الشيْصَبانيُّ..والناطقُ الرَّسمي باسمهِ ابْن قََرْقََرََة القََرْواتي
جمعة اللامي
والآن، ماذا اعمل؟ . سال الحوذي .
إِستبدل مهنتك. إنسَ هذا المخلوق التشيكوفي، كُنْ عضواً مخلصاً في مدرسة الأُستاذ .
استدار الحوذي بجسده نصف دورة، فشاهد القراد يحتضن قرده الأشقر الشائخ. وحدث ما حدث بعد ذلك، حتى كاد شرهون ان يقع مغشياً عليه، لولا ان تدخل الرجل قائلا، يا حبيبي شرهون. انها اقنعة، ولكل مقام قناع .
هذا كثير عليَّ. كثير جدا ، توسل شرهون.
وأخذ الرجل القراد يتحدث بإسهاب، محركاً يديه تارة وكفيه تارة اخرى مثل اي حاوٍ محترف، وكان احيانا يضرب ارضية العربة بقدمه اليمنى مثل أبوقَروَة عندما يخطب في انصاره ، حتى تيقن شرهون من حالة مكشوفة الآن، هذا هو الاستاذ ، بلحمه ودمه. بل حتى بشاربيه المربعين .
انت نفّاج بارع. ستكون انت الأُستاذ في قناع آخر. في تلك الشخصية التي يعرفها مريدوه بانه الداعية الى ان يكون الناس في ارزاقهم وامنهم سواسية كأسنان المشط . بصق القرد الاشقر الشائخ في عبّه، ثم عفط من دبره.
… وبعد سويعات على رحيل فجر اليوم التالي، اي عند ميقات نافلة الضحى بقليل، ظهر في وسط ساحة المدينة قرد اشقر، يمسك بخيزرانة رفيعة بكف يده اليمنى، ويضوضيء لقرّاده، فإستلقى شرهون على ظهره، فارداً ساقيه، مباعداً ما بين فخذيه، وهو يقول
وهذي نُومَةُ العَرُوسْ… .
هوامش
1ـ لوح المقالات ـ قرطاس الفجر القريب ، كتاب محمد ساهر المجلاسي، من رواة القرن الحادي عشر. توفي عام 1111، ويقع في 110 مجلدات. امضى في تأليفه قرابة أربعين سنة. وهو سجل محظور تداوله في المناطق الشيصبانية.
2ـ موسوعة العذاب والمعذّبين والمعذِّبين من اعمال المغفور له بإذن الله تعالى الشاطبي مَريوش الوراق.
3 ـ افادتني بحوثي الأخيرة في علوم طبقات الارض، ان ثمة قرية صغيرة يقال لها الدَّرعيّاء هي مسقط رأس الشيصباني وموطن عائلته، وانما سميت الدرعيّاء لأن نُهَراً صغيراً اعوجاً في جريانه كان يقسمها الى نصفين اي يدرعها درعاً . ولم اجد اي اثر لذلك النُّهير عندما زرت اطلال تلك القرية. ومن اغرب التفسيرات لأسم هذه القرية ما سمعت به على لسان احدى المعمرات. قالت حَبشةُ المَروانية اسمع مني هذا الكلام، الدرعياء تعني العوج في كل شيء . وكان لسان اهل القرية المنكودة ينطق حرف القاف.. غيناً . وهو ما كان يظهر على لسان الشيصباني في بياناته الصوتية الى محازبيه. فكان يقول اقتلوا قِربانَ ميسون وانا اضمن لكم الرَّيوقَ مع النبي . والعوج واضح في كلامه هذا.
4 ـ اجمع الإخباريون على وصف طريقة قتله والمثلة به. قالوا في السنة 38 من بعد عام الماموث، قُتلَ محمد بن ابي بكر الصديق، عامل الإمام علي بن ابي طالب، على مصر. قتله معاوية بن حُدَيج، من ولاة معاوية بن ابي سفيان. اسره وكاد يموت عطشاً، فطلب محمد ان يُسقى ماءً، فأبى عليه معاوية، وقال له لا سقاني الله إن سقيتك قطرة ابدا، حتى تُسقى من الحميم والغساق، اتدري ما اصنع بك؟ أُدخلك جوف حمار ثم أحرقك بالنار. ثم قتله، ووضعه في جيفة حمار، ثم احرقه. وذكر وراقون وناسخون آخرون منهم صاحب الأغاني ان محمدا كان لا يزال حيّاً عندما اُحرقَ في جوف الحمار.
وبعث معاوية بن حُدَيج، سليماً مولاه الى يثرب، بشيراً بقتل محمد بن الصديق، ومعه قميص محمد، فدخل به دار عثمان، فآجتمع الرجال والنساء، واظهروا السرور بقتله، وأمرت أم حبيبة بنت ابي سفيان، بكبش مشوي وبعثت به الى ام المؤمنين عائشة، تقول لها هكذا شُويَ اخوك . فجزعت عائشة على اخيها جزعا شديدا، وقنتت في دبر الصلاة، وأخذت عيال محمد اليها، ولم تاكل من ذلك الوقت شواء حتى توفيت. ولما بلغ السيدة اسماء بنت الصديق خبر مقتل محمد، وإنه أُحرق بالنار، قامت الى مسجدها تصلي، وكظمت غيظها، حتى شخب ثدياهاً دما.
وبلغ عليَّا بن ابي طالب، خَبَرُمقتل محمد وسرور القوم، فقال لقومه جزعنا عليه على قدر سرورهم، وما جزعت على هالك منذ دخلت هذه الحروب، جزعي عليه. كان لي ربيباً، وكنت اعده ولداً، وكان بي بارّاً، وكان ابن اخي، فعلى مثله نحزن، وعند الله نحتسبه . وقالوا كذلك انه لما وافى معاوية بن حُدَيج المدينة، قامت اليه نأْئلة، إمرأة عثمان، وقبَّلت رجله، وقالت له بك ادركت ثأري من إبن الخثعمية . ـ فائدة ثالثة نقلا عن مروج الذهب 1 ـ 406، والولاة ـ الكندي 30 و 31، وابن الأثير 3»357 .
5 ـ كان بغيل الباني من ذلك الصنف من الرجال الذين يريدون ان يعرف الناس ان لهم سالفة في كل قافلة وحول كل صُواع وصاع وقصعة، على غرار ذلك الرجل الأنْوّك الذي يعرفه اهل رصافة اليشن بإسم هْرَيش وَلَد الشطب , لكن بغيل تفوق على هذا الأخير، فانتقل في احدى سنوات النصف الثاني من القرن العشرين الميلادي، الى منابر الدعوات الاشتراكية، فخطر له ان يستبدل بإسمه القديم اسماً جديداً، حتى يتخلص والى الابد ـ كما اعتقد من ادعاء سابق له بأنه كان يعمل شرطياً سرياً في دائرة التحقيقات الجنائية.
وتوجد رواية اخرى يتداولها الخلق على سبيل التهكم. قالوا ان اسم بغيل لا يليق بشخصية شاعر شعبي فاشل نزلت عليه النعمة الحديثة اي بعد سنة 1963 ، فقام بتغيير مقهاه حيث تعود ان يسمر مع ربعه، وهجر زوجته الأولى، ام شرهون، وآتخذ له زوجة جديدة، وتمتّع بإمراة اخرى، وانتقل من داره القديمة الى بيت حديث في عرصة الشَّبانة، فكان عليه ان يتسمى بإسم جديد يليق بمكانته الاجتماعية الجديدة.
نعم، قارئاتي وقرائي. هذا هو ما كان، فإسم بغيل لا يليق برجل حكومة اشتراكي ـ ويبدو انه لا يليق بأي رجل حكومة اخر ـ فقصد قاضي بلدة تل سفيح.
حضرة القاضي، اريد تغيير اسمي .
وهل انت الآن في وعيك كاملا، يا بغيل؟ .
نعم، حضرة القاضي .
وتقسم بذلك على المصحف الشريف؟ .
نعم، جناب حضرة القاضي .
وما هو اسمك الجديد الذي ترغب في اختياره؟ ..
بَغَلْ، يا حضرة سعادة معالي جناب سيادة القاضي .
همس القاضي لكاتب الضبط ببضع كلمات، وغادر مجلسه من دون ان ينظر الى بغيل.
6 ـ القَصَّخُون في حانة العجوز الشَّركَسِيَّة
كان الليل عميقا وصامتاً وهو يرخي سدوله على اللوحة الجدارية الوحيدة في الحانة. وكان الأفق بعيدا مثل نقطة بيضاء تحت شمس الظهيرة. شعر انه اكثر استعدادً للمضي في مواصلة الإمساك بنومه. تناول خيزرانته من اسفل خاصرته اليسرى وواجه بها النقطة البيضاء البعيدة. تردد ارتطام جثتين على خط الأفق. بان رأس القرّاد جاحظ العينين، مصبوغ الأنف والخدين، متورّم الشفتين مثل مهبل كلبة في ذروة هياجها الجنسي، بينما تلاشى الرأس الثاني ومعه جسده كله في الظلام الصامت العميق، الذي يتردد فيه لهاث كلب قطع مسافات كثرة جرياً. تشمَّمّ رائحة حرمل يحترق .
أفاق نشطاً على حركة جسده الأُفعوانية. وفي الخارج كان نهار منتصف شهر تموز قائضاَ وجافاً يجعل الثور يبول دماً. دثّر رزمة اوراقه بقطعة القطيفة الزرقاء، وأودعها في مستقرها المكين. وبعد ان احكم اغلاق باب حجرته، استقبلته ارض تشقق أديمها في هذا الصيف الطويل. كان في طريقه الى حانة الشركسية العجوز.
هطل عليه القصخون، مثل زئير اسد عجوز انهكه مرض السل، عندما كان رهين منزله في خربة من بطحاء خويط السلطان، حيث الكثبان الرملية الجرداء، والعوسج الذي تعافه حتى البعران السود. ارسل اليه وريقته التقليدية على عادة فلاحي ام الهند حين يبرمون سيكايرهم مسك الختام،عند أم ميخائيل .
عندما كنا فتيانا في تلك المدرسة ذات الحجرات المبنية بطابوق اللِّبن، كنا نتبادل عبارات قصيرة موجزة، مثل برقية يمليها والد مضّهُ الشوق الى ولده الشاب الذي سيق للخدمة العسكرية الإجبارية في جيش الحكومة أدركني. امك حالها مخطورة . قلت له علينا ان نكتب بطريقة اخرى . نعم، بأُسلوبنا الخاص ، وأكد ضاحكا في منتصف تموز، اكتب برقيتي الأخيرة .
كان شهر تموز تعويذتنا. وهو شهر غُربة اشجار الغَرَب والورد الجهنمي في تقويمنا اليشني وكان كلمة السرّ الاولى في بناء حياتنا المستقلة عن عوائلنا . بيد انه في ثقافتنا التي كونتنا في تلك السنوات، كان يعني الجنة الموعودة. كنا نطلق اصواتنا عالياً ونحن نستقبل ايامه الأولى في هُدى تموزنا المَجيدِ، سائرٌ موكبُ الشُّعوبْ .
بعد ذلك، عندما ضربتنا طيور الحياة بأجنحتها الحجرية على مكامن الوجع في اجسادنا وأرواحنا، إنحدرنا مع النهرالعظيم الى الجنوب، حيث الأهوار بغموضها وأسرارها وشعوبها من البشر والطير والحيوان والجن والمردة والشياطين، فصارت الدنيا صغيرة مثل خرزة في مسبحة والدتي. هناك اخترعت شيفرتي الشخصية. كلمات قليلات سوف تساعدني على استعادة زمام نفسي بعد رياضات نفسية صعبة. قلت لصديقي الذي سميته القصخون، لأنه لا يجيد سوى القصص التي يرويها الى نفسه اسمع يا عبد، اصبح الزمن اكثر استطالة ولزوجة ، فتبسم من الزاوية اليسرى لشفته السفلى، وكوَّر كفه اليمنى وطوح بذراعه نحو السماء الواسعة لقاؤنا عند الدقيقة الأولى من رأس السنة المقبلة في ساحة المدينة . كنا ثملين في تلك الدقيقة.
هكذا هو حالنا في تلك السنوات الخليّة المزدحمة بالآمال العراض. ولكن بعد حين من الدهر لم تعد مدينتنا قادرة على احتمال صبواتنا وآمالنا. لقد اكتشفت في وقت مبكر من شبابي بينما إحتاج القصخون الى سنوات إضافية من اجل ان يعرف ان تلميذ مالك بن سيف الوضاع، الذي كان علىه ان يبتكر كنيته المرادفة للسخرية المشوبة بالإشمئزاز ابن قرقرة ، يبيع ويشتري بأحلامنا وآمالنا السخيّة.
وفي سنوات المعتقلات والسجون والهجران. سنوات المنافي وفقدان الصداقات والرفاق سنة بعد سنة، وواقعة بعد اختها، وسجنا بعد معتقل. سنوات الرجال الذين غادرتهم الكهولة ليدخلوا الى النقطة السفلى في بئرالحياة ـ حسب اختراع لغوي لصديقي القصخون ـ إلتجأت الى تدوين يومياتي على صحائفي الورقية وعلى جذوع اشجار النخيل التي تحيط بكوخي الصغير الذي اعوج عليه في أُخريات الليالي. حبث ينتظرني جروي الذي سماه القصخون الضمير ، عند البوابة البوابة الخشبية العتيقة، حيث اكون في وداعه في زياراته القليلة والمتباعدة الى كوخي، ليمضي الى حجرته التي ابتناها من طابوق احمر، ويعيش كما فلاح في ارض دَيم لم يلامسها المطر اكثر من حولين، عند سفح الهضبة الشرقية التي تواجه ام الهند، وليس معه سوى كلبه الشائخ الباقع وأسراب من الحمام البري والدجاج الذي استوحش داخل السور، فصارت تتحاشاها الجرذان المستسبعة التي بنت شبكة مستعمرات على غاية في التمويه والتنظيم، تحت سور الكوخ.
لم يعد يره احد من رفاق الأمس. ولم يعد هو الى احاديثه المعتادة عن غزواته النسائية كما كان يملأ وقتنا بها في ايام الشباب وسنوات السجون والمنافي. اختار ان يرهن جسده ه بين كوخه الحجري والسور الذي سفّهُ باصابع كفيه من سعف يابس وحبال قنب بري، جاد بها عليه ماء الهور، صديقه الاخير. لم يبق لي إلاّ انتَ والهور . اخبرني بثقة رغم سكره ذات يوم قبل ثلاث سنوات ونحن نتهامس في فضاء حانة الشركسية. هكذا كنت استبقه بإستدعاء بعض ماضينا المشترك، في طريقي الى حانة ام ميخائيل، التي لم ازرها منذ ثمانية عشر شهرا، حاملا جسدي الشايب على زمن مضى وغاب لكنه لا يزال سلواي الوحيدة، في هذا الخراب الذي مر عليه نحو ثماني سنين، بعد ان دخل الشيصباني وكتائبه العسكرية ورجاله من الكتاب والشعراء مدينتنا، خلف جيوش القومندان بَرِي ـ بِنْ ـ مَار، مدن وقرى وقصبات اليشن جميعها، من دون ان يخبرنا معلمنا ابن قرقرة القرواتي بشيء من هذا كله، وكانه ظله او الناطق الرسمي بإسمه.
ماذا سيحدث يا قصخون؟ .
ساضع نهاية الخديعة الكبرى . رايته انسجم مع نفسه، انت الذي سترويها للخلق .
كان مثل قطعة قماش خلقة مرمية تحت سماء تمطر طينا اسود. شرب من العرق ما يكفي ليجعل فحلاً من تلك البعران الهائمة في فلوات خويط السلطان، يبرك متخاذلاً وتعباً بإنتظار قامة القصاب الشاب سيد قلم الفرطوسي . لكن المفاجيء حتى بالنسبة لي انه كان في اوج يقظته في تلك اللحظات التي لن تغيب عن ذاكرتي. خدعنا، تلميذ مالك بن سيف الوضّاع وقناعه .
كنت انتظره في الحانة.
كان الوقت ما بعد الضحى بنحو ساعة. نهارتموزي وقعت فيه الشمس على الارض. وفي هذه الساعة لا زبون يمرّ على ام ميخائيل. غالبا ما تكون المرأة الشركسية وحيدة، خلف منبر مستطيل من خشب ابنوس انهطكه الزمن والسكارى وجنود القومندان الإفرنجي، حيث يقابل ظهرها ثلاثة صفوف من خشب عتيق اصطفت عليه قارورات نبيذ وبراميل صغيرة تحتوي على بيرة سوداء، بينما الثعلب مخيّأ في دهليز ملحق بهذا الفراغ المعتم. لم أرَ القصخون يشرب الا هذا النوع من العرق هو مقطر للمرة الثالثة ، ثم يكرع كأسه كما لو انه يتناول قدح ماء فراتًاً.
إتخذت مجلسي في زاوينتا المعتادة، عند الركن الشمالي من هذه الحجرة التي لا يستطيع اعتى سكارى اليشن تحديد عمرها. رأيت تاريخي وعمري كله الان امامي على المنضدة الصغيرة، يقابلني كرسي صغير من خيزران عتيق من دون ذراعين بجواره شيح كلب شايب، يستند الى جدار واطيء مصبوغ بلون اصفر، جعلته بلا هوية، مثل جدران المبغي السلطاني، كتابات السكارى المقيمين والعابرين الذين سبقوني وكتبوا مكاتيب الى حبيبات مجهولات، وحكماً ارتجالية، وقذفاً بالدين الرسمي للولاة وصاحب الشرطة ومدير صحة المدينة، وكلمات اخرى لا معتى لها، وهلمجرّا.. وفي الخارج، فوق سقف الحانة، كان ثمة صوت سعال متواصل يطلقه كلب لا يزال يطوي الافاق وجلبة تشبه قرقرة عربة متهالكة تسير على درب صخري وعر.
حطت كف خفيفة على كتفي اليمنى، فنهضت و تعانقننا. يجلس القصخون على كرسيه العتيد الذي يحتك بالجدار، ها هو يشعرر بالراحة الآن. فوق راسه تلك اللوحة التي تبين رسماً غامضاً يجعل تفصيلاتها غير واضحة، كتلة الظلام الممتدة من زوياها الاربع حتى مركزها، حيث تبدو نقطة بيضاء بعيدة ترسل بريقاً متقطعاً. اخذت النقطة البيضاء توسع نفسها وتقترب من الزوايا الاربع للوحة، لتظهر امامي أهراءات كان الظلام قد حجبها عن جُحْرِ الحانة. عربة ترتكز على جسر خشبي ينتهي بعجلتين خشبيتين تجرها بغلة بيضاء، على يمينها قرد شاب، يتبع سائق العربة الذي ظهر رأسه بشعره الاسود الأجعد، يجلس على رقبة قصيرة وجسد مربع ملفوف بقماش من وبر. كان السائق يرفع سوطا بيده اليمنى ويهوي به على قرد شاب كان يصفر الان بصفارة خشبية ويتبعه سرب من قرود صغيرة بزي موحد الى ما بعد نهاية الافق.
قرقرت عربة عتيقة قرب كرسي القصخون. رفع كفه اليمنى كما كان يفعل منذ عشرين سنة. دعوني أمس إلى اجتماع مغلق . سمعت عفاطاً مكتوماً من الجدار خلف القصخون، فتوجهت بجسدي كله نحو صديقي الذي فارقته منذ ثمانية عشر شهراً.
إنه زمن طويل .
نعم هو كذلك . قال عبدالله، واشار بكفه اليمنى مصوباً وجهه نحو رفوف الحانة المواجهة له، بينما كان القصخون قد شاهدها على الجهة اليسرى عندما دخل إلى الحانة مثل أي زائر، من بابها الوحيد الذي يشبه رازونة أرضية.
الثعلب، يا أم ميخائيل .
هكذا هو مثلما حدث في لقائنا الأخير، الذي يماثل الواقعة التي سبقته، وعلى غرار ما كان يفعله في لقاءاتنا المعدودة التي تلت هجرته إلى تلك الهضبة الجرداء وإعتزاله في ذلك الكوخ الطيني، الذي لا يؤوي سوى اسراب من الدجاج و الحمام البري وكلبه الباقع .
وثب الآن شبح كلب شايب في فضاء الحانة. سمعت سعاله الذي يشبه زئير اسد عجوز. انصتُ الى الزئير، وشاهدتُ وجه القصخون في عتمة الحانة يبدو مشرقا، وخيِّل اليّ انه اطلق صفيرا خافتا، قفز شبح الكلب من العتمة وجلس بجوار سائق العربة.
كان قد أتى على كأسه الخامس. دعاني الكوزلي ابن الكوزلي إلى الجريدة. قال الأستاذ يريدنا في مكتب الأفق . رفع كأسه بكفه اليمنى، ولمَ لا، حضرت رتبت أوراقي بعناية لأتحدث بإيجاز في شأن مساحة كانت تقلقني، او في الحقيقة اخذت تثير عندي قرفاً شديداً وسخرية هائلة أسئلة العصور الجديدة ومديات استجاياتنا التاريخية
عبدالله.. أنت تخطب الآن .
ابتسم من طرف شفته السفلى، وانكب على ثعلبه.
بدا فضاء الحانة أقل عتمة مع الكاس العشر. كانت العجوز توقد سراجها الزيتي فانبعثت من زجاجته ذات اللون الخنفسائي، بقع من ضوء داكن التصقت بالرسم الذي أخذت سماؤه تنث رذاذاً ذا لون كبدي مالح.
كنت عند أنيسة الليلة الماضية
أووه… أنيسة، ألا تزال حية .
قالت لي أنيسة، أنظر يا عبدالله، كلنا لازم اتقاعد. يكفي هذا التقحيب . ورفع صوته نحو العجوز الشركسية الثعلب، الثعلب يا أم ميخائيل .
اخذ القصخون يطلق تأوهات بطيئة تصدر من عمق صدره مباشرة، مثل انين رجل يستمع الى كلمات التلقين الاخيرة. تلك تكون بداية عرضه الخاص في الحانات التي كنا نرتادها. ما ان يبدأ صدره يطلق ذلك الوجع المرير حتى يرفع عقيرته بالغناء. ولكنه الآن يرتجل الان حكاية اخرى من حكاياه. هذا طالع حسن. كان يشتم كل شيء.
اتتذكر. حين شتمت انفسنا والجميع، ولم أُبْقِ اي اسم خسيس او طاهر إلا وشتمته .
وكيف انسى؟ .
لمعت في ذاكرتي شتيمته التي لم يطلقها احد غيره. كنا نرتاد حانة مخصوصة تجاور مسجدا عتيقاً في عرصة الخياطين. كنا نقيم حفلاً خاصاً نسميه الإحتفال الهجائي ما قبل الاخير ، حين نعثر على حانة لم يعرفها سوى روادها قبلنا. كنا قد غادرنا حانة ام ميخائيل قبيل أذان الصبح، وما ان خرجنا حتى فاجأنا صوت المؤذن. قال القصخون لندخل في هذا الزقاق . كان دربونة ضيقة وقصيرة نهايتها ستارة ملحاء سميكة. رفعت ذيلها فلاحَ لنا نورٌ خافتٌ. وجدنا جسدبنا مع ثلاث طاولات يتقاسمها عدد من الأشباح الصامتين. وعلى ارضية الحجرة اشباح آخرون تمددوا على بُسُطٍ عتيقة. تفضلوا.. يا هلا بالخُطّار . نادى علينا صوت شبح. في تلك اللحظة بان لي المشهد الذي لم اره في كل حانات الدنيا التي ارتدتها. حجرة صغيرة جدا بمساحة زنزانة سجين ينتظر تنفيذ حكم الاعدام.
ها، تذكرت؟ .
وضعت كفيَّ على فمي، وطفقت اضحك. كنت اسمع القصخون، وهو يطلق شتيمة لم يتلفظ بها انسان قبله. رفع كاسه بين اشباح تلك الزنزانة في صحة خروف جدي ابراهيم . وسمعنا ضحكاً عاصفاً متواصلاً يشبه نواحاً ينطلق من كائنات تشبه مسوخاً.
وضعت أم ميخائيل قارورة خشبية اخرى على منضدتنا وانصرفت ضاحكة. أرسل عينيه إليً، فرأيت جسده كأنه يريد الالتحاق بالعربة العتيقة التي لا تزال تصدر قرقرة خلفه على الجدار. ليس هكذا، يا صديقي وعدو اللصوص لم يكن يتحدث اليً هذه المرة، في مثل هذه الحالات القليلة جداً، عندما يسكر عبدالله القصخون، كان يردد عبارة يا صديقي وعدو اللصوص ، متوجهاً إلى كلبه الباقع ، الذي رايت شبحه لا يزال يرابط بجوار سائق العربة.
الباقع اان مع الحمائم و الدجاجات .
وأغلقت باب السور جيداً؟ .
نعم. ولكنه سور واطيء .
لا احد يقدر على تخطي سورك .
فرش القصخون على سطح المنضدة الصغيرة ورقة بان على وجهها الأبيض سطور و هوامش و ملاحظات بأكثر من لون.
عندك مزاج لتقرأ؟
هات
طيب
نهض واتجه صوب المرحاض، ماراً بجوار رفوف بار الحانة، حيث كانت أم ميخائيل، تقوم بتنظيف كؤوس و مواعين الحانة للزبائن الذين بدأوا يتخذون مجالسهم الى طاولاتهم المعتادة، بينما سمعتها تطلق كلمات ترحيب. أهلاً أنيسة .
سحبت أنيسة كرسياً صغيراً، وركنته بجوار كرسي القصخون، كما اعتدنا على جلستها تلك. تبدو أنيسة في السبعين من عمرها الآن، لكنها لم تفقد ملامح وجهها االعذب، هذا هو أنفها الأخنس، وتلك عيناها الزرقاوان الصغيرتان اللامعتان، وشفتاها الرفيعتان اللوزيتان.
لم ينم عبدالله أمس. أنا خائفة .
ليش؟ .
قلبي يوجعني، تركت الأستاذ معه بالغرفة .
آخذت اتفرّس في السطور التي خطها القصخون على صفحة تلك الورقة البيضاء.
أنا خائفة كثيرا ،
وأخذت اهمس لنفسي
أيها الولد، لماذا خربت حياتك.
أيها الولد، لم صادقت العَفنَ.
ايها الولد لماذا خربت نفسك بنفسك
زارني الأستاذ أمس، بعدما وصل عبدالله، وسمعت صاحبك يصرخ في حجرتي خدعتنا… خدعتنا يا وَضَّاع ، ثم سمعت صوت طلقة تدوي في محلة الذهب.
واصلتُ القراءة..
أيها الولد، لا مَفَرَّ،
جِدارٌ يَلِدُ جداراً
فتقدم إلى الجدار الأخير،
هيّا إهدمه،
ولا تنتظر احداً سوى القصخون،
يستعيد القصخون.
حياتي بين راحتيَّ الآن .
تأخر صاحبك في الحمام . تأوهت أنيسة
رأيت الآن الباقع يقفز على سور حجرة الطين البعيدة، وهاهو يجتاز طعوس الرمل، ويعبر القنوات التي تحولت الى ممالح، ويتجه نحو ام الهند مثل كلب بدوي يعرف ان صاحبه في خطر، حتى وصل إلى الشارع رقم 3، ودخل الدربونة الضيقة، ثم اجتاز النافذة الأرضية لحانة أم ميخائيل. ودوى صوت راعد في سماء بعيدة. سمعت عبدالله يشتم في الاستاذ. ساقتلك. تأكد من هذا. انت مالك بن سيف الوضاع بلحمه ودمه . اخبرتني انيسة.
اقتربت ام ميخائيل من طاولتنا الصغيرة. افسحت لها انيسة مساحة ضيقة، فتهاوت عليها الشركسية العجوز، وهي تسند جسد القصخون الى صدرها. اجلسته انيسة على كرسيه، بينما كانت الشركسية العجوز تتباري مع الحلبية المتقاعدة في اسعاف رجل ينزف دماً ذا لون كبدي مالح من الجهة اليسرى من صدره. قتلته الليلة الماضية. الم اقل لك ان موعدنا النصف من تموز . قال عبد الله القصخون
وفي فضاء اللوحة، أمامي، كان شبح الباقع يثب على الرجل الذي يقود العربة العجوز، وتمكن من الوصول الى رقبته.
سمعت اسداً عجوزاً يزأر في فضاء الحانة، بينما إرتفعت زغرودة اليشينية من ام ميخائيل.
وصرخت انيسة، واويلتاه … القصخون قتل نفسه .
/4/2012 Issue 4171 – Date 11 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4171 التاريخ 11»4»2012
AZP09


















