الشباب العراقي بين الأفكار المتطرفة ومتطلبات التنمية -آراس حبيب كريم

الشباب العراقي بين الأفكار المتطرفة ومتطلبات التنمية -آراس حبيب كريم

برغم كونهم النسبة  الكبرى من السكان (نحو 60 بالمئة ) والقوة الكبرى في سوق العمل, فإن الشباب العراقي ظلوا على إمتداد حقبة البعث الشمولية محرقة لحروب النظام السابق. وبدلا من أن يسهموا بما يمتلكونه من طاقات وقدرات فقد إمتلات بهم إما المقابر الجماعية أو المنافي البعيدة. بعد سقوط النظام السابق عام 2003 كانت لدينا سواء في المؤتمر الوطني أم قوى سياسية أخرى خطة وخريطة طريق لأعادة بناء المجتمع والإنسان العراقي. كان العامل الإقتصادي بالنسبة لنا هو الأهم في إعادة بناء الفرد بإستثمار قدراته الفردية. لكن ذلك كان يتطلب تغيير هيكلية النظام الإقتصادي في البلاد في أعقاب نجاحنا في إسقاط النظام. كان النظام الإقتصادي على مدى 35 ع اما هو الإقتصاد الإشتراكي حيث تتسيد الدولة (القطاع العام) كل شيئ . وما الفرد سوى برغي في الة ضخمة يوجهها النظام مثلما يريد.

لقد أدى ذلك الى غياب روح المبادرة الفردية وشيوع الكسل والإتكالية. بالإضافة الى عدم توفر الوقت الكافي للعمل والإنتاج بسبب الحروب التي كانت تتناسل وتقضي معها على الآلاف المؤلفة من أهم عناصر قوة العمل وهم الشباب. بعد التغيير  حلمنا جميعا كقوى وأحزاب سياسية بوطن جديد يقوم على مبدأ المساواة وسيادة القانون وتوفير فرص العمل للعاطلين والإستفادة من الطاقات والقدرات الكبيرة للكفاءات العراقية لاسيما الشبابية منها. وكنا في المؤتمر الوطني على عهد الراحل الدكتور أحمد الجلبي أعددنا الخطط ذات البعد الإستراتيجي التي كان من شأن تطبيقها إنقاذ البلاد مما ال تاليه الأمور فيما بعد. لكن تزايد حلقات الفساد المالي والإداري في مفاصل العمل الحكومي, والإعتماد على الولاءات الحزبية والعرقية والطائفية والمناطقية في المناصب والوظائف وهوماأدى بالضرورة الى إهمال النخب والكفاءات بدد كل ما كنا نطمح اليه ونخطط له.

لايخفى أن المبدأ الذي سارت عليه غالبية القوى والأحزاب التي تسلمت مقاليد الأمور هو تقاسم السلطة لا بناء الدولة. كان ذلك مدخلا سلبيا لما هو أخطر. حيث إنه بالرغم من الوارادات النفطية الهائلة لاسيما بعد طفرة الاسعار (بلغ سعر البرميل اكثر من 120 دولار للبرميل) والتي دخل بموجبها نحو 800 مليار دولار الى خزينة الدولة من 2004  الى 2014 , يضاف اليها أموال المانحين التي بلغت نحو 200 مليار دولار, فإن المواطن لم يلمس تغييرا ملموسا على مستوى الإنتاج أو  الخدمات. فالخدمات مثل الماء والكهرباء وغيرها لاتزال في حالة يرثى لها. أما على مستوى الإنتاج فلا يوجد من الناحية العملية إنتاج يعتد به في أي من القطاعات الرئيسية في الصناعة والزراعة. فلا يوجد أي إسهام جدي من قبل قطاعات الإنتاج ماعدا النفطي يمكن أن يرفد خزينة الدولة التي لاتزال تعتمد بمانسبته 95 بالمئة  على صادرات النفط. كل هذا وسواه من الإخفاقات في ميادين مختلفة كان أحد الأسباب التي أدت الى ضياع نسبة كبيرة من الشباب بعد أن لم يعد لهم مكان في سوق العمل. لقد ترتب على ذلك زيادة نسبة البطالة بين صفوفهم الى  ما يزيد عن 40 بالمئة حسب إحصائيات المنظمات الدولية بينما الإحصائيات الرسمية تتحدث عن نحو 28 بالمئة  في حين أن  الدراسات الإقتصادية تشير الى إنه في حال بلغت نسبة البطالة نحو 15 بالمئة  فإن ذلك ينذر بوجود مشكلة حقيقية تستوجب الحل. هذا الضياع ترتب عليه إما هجرة قسرية خارج البلاد أو إنخراط أعداد كبيرة منهم في صفوف الجماعات المتطرفة أو عصابات الجريمة المنظمة وهوماتزامن مع نمو ظواهر سلبية في المجتمع مثل إنتشار المخدرات وحبوب الهلوسة.

وبالمحصلة إننا فشلنا في كيفية إستثمار “رأس المال البشري” بوصفه منتج للثروة وأعتمدنا على ما في بلادنا من ثروات طبيعية مثل النفط الذي هو في النهاية مورد زائل. بينما إعتمدت دول أخرى مثل ماليزيا وسنغافورة التي تعد من النمور الأسيوية والتي هي بلا موارد طبيعية على الموارد البشرية لاسيما عنصر الشباب. لقد أدى إعتمادها على الشباب من خلال إستنفار قدراتهم الجسمية والعقلية الى مراكمة الثروة الإنتاجية وخلقت تنمية إقتصادية فعالة. لكن ذلك إرتبط بالتاكيد بوجود رؤية لدى القائمين على السياسة والإقتصاد في تلك البلدان وهومانفتقده للأسف. لذلك نرى أن الآوان قد حان لاسيما بعد تحرير المدن العراقية من التنظيمات الإرهابية الى العمل بإتجاه وضع الخطط الكفيلة بإستيعاب الشباب الذين سوف يعود الكثير منهم من ساحات القتال بعد أن ادى واجبه. وإذا كان هناك من يفكر ان التعويض لمثل هذه الطاقات هو منحهم رواتب مقرونة ببعض الإمتيازات المادية سوف لن يفيدهم على المديين القريب والبعيد. كما إنه سيؤدي الى المزيد من التضخم مما يؤدي الى إستمرار إرتفاع الأسعار. الحل يكمن في الإستثمار وفتح فرص العمل من خلال القروض وتشجيع الإنتاج. وهو ماينسحب على الطاقات الشبابية لأبناء المناطق المحررة ممن تمكنت التنظيمات الإرهابية من تجنيدهم دون أن ينخرطوا تماما في مشروعها التدميري.

حيث يتطلب ذلك وضع الخطط الكفيلة بجعلهم هم مادة العمل الاساس في إعادة الإعمار والبناء مما ينمي قدراتهم ويؤمن مستقبلهم ويعود بالنهاية بالنفع على المجتمع. إن الحكومة وحدها غير قادرة على القيام بذلك. بل يتطلب الأمر خلق شراكة مع القطاع الخاص الذي بمقدوره عمل الكثير في مجال التدريب والتخطيط والإنتاج والقروض وغيرها من المساهمات. ففي حال نجحنا في ذلك سنكون

أدخلنا أعدادا كثيرة من الشباب في سوق العمل وتمكنا من تحرير عقولهم من الأفكار المتطرفة أومن حالات الضياع والكابة وتحويلهم الى قادة حقيقيين  يشكلون العامل الأساس في بناء مجتمعهم الذي عانى الويلات بسبب السياسات الفاشلة وإنعدام التخطيط.

{ الأمين العام للمؤتمر الوطني العراقي