
قصة قصيرة
الشيخ والبحر – حسام خوام آل يحيى
بعد خمسة عشر عاماً من نهاية الحرب كان إرنست هيمنغواي جالساً في حديقه منزله وهو ينظر نحو فراشة بيضاء تحوم منتشية بين أزهار الحديقة. كان ينظر لتلك الفراشة نظرة غريبة، وليس ناحية خط الدفاع الألماني الحصين الذي يعلو تخوم شواطئ النورمندي عند الحدود الشمالية لفرنسا، حيث وصف مياه المحيط الأطلسي يومها بالزمردية، ووصف الجو بالكئيب والموحش. وكيف لا يكون كئيباً وقد شهد ذلك المكان يومها موت نصف مليون إنسان؟. عمره الذي تعدى الستين عاماً، والكئابة المنكودة التي عانى منها مؤخراً؛ مسحت من ذاكرته الكثير من مأسي تلك الحرب التي كان هو مراسلها الحربي. ما عاد يتذكر الكثير؛ صرخات الضباط وهم يحثون الجنود على النزول من القوارب المحتشدة قرب الشاطئ مثل التماسيح المتئهبة للإنقضاض على الألمان المنهكين، إنفجارات القذائف المنهمرة في كل مكان مثل المطر، والصوت المقزز للرصاص الذي كان يأز فوق رأسه مثل طنين أوتار الكمان. أين ذهبت تلك الفراشة يا ترى؟ لابد أنها غادرت المكان، الحديقة، الأزهار، هذا العالم البائس من حوله.
هو الأن يملك الكثير من الوقت ليكتب، والعديد من أقلام ووتر مان بروجرز الأمريكية ذات الرؤوس المهذبة بشكل مذهل ورزم أوراق لا تحصى. أما هناك، على تخوم النورمندي، فلم يكن يملك سوى بضعة أقلام سيئة، والقليل من الأوراق السمراء المبتلة، والقليل القليل من الصبر. والكثير من المكر والقدرة على تزييف الحقائق. سيكتب أن الألمان قد وهنوا وسلموا الشاطئ سريعاً دون مقاومة تذكر، ولم يمت من جيش التحالف سوى بضعة الأف فقط. سيتجاهل الأرقام، ويخبئها بتواطئ قميء. سوف لن يتطرق لوجوه القتلى الأمريكان بالاف الذين بدت ملامحهم متعبة أكثر من كونهم موتى مزقت القذائف أجسادهم في تلك المعركة بقسوة مثلما يجزر الجزارون البهائم في المسالخ. أنتِ هنا! ها أنتِ هنا أمامي من جديد. ما أجمل أجنحتكِ الفضية! تجثم الفراشة فوق قبضة مسدس ماغنوم الخشبية ذو البكرة وخمسة إطلاقات. سيطلق منه هيمنغواي رصاصة واحدة يوجهها نحو صدغه فتفجر رأسه وتنهي حياته، وتنهي معها صراعه الملح مع نفسه؛ بكونه متورط، على نحو ما، بجرائم بلده خلال حرب الخمسين مليون ضحية مزقت أجسادهم تلك الحرب اللعينة. أما الفراشة فقد حلقت بعيداً نحو مكان أكثر طمأنينة…
























