الرئيس العراقي السابق مُنح شهادة الباكالوريوس في الحقوق عندما كان نائباً لرئيس مجلس قيادة الثورة
كلية الحقوق العراقية الأعرق في الشرق الأوسط ومن خريجيها صالح جبر وعبدالرحمن البزاز وكامل الجادرجي وشاكر الموصلي وصادق البصام
د. أكرم عبدالرزاق المشهداني
يمكن أن نعتبر جذور تاريخ جامعة بغداد تمتد الى عام 1908 حين تأسست أول كلية للحقوق في العراق، ثم توالت الكليات والمعاهد، ثم تأسست جامعات رسمية أخرى في العراق، حتى صار العراق يضم أكثر من عشرين جامعة في مختلف محافظاته ومن كل التخصصات وتدار بالكامل من ملاكات عالمية عراقية، إذ شهد التعليم العالي تطورات نوعية هائلة تمثلت في إبتعاث عشرات الألوف من الطلبة العراقيين الى مختلف جامعات العالم للتحصيل الأكاديمي العالي في جميع العلوم والمعارف، مما حقق إكتفاءً ذاتياً، وتطويراً للملاكات العلمية العراقية.
تعد كلية الحقوق العراقية، من أقدم كليات الحقوق العربية، كان وما زال لها دور بارز في رفد الحركة العلمية، والقضائية والقانونية والسياسية في العراق بالآلاف من النخب المتميزة، ويقول الباحث عبدالحسين الرفيعي في كتابه دور النخبة القانونية في تأسيس الدولة العراقية 1908 ــ 1932
لقد أثمرت كلية الحقوق العديد من الرجال الذين مهروا بحركتهم وعلمهم ونضالهم تاريخ العراق الجديد والمعاصر، فأن المتتبع لتاريخ العراق في ايام الانتداب يرى بشكل واضح دور النخبة القانونية العراقية في الأحداث، ومكانها اللائق والمتصاعد في مدارج الوزارات والمراكز الاساسية الحساسة في الأحزاب والصحافة ومؤسسات البلد المهمة، وهو ما يثير ويشعر بعظمة هذه المؤسسة واهميتها، فالذين استوزروا واستلموا بعد ذلك رئاسة الوزراء، كانوا في الغالب من خريجي ذلك الصرح العريق منهم عبدالرحمن البزاز، وغيره من الوزراء والكوادر المتقدمة في الدولة، وعلى الغرار نفسه استمر صعود المنتمين الى النخبة القانونية في مراكز المسؤولية وانتشارها الى مديات ابعد في كل نقطة ضوء في الكيان العراقي . كانت مدرسة الحقوق العراقية قد حظيت باهتمام المغفور له الملك فيصل الاول اثر تأسيس الدولة العراقية.. وعند تأسيس جامعة آل البيت على عهده ببغداد في 15 آذار 1924 ، انضمت كلية الحقوق، لتكون واحدة من كلياتها المتعددة، ولكن عادت وانفصلت بعد فشل مشروع الجامعة. وقد جرت عملية لتطوير كلية الحقوق واصلاح اوضاعها العلمية، فتألفت لجنة علمية من ابرز الاساتذة، وذلك في تشرين الثاني 1921 برئاسة المستر بل رئيس محكمة الاستئناف، وتوفيق السويدي الذي عين مديرا عميدا للكلية فضلا عن وظيفته كمعاون لمشاور العدلية ادوين دراور، وداوود السمرة، ونشأت السنوي، وانطوان شماس. وقد بذل عميدها توفيق السويدي، جهودا كبيرة لتنظيم الكلية وتهيئة الاساتذة، الا ان قلة المتخرجين من المدارس الثانوية كانت صعوبة بارزة واجهتها المدرسة، وهذا ما ادى الى اعداد اناس تكون مؤهلاتهم بدرجة تمكنهم من متابعة الدروس وفهمها بسهولة من دون ان تكون لديهم شهادات ثانوية، ويتم ذلك باتباع مبدأ امتحان القبول، اذ كان يطلب من المتقدم أداء امتحان في المواد التي تعادل درجتها المواد التي تدرس عادة في الصفوف الثانوية. وبلغ عدد طلبتها بعد استعادة فتحها 45 طالبا، وقد اصر على ان تكون شهادة الثانوية من لوازم القبول فيها. وفي سنة 1922 صدر النظام الاساسي لمدرسة الحقوق العراقية الذي جعل مدة الدراسة اربع سنوات.
صدور نظام كلية الحقوق 1936
صدر نص النظام رقم 10 لسنة 1928، وهو ينص في مادته 14 على كون الدراسة من 3 صفوف. اما نظام كلية الحقوق المرقم 8 لسنة 1936، فقد نصت مادته 2 ان تكون مدة الدراسة 4 سنوات، ويمنح الخريج فيها شهادة الليسانس ، ونصت المادة 6 منه على ان العربية هي لغة الدراسة. وقد بلغ عدد الاساتذة الاوائل في العام 1913 وممن عرفوا بسعة الاطلاع والسمعة العلمية والاصالة في التدريس والشهرة في العراق احد عشر استاذاً، منهم الشاعر الكبير جميل صدقي الزهاوي الذي كّلف بتدريس مادة المجلة القانونية العثمانية. وايضا يوسف العطا مفتي بغداد المعروف، وعارف السويدي، وحمدي الباجه جي، وحسن الباجه جي، ومحمد جودت، وابراهيم شوقي، ورشيد عالي الكيلاني ، وحكمت سليمان ، والشيخ نور الدين الشيرواني .. وكان ان ترأس بعضهم رئاسة الحكومة العراقية في فترات لاحقة . وبعد أعادة افتتاح المدرسة في العام 1919 عين لها كل من الأساتذة
نشأت السنوي معاون المدير، وعبد الوهاب النائب، وامجد الزهاوي، وداود السمرة، وسليمان فيضي، وأنطوان شماس، وعارف السويدي، وخالد الشابندر .
وكان كاتب المدرسة محمد على محمود الذي خلفه إبراهيم الواعظ بعد تخرجه في السنة الثانية. ثم عّين توفيق السويدي استاذا في الحقوق ليغدو فيما بعد عميدا لها . وكان أول ناظر للمدرسة أصالة عند تأسيسها هو الاستاذ موسى كاظم الباجة جي بعد أن كانت تدار بالوكالة من قبل ناظر المعارف خليل بك . وفي أواخر عام 1914 وقبل اندلاع الحرب العالمية الأولى أصبح السيد حكمت سليمان مديرا للمدرسة… وكان من أوائل الطلاب المسجلين في المدرسة محمود صبحي الدفتري الذي برز اسمه في العهد الملكي امنيا ووزيرا للعدلية وعضوا في مجلس الأعيان. وكان من بين خريجي دورة العام 1923»1924 كل من الذوات عبد الله الشواف، وعطا أمين، واحمد القشطيني، ومحمد رؤوف البحراني، وعبد العزيز السنوي، وطالب مشتاق، ونجيب الراوي، وشفيق نوري السعيدي. وكان من خريجي دورة العام 1924»1925 كّل من الذوات منير القاضي، وطه الراوي، وصالح جبر، وموفق الالوسي، واحمد زكي خياط حميدي، وهايك سيروب، وعبد الجليل برتو.. اما من خريجي دورة العام 1925»1926 ، فكان كل من الذوات عبد القادر الكيلاني، وكامل الجادرجي، وذبيان الغبان، ونوري العمري، وموسى شاكر، ونظيف الشاوي وعبد العزيز الباجةجي، وصادق البصام ، وشاكر الموصلي.
وكان من بين من تولوا رئاسة الوزارات العراقية من خريجي هذه الكلية صالح جبر، وهو خريج الكلية للدورة 1924 ــ 1925، وقد اشغل منصب رئيس الوزراء في العهد الملكي للمدة من 29»آذار»1947 إلى 27»كانون الثاني 1948، وعبد الوهاب مرجان، وهو خريج الكلية للدورة 1932 ــ 1933، وقد اشغل منصب رئيس الوزراء في العهد الملكي للمدة من 15»كانون الأول » 1957 إلى 2» آذار » 1958… وكذلك الدكتور عبدالرحمن البزاز، وهو خريج الكلية للدورة 1933 ــ 1934، واشغل منصب رئيس الوزراء في العهد الجمهوري للعام 1965 ــ 1966. وقد تخرج في الكلية ايضا جلال الطالباني رئيس جمهورية العراق اليوم، وكان ذلك في العام 1958 ــ 1959 .. ومن الجدير بالذكر ، ان الرئيس العراقي السابق صدام حسين قد منح شهادة الباكالوريوس في الحقوق عندما كان نائبا لرئيس مجلس قيادة الثورة 1972 ــ 1973.
شخصيات عربية تولت عمادة الكلية
تولى عمادة الحقوق ساطع الحصري للفترة 1931 ــ 1934، وكان أستاذا بدار المعلمين وله دور كبير في السياسة التعليمية في العراق. كما استقطب لعمادتها احد ابرز رجال القانون العرب وهو الأستاذ عبد الرزاق السنهوري، استاذ القانون المدني المشهور، مصري الجنسية، وكان يعدّ منذ ذلك الوقت علما من اعلام القانون في الشرق وهو واضع القانون المدني العراقي 1951 النافذ لحد الآن ، وتولى العمادة للفترة 1935 ــ 1936، وهو استاذ مادة القانون المدني،
وكان السنهوري قد حصل على درجة الليسانس في الحقوق سنة 1917 من مدرسة الحقوق الخديوية باللغة الانكليزية وجاء ترتيبه الأول على جميع الطلاب، وسافر إلى فرنسا عام 1921 لدراسة القانون بجامعة ليون وأنجز خلال وجوده فيها رسالته للدكتوراه، وحضر إلى العراق سنة 1935 بدعوة من الحكومة العراقية وساهم في وضع مشروع القانون المدني العراقي، وبعد عودته لمصر عين عميدا لكلية الحقوق المصرية، وتولى وزارة المعارف المصرية من 1945 ــ 1949. وفي سنة 1949 عين رئيسا لمجلس الدولة المصري، وقد ساهم في وضع القانون المدني السوري وكذلك وضع دستور الكويت والعديد من قوانينها كما شارك في وضع الدستور المصري. وكان له موقف ضد الانقلاب العسكري المصري الذي قاده الضباط الاحرار في مصر عام 1952، فاضطهد جراء موقفه ذاك على عهد الرئيس جمال عبد الناصر اضطهادا يعرفه كل من عرف السنهوري وقرأ سيرته المفعمة بالالم. ان للرجل افضال كبيرة على كلية الحقوق العراقية وعلى التشريعات المدنية العراقية قاطبة
عبدالرحمن البزاز عميداً للحقوق
وقد كتب الدكتور زكي مبارك في مذكراته الشهيرة ليلى المريضة في العراق أخبار بعض الأساتذة المصريين في العراق كمحمود عزمي ومحمود سعد الدين الشريف وحسن سيف أبو السعود وأحمد فهمي وعبدالعزيز محمد وما واجهوه من مشاكل مع الطلبة العراقيين وما أثاروه من آراء في الصحافة والتي اختتمت بحادث مأساوي تمثل بمصرع د. حسن سيف على يد أحد طلبته العراقيين الذي أطلق النار على أستاذيه محمود عزمي وحسن سيف وعلى نفسه بسبب نيلهما من كرامته العراقية في مكتبهما، فتوفي كل من الطالب واستاذه حسن سيف. وتولى الدكتور حسن على الذنون، العمادة بين عامي 1949 ــ 1951، وهو استاذ مادة القانون المدني، وقد حصل على البكالوريوس في كلية الحقوق بجامعة القاهرة عام 1939، وحصل على شهادة الدكتوراه فيها ايضا عام 1946، وله مؤلفات علمية عديدة في القانون الخاص إضافة إلى ترجمته لبعض المؤلفات عن الانكليزية ، وكان قد حاضر في معهد الدراسات العربية في القاهرة عام 1955 ــ 1956. ومن اشهر رجال كلية الحقوق ايضا الاستاذ الدكتور عبد الرحمن البزاز الذي تولى العمادة بين عامي 1955 ــ 1956 وبين عامي 1958 ــ 1959، واشغل عدة مناصب دبلوماسية عراقية منها سفير العراق في كل من القاهرة ولندن بعد العام 1963، ثم اختاره عبد السلام عارف نائبا لرئيس الوزراء عارف عبد الرزاق الذي فشل في حركته الانقلابية ، فكان ان اختير البزاز رئيسا لوزراء العراق بين عامي 1965 ــ 1966 ، وبعد مصرع عبدالسلام عارف، يقال أنه رشّح ليغدو رئيسا للجمهورية ولكنه لم يستطع أزاء رفض العسكريين العراقيين له، اولا، ولم يسلم من فيتو الرئيس جمال عبد الناصر الذي كان لا يميل للدكتور عبد الرحمن البزاز.
ضياء شيت خطاب كبير القضاة
وهناك دور الأستاذ المساعد محمد طه البشير، وكان تولى العمادة بين عامي 1956 ــ 1958 وبين عامي 1959 ــ 1960 وبين عامي 1968 ــ 1969 وهو استاذ مادة الحقوق العينية التبعية وحاصل على شهادة الليسانس في القانون من كلية الحقوق جامعة القاهرة عام 1939 وعلى دبلومي الدراسات العليا في القانون العام عام 1942 ــ 1943 في كلية الحقوق جامعة القاهرة .بقدر ما استقطبت كلية الحقوق العراقية ابرع الاساتذة في مرحلة ما بين الحربين، فلقد استقطبت ابرز الاساتذة والعلماء من كبار رجال القانون الاكاديميين، اذ ان هناك العديد من الشخصيات منهم ضياء شيت خطاب وشفيق العاني وعبدالامير العكيلي وعبد الجبار عريم وحسن الهداوي واسماعيل مرزة وسعد العلوش وعبد الحسين القطيفي وسعدون القشطيني وعبدالمجيد الحكيم وعلي حسن الخلف وأكرم ياملكي وهشام الحافظ وعباس الصراف … واخرين من خيرة العلماء الابرار. لقد كان ابناء نخبة العراق يتبارون للانخراط فيها.. وكان التنافس على اشده بين الحقوق والطب في العاصمة بغداد.. فضلا عن ان الحقوق قد قبلت منذ ذلك الوقت بعض الفتيات العراقيات للدراسة الى جانب الرجل، فكان ذلك بمثابة قفزة نوعية في التعليم العالي العراقي .. واعتبرت صبيحة احمد الشيخ داودد اول خريجة حقوقية عراقية ببغداد .. كما ان الكلية نجحت ولأول مرة في اصدار منشورات واعمال علمية في القانون والقضاء.. وان اروقتها شهدت بروز العديد من رجال العراق الذين لمع دورهم النهضوي سياسيا واداريا وقضائيا .. كما ان كلية الحقوق العراقية قد تخّرج فيها العشرات من افضل الكّتاب والفنانين وابرز المبدعين وامهر الصحافيين وجملة من الادباء والنقاد والمؤرخين الذين اثروا الحياة النهضوية العراقي على امتداد القرن العشرين منهم الاستاذ يوسف العاني.
سلسلة عمداء كلية الحقوق
الدكتور عبد المجيد الحكيم من 1960 ــ 1961.
الدكتور عبد الجبار عريم 1962 ــ 1965
الأستاذ شاكر ناصر 1966 ــ 1968.
الدكتور علي حسين الخلف 1970 ــ 1973
الدكتور عبد الحسين القطيفي 1973 ــ 1976
الدكتور رياض عزيز هادي 1976 ــ 1979
الدكتور نزار جاسم العنبكي 1980 ــ 1983 وثانية للفترة 1998 ــ 2003.
الدكتور محمد عبد الله الدوري 1983 ــ 1998
الدكتور على الجيلاوي2003 ــ 2005
الدكتور علي كاظم الرفيعي 2005 ــ 2010
الدكتور جمال إبراهيم الحيدري 2010
ولكاتب المقال الشرف أن يكون من ضمن طلاب كلية الحقوق 1966 عندما صدر نظام كلية الشرطة رقم 1 لسنة 1966 وجعل الدراسة في كلية الشرطة 4 سنوات يتناول الطالب فيها دروس كلية الحقوق بجامعة بغداد إضافة إلى الدروس المسلكية والعسكرية، وكنا نؤدي الأمتحانات مشتركاً مع طلاب كلية الحقوق بأرقام سرية، وندرس الحقوق والشرطة معاً. وكان ذلك النظام من ثمرة جهود وكفاح استاذنا الفاضل الدكتور أكرم نشأت إبراهيم الذي كان قد عاد للتو من القاهرة واعجب بنظام كلية الشرطة المصرية فنقله الى العراق، وكنا الدفعة الأولى التي طبق عليها النظام ثم تلتنا دفعة أخرى ثم ألغي النظام بعد 1968 برغم أن العشرة الأوائل في الامتحانات المشتركة كانوا من طلاب كلية الشرطة. إن لكلية الحقوق العراقية الفخر في أنها رفدت مؤسسات الدولة في العراق، والعديد من الدول العربية بالملاكات الحقوقية والخبراء القانونيين والمشرعين الوطنيين، وشهد العراق ثورة تشريعية، انتجت قوانين على درجة من الرقي والتقدم، صارت قدوة ومثلا لغيرها من البلاد العربية. كما ان تاريخ هذه الكلية اقترن بالتظاهرات الطلابية والحركات الوطنية التي وجدت في الاجواء الفكرية والقانونية التي وفرتها الكلية قاعدة لانطلاق الافكار الوطنية ومرتعا للانتفاضات الوطنية.
/6/2012 Issue 4220 – Date 7 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4220 التاريخ 7»6»2012
AZP07























