العاطل
عبدالقادر رالة
لم ينتظر طويلا حتى فتح الباب طفل صغير….
ـ هل والدك في البيت؟
ـ لا…
ـ أين أستطيع أن أجده؟….
ـ في مقهى طيباوي…
ـ وجدتك؟…
خرجت عجوز تسأل ـ من الطارق يا مصطفى؟ لما رأته عرفته ،إنه صاحب العمل الذي كان يعمل عنده ابنها، شعرت بالاضطراب والخوف لكن ابتسامته الودية أزالت كل ذلك….
ـ مرحبا أمي
ـ مرحبا تفضل أدخل ثم أخرجت حافظة النقود من صدرها ففتحتها…وقالت لحفيدها
ـ اسرع اشتري لنا بسكويت من عند الطيب
ـ لا..لا …داعي لذلك …أنا مستعجل…
ـ تصل الى بيتي ولا تشرب قهوة أو شايا هذا لن يكون….وأدخلته صالة الضيوف… تنهدت العجوز ثم قالت بأسى ـ إبني…الآن عاطل…بعد أن طردته….يقضي معظم وقته في لعب الورق أو الدومينو….
ـ أنا لم أطرده…..وحق الملح الذي بيننا….وإنما هو…..
لمحت الألم على محياه….
ـ أنت تعلمين أني كنت أحترمه وأفضله على جميع عمالي….بل إني فضلته على جيراني وأبناء بلدتي…وقد خصصت له سيارة توصله كل نهاية اسبوع الى بيته…..ما كان يعجبني فيه أنه لا يتدخل أبدا فيما لا يعنيه، وجل تركيزه يكون دائما منصبا على العمل….لكن خصاله تلك محتها صفة واحدة….
ـ الخمر يا ولدي
ابتسم الضيف وقال ـ أنا أيضا أشرب الخمر….لكن…
صمتت العجوز ،وإنما انشغلت بصب القهوة في الفنجان….
ـ ابنك لما تلعب الخمرة بعقله….لا يعرف ماذا يفعل….وأنا لم أتحمل… في البداية لم أصدق…لم أصدق أن صاحب تلك الملامح الطيبة …لكن شكاوي زوجتي….
ـ الوقح …النذل …لا تقل لي يا ابني…لم يذكر شيئا من ذلك…..
ـ زوجتي لم تشتكي…مرة…أو مرتين…و انما مرات عديدة…لما أكون غائبا… يثمل.. يطرق على باب الفيلا التي اسكنها… في البداية كما قلت لك لم أصدق زوجتي…واعتقدت أنه مكر النساء…أو من ألاعيب صهري الحسود…لكن شكاوي زوجتي تكررت…فأردت أن أتأكد…فلم أذهب في تلك الليلة في مهمة كما تعودت…ولما دقت ساعة الحائط التاسعة ليلا…سمعت دقا على الباب…ثم على الجرس…ثم نداءات متكررة باسم زوجتي…ثرت من الغضب واسود كل شيء في عيناي…توجهت الى البندقية لكن زوجتي اعترضت طريقي صارخة…. لا.. لا …تفعل . ..اطرده.. السجن …اذ أن قتلته.. .أبعدتها من طريقي.. أقتله…ولا أحد يدخلني السجن …لي المال… والمعارف …. هذا الحقير لن أتركه يعيش دقيقة….
وفتحت الباب…صوبت البندقية نحوه.. لكني لم أستطع الضغط على الزناد… كان ثملا بالكامل…لكن عيناه مليئتان بالبراءة…البراءة الطفولية…
وفي صباح اليوم التالي استدعيته الى مكتبي ، ذُهل كثيرا لرغبتي في الاستغناء عنه ، ثم احتج بأنه لم يرتكب أي خطأ متعلق بالعمل و هددني بتقديم شكوى الى مفتشية العمل….عقد العمل صالح لثلاث سنوات قابلة للتجديد… وتشاجرنا فأسمعته كلاما بذيئا ، ورغم ذلك ما قال لي شيئا سيئا خرج غاضبا…لكن ما هي الى لحظات حتى عاد ، وفي يده طلب الاستقالة ، وضعه أمامي ثم طلب الصفح…لم أفهم شيئا حتى أخبرني حارس المستودع … قال بأن ابنك شعر بخجل شديد لما أخبره زملاءه العمال ما فعل البارحة…احمر وجهه ثم قال الحمد لله لم يطردني بسبب تقصير في العمل…..
أخرج حزمة أوراق مالية من جيب معطفه الداخلي….سلمها إلى العجوز…
ـ هذه أجرة شهر كامل رغم أنه لم يعمل الا عشرة أيام ثم نهض وهم بالخروج….
قالت له العجوز ـ شكرا لك أيها الرجل الطيب لأنك تمالكت نفسك في لحظة لا يتمالك فيها أي انسان أخر نفسه…
انطلقت السيارة….بقيت العجوز تتابعها حتي انعرجت عند شارع الاستقلال….
/5/2012 Issue 4213 – Date 30 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4213 التاريخ 30»5»2012
AZP09