العصر‭ ‬الذهبي‭ ‬لهذا‭ ‬الشيء-كامل عبدالرحيم

‭ ‬انتهى‭ ‬العصر‭ ‬الذهبي‭ ‬لهذه‭ ‬المنصة،‭ ‬تلك‭ ‬المنصة‭ ‬والفضاء‭ ‬الذي‭ ‬أكتب‭ ‬فيه‭ ‬الآن‭.‬

كان‭ ‬هذا‭ ‬الفضاء‭ ‬ثورة،‭ ‬ثورة‭ ‬بكل‭ ‬المعاني‭ ‬وقد‭ ‬وفرت‭ ‬وحققت‭ ‬هذه‭ ‬الثورة‭ ‬عدالة‭ ‬غامضة‭ ‬لظلم‭ ‬عتيد‭ ‬قديم‭.‬

لقد‭ ‬ميز‭ ‬هذا‭ ‬الفضاء،‭ ‬وأظنه‭ ‬يقصد‭ ‬ذلك،‭ ‬ميز‭ ‬بين‭ ‬ثقافة‭ ‬السلطة‭ ‬وسلطة‭ ‬الثقافة‭ ‬حين‭ ‬انتصر‭ ‬لهذي‭ ‬ومنحها‭ ‬كل‭ ‬ماهو‭ ‬متاح‭ ‬لتعبر‭ ‬عن‭ ‬نفسها،‭ ‬ظهرت‭ ‬سلطة‭ ‬الثقافة‭ ‬الخفية‭ ‬والخفيفة‭ ‬و‭ ‬الناعمة‭ ‬حيث‭ ‬مضت‭ ‬كصباح‭ ‬بنوره‭ ‬الأزلي‭ ‬وهو‭ ‬يكشط‭ ‬ويقشع‭ ‬طبقات‭ ‬البهتان‭ ‬والزيف‭ ‬والتملق‭ ‬والبذاءة‭ ‬التي‭ ‬كرستها‭ ‬ثقافة‭ ‬السلطة،‭ ‬لم‭ ‬تهزم‭ ‬بالطبع‭ ‬ثقافة‭ ‬السلطة‭ ‬ومازالت‭ ‬تسود‭ ‬وتحكم‭ ‬ولكن‭ ‬بانت‭ ‬عورتها‭ ‬وتبدت‭ ‬هشاشتها،‭ ‬هي‭ ‬اليوم‭ ‬تملك‭ ‬ولا‭ ‬تحكم‭ ‬وتصاغر‭ ‬مثقف‭ ‬السلطة‭ ‬ليأخذ‭ ‬حجمه‭ ‬الضئيل‭ ‬الحقيقي‭.‬

‭ ‬لقد‭ ‬وفر‭ ‬وهيأ‭ ‬هذا‭ ‬الفضاء‭ ‬لأقلام‭ ‬ظلمت‭ ‬بالتعبير‭ ‬عن‭ ‬نفسها‭ ‬أو‭ ‬بالأحرى‭ ‬عن‭ ‬ثقافة‭ ‬أخرى،‭ ‬تبدو‭ ‬بعض‭ ‬أخطائها‭ ‬كأفضل‭ ‬فضائلها،‭ ‬فضيلة‭ ‬الحقيقة‭ ‬والعمل‭ ‬والدفاع‭ ‬عنها‭ ‬وعن‭ ‬نشرها‭.‬

‭ ‬هذه‭ ‬العدالة‭ ‬الغامضة‭ ‬انتهت‭ ‬حين‭ ‬قام‭ ‬الذكاء‭ ‬الصناعي‭ ‬بسرقة‭ ‬مواهبنا‭ ‬الصغيرة‭ ‬وحيلنا‭ ‬القديمة‭ ‬وخبراتنا‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬كل‭ ‬حياتنا‭ ‬وما‭ ‬نملك،‭ ‬وتوفيرها‭ ‬لسلطة‭ ‬أخرى‭ ‬هي‭ ‬سلطة‭ ‬التفاهة‭.‬

‭ ‬كنت‭ ‬أراقب‭ ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬الأخيرة‭ ‬كيف‭ ‬يكتب‭ ‬البعض‭ ‬وأنا‭ ‬أعرفهم‭ ‬وأعرف‭ ‬حدودهم‭ ‬وأغلاطهم،‭ ‬ولو‭ ‬يعلمون‭ ‬كم‭ ‬هي‭ ‬أجمل‭ ‬من‭ ‬أثر‭ ‬هذا‭ ‬الذكاء‭ ‬على‭ ‬أفكارهم،‭ ‬لقد‭ ‬فعل‭ ‬الذكاء‭ ‬الصناعي‭ ‬ما‭ ‬فعلته‭ ‬عمليات‭ ‬البلاستيك‭ ‬سيرجري‭ ‬بالجمال‭ ‬الطبيعي‭.‬

‭ ‬قد‭ ‬يقول‭ ‬قائلون‭ ‬بأنها‭ ‬سمة‭ ‬العصر‭ ‬وأنا‭ ‬أقر‭ ‬بذلك،‭ ‬لكن‭ ‬ثمة‭ ‬موقف‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬سوء‭ ‬فهم‭ ‬أو‭ ‬مظلمة،‭ ‬الموقف‭ ‬السليم‭ ‬هو‭ ‬الإضراب،‭ ‬مثلما‭ ‬قاطعنا‭ ‬وقاطعتنا‭ ‬صحف‭ ‬السلطة‭ ‬وثقافة‭ ‬السلطة،‭ ‬علينا‭ ‬مقاطعة‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬الاستحواذي‭ ‬والسرقة‭ ‬التي‭ ‬شرعنتها‭ ‬سلطة‭ ‬جديدة‭ ‬هي‭ ‬الأكثر‭ ‬خطورة‭ ‬مثلما‭ ‬هي‭ ‬الأكبر‭ ‬هيمنة‭ ‬وهي‭ ‬سلطة‭ ‬الذكاء‭ ‬الصناعي‭ ‬حيث‭ ‬تدور‭ ‬المعارك‭ ‬الكبرى‭ ‬حول‭ ‬الاستئثار‭ ‬به‭.‬

‭ ‬ماذا‭ ‬نفعل‭ ‬غير‭ ‬الصمت‭ ‬وهو‭ ‬سلاحنا‭ ‬القديم،‭ ‬ليس‭ ‬بين‭ ‬يدينا‭ ‬غير‭ ‬العودة‭ ‬للقديم،‭ ‬عودة‭ ‬نوستالجية‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬لا‭ ‬يفرق‭ ‬بين‭ ‬تفاهته‭ ‬وعظمته‭ ‬أو‭ ‬هو‭ ‬يخلط‭ ‬قاصدا‭ ‬بين‭ ‬التفاهة‭ ‬والأبهة،‭ ‬سنعود‭ ‬إلى‭ ‬مسجلة‭ ‬الكاسيت‭ ‬القديمة‭ ‬بشريطيها‭ ‬المزدوجين‭ ‬لنسمع‭ ‬داخل‭ ‬حسن‭ ‬ونجاة‭ ‬الصغيرة،‭ ‬سنعود‭ ‬إلى‭ ‬تخوت‭ ‬المقاهي‭ ‬المعتقة،‭ ‬نتهالك‭ ‬فوق‭ ‬حصرانها‭ ‬المتهرئة‭ ‬للبحث‭ ‬عن‭ ‬أغبياء‭ ‬طبيعيين‭ ‬أو‭ ‬ناجين‭ ‬آخرين‭ ‬من‭ ‬محرقة‭ ‬الذكاء‭ ‬الصناعي،‭ ‬سنعود‭ ‬إلى‭ ‬الكتب‭ ‬القديمة،‭ ‬إلى‭ ‬أبطال‭ ‬غادرناهم‭ ‬وهم‭ ‬لم‭ ‬يحسموا‭ ‬نصرهم‭ ‬أو‭ ‬هزيمتهم،‭ ‬سنقاطع‭ ‬حتى‭ ‬قطع‭ ‬النفس‭ ‬الأخير‭.‬