الزهور لاتحتمل الإنتظار

الزهور لاتحتمل الإنتظار

حميد الحريزي

منذ سنوات دخل خريف العمر ، الخيوط البيضاء زحفت من الرأس فغزت الحواجب ورموش العين ، ناهيك عن الشوارب ،في حين غزت الاخاديد وجنات وجهه وجبهته  ففعلت الايام فعل تجريف الريح والمطر  في تربة هضاب  هشة ، واللحية جللها البياض ، كأن  السنين تكمل نسج الكفن الأبيض رايةالاستسلام والرحيل الى عالم الصمت…

ينتقل الى عالم  أخر يتجاوز عالم العدم كلما أمسك بأحد مؤلفات والده  ليطالعه تحت ظلال شجرة  الزيتون في حديقة  المنزل ، تحضر روح والده  فور فتحه للكتاب وكأنها مختبئة بين وريقاته ، تجالسه تحاوره تبث له الافكار والحكايات عبر سطورالكتب التي تحمل راتحة الوالد وبقايا لمسات أصابعه، هوامشه وملاحظاته حول  مضامين  الكتاب ، يشعر وكأنه يحضر ندوة فكرية أدبية  ثقافية غالبا مايحضرها  نيتشه وهيجل وماركس وبلزاك وكامو وسارتر  وهمنغواي وشكسبير وتولستوي وماركيز وحسام الآلوسي وفؤاد التكرلي وفرمان  والركابي …الخ .

يتماهى معهم حتى ينسى الوقت مشتبكا معهم في حوارات تتراوح مستوياته بين الود والانسجام  وبين  الاختلاف والخصام  يصل احيانا حد الصراخ ، مما يلفت نظر عائلته  الى ما هو عليه  فيهر عون اليه  لمعرفة من يخاصمه  وهو يجلس وحيدا  في حديقته يأخذهم تفكيرهم بعيدا حول مايعانيه  والدهم  من نوبات  غير معقولة وهو الانسان المثقف  الهاديء الوقور …!!

يعود الى ذاته مستاءا من فعلتهم وكأنهم اخرجوه عنوة من ندوة  متتعة يحضرها عظماء الفلسفة والثقافة والأدب ، اللذين سرعان ماتواروا بين السطور او فروا  للاختباءبين وريقات  الشجرة كالطيور …!!

ينهض متأففالايدري كيف  يشرح  حالته لأفراد عائلته وهل يمكنهم أن يتصوروا ما هو فيه ، يعيد الكتاب الى المكتبة  بعد أن يُعَلِم ماوصل اليه من القراءة ، يسرح في تأملات طويلة تأخذه الى عالم ذكريات بعيدة مستعرضاًوقت وظروف اقتنائه للكتاب الفلاني ومتى قرا الرواية الفلانية،  ومن اهداه الكتاب الفلاني ، تنتابه حسرات  لعدم حصوله على عناوين كتب لم  يستطع أن يحصل عليها  وعلى أخرى لم يقرءها بعد ، يستدعي أمنيات تراوده دائما  حينما  يستذكر الموت  الذي لابد منه ، يتمنى أن  يجلس  احداً  من عائلته  أوزوار قبره من أصدقائه  أو زوار المقبرة  ، يجلس بالقرب من ضريحه  البسيط الذي تضلله شجرة زيتون  ليطالع أحد مؤلفاته الادبية أو الفكرية والسياسية ،فله العديد من المؤلفات  هي عصارة وخلاصة سنوات عمره  الذي تجاوز السبعين ، لايريد لروحه أن تموت أو تخلد للكسل بعد مماته ، بل تستمر على التواصل مع القراء الأحياء عبر كتبه …وكم يتمنى أن يسمع كل صباح صوت فيروز  كما أعتاد ذلك في حياته  ولكن …

هذه الأمنيات  دفعته الى شراء قطعة أرض مساحتها 50 م2في المقبرة النموذجية الجديدة ، أخذ يتردد عليها بشكل مستمر عززها بتربة خصبة جلبها من شاطيء النهر  ، زرع فيها العديد من الاشجار دائمة الخضرة  كالزيتون والكالبتوس والياس وزرع نخيلات  فتية في أركانها الاربعة ، كان يحمل لها الماء ببرميل بواسطة سيارته الخاصة وأحينا  يشتري (تنكرماء النهر)ليغمرها بماء مغرين ، وتعزيزها بالسماد المناسب ، فأخضرت وأزهرت وأصبحت ساحتها عبارة عن بساط أخضر  ، َعَلَمَ مكان ضريحه المستقبلي تحت شجرة الزيتون  لتكون محل مدفنه بعد موته  الذي لايعلمه الاالله  ولكنه قادم لامحال .ووضع   بالقرب من مكان الضريح صندوقا زجاجيا يضم كتبه، لتكون مؤلفاته متاحة لمن يطالعها حينما يجلس على دكة مستديرة  تظللها اشجار النخيل والزيتون …

كان الحر لايطاق مع أنقطاع التيار الكهربائي كالعادة منذ أكثر من عشرين عاما ، مما يدفع بالكثيرين من سكان المدينة التوجه الى النهر للسباحة للتخفيف من لهيب حرارة  تموز اللاهبة ، توغل بعيدا في عمق النهر جارف الجريان …حاول الامساك بأغصان أشجار مقبرته ولكن دون جدوى فقد جرفه التيار  بعد أن اصيت  عضلات ساقيه بشلل تام …

رفعت من المقبرة العلامة وأصاب الاشجار الذبول ومن ثم الموت عطشا ، غادرتها الطيور ، فالاشجاروالزهور لاتحتمل الانتظار، فلم يروها أحد لأكثر من أربعة أسابيع مضت  …