقائي ان روايتي هذه قد كلفني طبعها ان اقتطع من لقمة اطفالي الخمسة الشيء الكثير و اقع تحت وطاة استغلال الناشرين في الخارج و سماسرتهم في الداخل بينما تجد الكتاب في الخارج هم من يفرضون شروطهم على دور النشر . !!!
و هذه ليست المعاناة الاولى فقد صدمت بواقع مرير منذ ذلك الزمن و رفضوا طبع رواياتي بحجج واهية و بعقلية رجعية متسلطة حتى اني اذكر حادثة طريفة قال لي احدهم ان على الكاتب ان يذهب الى جبهات القتال لكي يعيش حالة الحرب و يلمسها عن قرب لكي يبدع فيها فقلت له لو كان بطل روايتي احد شاربي الخمور لشربت بعض الخمرة رغم اني لا اشربها و عرفت ماذا يكون الشخص و كيف يتصرف في حالة السكر لكن بربك لو اني اردت ان اكتب عن فتاة ليل و بائعة للهوى فماذا افعل هنا ؟!!!
و اتذكر ان نفس هذا الشخص الذي رفض التوقيع على طبع روايتي حيث كان خائف من ان يسجن لانه قال لي انا سجنت احدى عشرة مرة و لا اريد بسبب روايتك تزيد واحدة اخرى لكن يشاء القدر و يسقط النظام السابق فينشر هذا الشخص مقالة صغيرة عني في احدى الصحف ومن اهم ماقاله في مقالته ان علي لفته سعيد كان شجاعا لانه كتب روايته و انا كنت جبانا و لم اوافق على طبعها .

























