
العشق أسماء.. فسحة جماليّة زاهرة
رضوى شاكر
هذا الكتاب الأدبي الصادر للأديب أرشد العاصي عن مؤسسة الرحاب الحديثة في بيروت، لا شكّ أنه إنجازٌ مبجّل بامتياز للوسط الثقافي الكُرديّ في العراق خاصة في الجيل الجديد ممّن يكتبون بلغة الضاد، وذلك إن هذا الشاعر المشغوف من خلال نصوصهِ المأثرة التي تترجم حالة عشقٍ لا تتكرّر، يمتع المتلقي بقدرة أدبيّة مذهلة ولغة شعريّة فخمة من مميّزاتها الذهول والادهاش واخذ القارئ إلى فضاءٍ صافية ومُستطابة من العوالم التعبيريّة المثيرة والصور المُستحوذة على الانتباه واللغة الخلّابة والممتعة التي لا تفارقُ القارئ من تباشير إغرائها وحيويتها ورونقها وقابليّتها الانسيابية الممتلئة بالرومانسيّة والجمال الصرف.
قدرة هائلة
الشاعرُ يمتلك قدرة هائلة في وضع المفردات الاخاذة والغير تقليدية ـ إن جاز التعبير ـ فهو يستطيع الدخول إلى مواضع قصيّة من اللغة ويطلع بأسطرٍ ملآنة بالدهشة للمتلقّي ربّما أحياناً يجعله أن يغوص في التأمل ويستعين بمعجمٍ لغويّ لشدّة إنجذابه نحو الكلمات التي من السهل فهمها من الوهلة الأولى ولأناقة وجودها بين السطور تدفع المتلقي لاكتشاف ومعرفة ما يخبئه في طيّات معانيها.
كما لديه قدرة على الخروج من حالة شغف إلى حالة شغفٍ أكثر تأثيراً من ذي قبل ـ ويتوه في رسم لوحته بريشة فنان مُبدع تستطيع أن تعوم في يمّ الهوى والهيام والانتظار والتتيّم والعذابات والاثارة، وهذه الريشة نفسها تنتقل إلى عراء الروحانيّة المنبثقة من قعر الإيمان وعُمق الصفاء حيثُ تجودُ بالنقاوة والحياة التي تستحق أن تعيشها.
أوقفني نص بعنوان (عن أنوثتها) ـ هذا النص المُهيب بموضوعهِ، عظيمٌ بتعابيرهِ، فاتنٌ بوصفهِ، ساحرٌ بجرأتهِ، مغرورقة بكلماتٍ من الماء الزلال والخمر اللذيذ، وهنا يتفوّق الشاعر ويفوز في السطو على القلوب والعيون إلى حيث الفتنة المُفصحة عنها بالمفردات والايحاءات والصور عبر لغة أدبية رشيقة.
من المقتطفات الجميلة والناضرة لدى الكاتب في هذا النص الفذّ والممتلئة بجمرة إلهاب الروح والمشاعر من خلال العزف على أوتار حسّاسة من الوجدان، فما أعذب تلك الأوصاف والصور حين يغنّي:
(أنتِ سطرٌ غير مكتوب في ضفافِ إحياء الروح، أريد أن أزرع في جسدي قبلاتكِ المُستطابة والناجعة لأن مازال فصل لثم فلقاتِ الفراولة على نواهدكِ المبتلّ بالماء الزلالِ لم تأتِ بعد، إن خضابكِ برتقالة راقدة على طليعة الرمان وفمكِ علبة من القبلات الوردية المستطرفة وجيدكِ طوقٌ من الياسمين، قامتكِ شجرة النخيلِ في حيّ من أزقة بستان الهوى، أنوثتكِ هي بركان نائم تفجر فورة عشقي لأنّ جلّ ما بي شبقٌ أن أمرّر لساني لتذوّق عناقيد الكروم الحمراء، أنوثتكِ فسحة في حارة الشيخوخة، هرولة على سطح الشبيبة، أنوثتكِ هي النظر إلى الأنفاس من شبّاك الهواء، ملهمة لقصيدةٍ عارية، الكلمة الأولى منها هي التتيُّم، الآن أنا كلفتُ بكِ وأريد أن أعزف أنوثتكِ على بيانو الرجولة، أحب أن أشوي القبلات على شفاهكِ العذراء، فتعالي .. تعالي كي نمارس هذه الصّبوة، وأنجبُ منكِ وطناً جميلا).
انارة القلب
أيّ قدرة على مغادرة إشتعال الغرام إلى السكينة واناة القلب والصفاوة عبر تعابير عشقيّة زاخرة بالتبتّل والزهد، إنّ الشاعر يعرف كيف يطلق مرساة قصيدتهِ في بحر الكتابة، وهُنا نقفُ أمام لوحة صارخة بالوداد والتنزّه تحاكِ ضياعه في بُعد المعشوقة وتلاقي الحقيقة في قُربها وكيف عثر على درب الهداية بهذا الحبّ العفيف؛ حيث يقول:
(وقبلكِ كنتُ سديماً و أمشي/ و? أدري أنّ رياحينَ قلبي تفيضُ بلاشئ مثل الحيارى/ و? يتمرّغ في راحتيهِ/ رمّان الحقيقة ونهد الحكاية. تغوصُ وتستكينُ في جُحرِ جُبٍ فتنسى الطريق إلى حضنِ غاية/ إني لقيطٌ في هذه الغابة .. أروي البداية/ كنتُ أدلّل في البالِ سؤالاً/ كما الرّمحُ بين الجوانحِ يغفو/ أين النهاية ..؟! ـ وحين إلتقيتكِ يا كلّ عمري/ وكحّلتُ عيني بحبٍ عفيف/ فبعضكِ يقينٌ كشمس النهارِ وبعضكِ آية/ بحق ذكرِ مُحَمّدِ إنّي بكِ وفيكِ عانقتُ الهداية).
الأديب العاشق يقتاتُ قلبهِ بعشقٍ طاهر وهي بحد ذاتهِ يحرّره من قيود الفجيعة والأسى ونكد الأيام وتقلبات الزمن، العاصي يهتف العشق بأسماءهِ لانقاذ روحه في هذه الحياة التي تشبّ بؤساً وخيبة. إن هذا الكتاب راقي وجميل ولغتهِ مُرهفة ورقيقة وكلماتهِ عذبة كعذوبة أحاسيس شاعره، هذا الكتاب فسحة جمالية زاهرة للفرار من كهوف المقت والغَيهب نحو قِمم الجبال الشاهقة بالحب والغزل والاشراق.
وفي الختام لا بدّ أن نقول بأن ما يميّز الكاتب من غيره هو هذه الحالة التصوفيّة العشقيّة التي تمتزج عشق المرأة بحبّ الحياة ووهج الغرام المتدفّق في لحظات العمر إلى أن يصل نحو العشق الحقيقي في رحاب ضياء الرفيق الأعلى. لذلك يتوجب علينا قبالة هذه التجربة المتوهجة بالرومانسية والعشق الخالص، أننا أمام أديبٍ ناضج تبشّر نصوصه بأن الكثير من اللمعان سيرافق إسمه في المستقبل، بسبب شذا رياضه الشعرية، فشرب كأساً من خمر الهوى ليتحفنا بنصوص وشذرات مفعمة بالجمالية المفرطة ومشاعر حنونة وصور وتواصيف آسرة وجذابة عبر صياغة فنية ظافرة وانيقة، أفرز أجوافها القائظة تلك الروحانية التي عاشها الأديب، مما يأخذ القراء والقارءات إلى رحلة من المتعة والتجلّي بأسلوب فنّي جميل.



















