
الرأي العام وتشكيل السلطة السياسية – حيدر طريخ الاسدي
أن اهمية الرأي العام اليوم في المجتمعات المختلفة فرضت على جميع المعنيين والمخططين السياسيين ان يولوا اهتماما كبيراً بمعرفتها والوقوف على اهميتها الكبيرة. وفيما يلي نشير الى بعض الاسباب التي تشكل حافزا يدفع الجميع نحو الاهتمام بالرأي العام:
* الحاجة الماسة التي تدركها الحكومات الى هذه الظاهرة، وخاصة في مجال تشجيع الناس ودفعهم الى المشاركة السياسية وعدم الوقوف موقف اللامبالاة من الاحداث الجارية في المجتمع.
* انطلاقا من ضرورة ادراك ما يريده المخاطبون والقضايا التي تشكل موضع اهتمامهم، اولت وسائل الاعلام المختلفة اهتماما كبيرا بظاهرة الرأي العام، وذلك بهدف التأثير عليه أو فرض قناعات معينة عليه وسوقه بالاتجاه الذي تريده هذه الوسائل.
* من اجل ان تبيع منتجاتها الصناعية وتوجد الاسواق المربحة لها من خلال زيادة كمية المبيعات… تحتاج الدوائر والمؤسسات الصناعية ـ الاقتصادية الى ان تعرف بشكل دقيق الرأي العام وذوقه ورغباته واحتياجاته، ومن ثم تعمل على تعديل الانتاج بالشكل الذي ينطبق مع متطلبات رغبات الرأي العام.
* وأخيراً، الصبغة السياسية والثقافية والاجتماعية، التي اصطبعت بها آثار ونتائج هذه الظاهرة. ولظاهرة الرأي العام تعاريف كلاسيكية يمكن تقسيمها إلى ثلاث دوائر مختلفة نتناولها بايجاز وهي:
الاولى: تعرف الرأي العام بانه عبارة عن تلك الافكار التي يجري طرحها على الناس بصورة رسمية، حيث يتجاهل هذا النوع من التعريف الاشارة الى الجوانب الخفية في حياة المجتمع، ولا يعتبر الكشف عنها امام الناس ضمن ظاهرة الرأي العام. وعلى خلاف هذه الدائرة تعتقد الدائرة الثانية ان الرأي العام عبارة عن بيان وكشف كل مسألة تجري في اطار القضايا والشؤون العامة للمجتمع، ولا تعترف بوجود قضايا يجب اخفاؤها عن الرأي العام. ويدخل في اطار هذه الدائرة جميع الاعمال التي تقوم بها الحكومات على الصعيدين الداخلي والخارجي. اما الدائرة الثالثة فانها تعتبر أن الرأي العام جميع الافكار والرؤى التي يحملها عامة الناس حول مختلف القضايا السياسية أو الثقافية او الاجتماعية، وبذلك تكون الاقليات السياسية والثقافية والاجتماعية خارج اطار هذه الدائرة بشكل تلقائي.
بالاضافة الى هذا التقسيم بشأن تعاريف الرأي العام، هناك عدة عوامل اخرى تدخل في اطار صناعة الرأي نشير اليها باختصار:
العامل الاول هو اننا نعتقد بان الرأي العام يشمل كل ظاهرة تستمد جذورها من التحولات الاجتماعية. ويندرج ضمن هذه الرؤية جميع القضايا الجارية في المجتمع. وبهذا التعريف الاخير يكون الرأي العام اولا اساس القوانين الحاكمة في المجتمع، وثانيا يكون انعكاساً لنضج وتطور المؤسسات السياسية ووسائل الاتصالات الحديثة.
تشكيل الرأي
وفي الحقيقة يتشكل الرأي العام حين تظهر رؤى وتصورات مشتركة ازاء ظاهرة اجتماعية معينة حتى يتحقق الانسجام الفكري في المجتمع، ويعتقد البعض ان هذا الانسجام الفكري هو الفرق الذي يفصل بين المجتمع التقليدي والمجتمع الصناعي، فالمجتمعات التي يخيم عليها الجمود وتفتقر الى الحركة والنشاط لا يبقى فيها اي معنى لظاهرة اسمها الانسجام، فالحاجة الضرورية الى الانسجام لا تظهر الا اذا كانت هناك حركة او فعالية تحتاج الى الانسجام الفكري بين افراد المجتمع او الاتجاهات والتيارات المختلفة فيه.
والمجتمعات التي تفتقر الى البحث والتغيير والتحرك، تنعدم فيها ايضا المعلومات والافكار التي تبعث الحركة والنشاط في الرأي العام وبالنتيجة لا يظهر افراد مثل هذه الاجتماعات الا رغبة قليلة في التعبير عن رؤاها وتصوراتها حول القضايا الجارية في المجتمع. اما المجتمعات التي تعيش الحركة في تبادل المعلومات فان افرادها يتعاملون مع قضايا المجتمع بردود الفعل وبالتعبير عن وجهات نظرهم ازاءها. وكلما كانت حركة تبادل المعلومات اكثر نشاطا وسرعة تكون مشاركة الناس في احداث المجتمع ذات معنى اعمق واكثر عملية، وحين تبلغ هذه المشاركة درجة الانسجام يتشكل الرأي العام. والعامل الثاني: الذي نريد الحديث عنه في هذا المجال هو أن هذا الانسجام يتحول اما الى قيمة من القيم الانسانية او الى سنة وقاعدة في المجتمع، اي ان ابداء وجهة النظر والتعبير عن الرأي والعقيدة يتحول الى قيمة اجتماعية او سنة في المجتمع. علماً ان هناك بعض الناس يخشون الوقوع في الخطأ عند التعبير عن وجهات نظرهم، ويعتبرون ان ذلك يحط من شأنهم في المجتمع، فتراهم يترددون، بل ويجتنبون المواقف التي تقتضي الحديث والتعبير عن الرأي. في حين توجد هناك طائفة اخرى على النقيض من هؤلاء ويرون في انفسهم الكفاءة المطلوبة للظهور في تلك المواقف. العامل الثالث: هو ضرورة انتقال المعلومات في المجتمع بالشكل الذي يؤدي الى تكوين الرأي العام في المجتمع، ولهذا السبب فان الرأي العام لا يتشكل في مجتمع يفتقر الى نظام فعال لتوزيع المعلومات فيه.
والعامل الرابع: هو وجود العقائد والاسس الفكرية التي تستطيع تحليل المعلومات المنتشرة في المجتمع. فاذا عجزت المؤسسات او الافراد عن تحليل وتفسير المعلومات بشكل دقيق لا يمكن ان يكون هناك رأي عام تجاه تلك المعلومات. وفي كل الاحوال يرى المحققون ان وجود افراد او مؤسسات خاصة بكيفية التعامل مع الاخبار والمعلومات واسلوب تقديمها الى سائر الافراد يعتبر من العوامل المؤثرة جدا في تكوين الرأي العام. والآن نشير الى العوامل التي تساعد على تكوين الرأي العام وهما عاملان:
الاول: ارتفاع مستوى التعليم وزيادة عدد المتعلمين والمثقفين وخاصة بين الشباب. فالتحقيقات التي جرت بهذا الخصوص اشارت الى ان الطلاب وانطلاقا من الحياة الاجتماعية التي يعيشون في اجوائها وبسبب ارتفاع مستواهم الثقافي يؤدون دورا مؤثرا جدا في تشكيل الرأي العام بل وسوقه بالاتجاه المطلوب وتحقيق الغايات المرجوة.
نشاط اجتماعي
والثاني: هو النشاط الاجتماعي، فاصحاب المهن الحرة وسكان المدن والتشكيلات المنسجمة يتركون بصماتهم واضحة في تشكيل الرأي العام وظهوره. وفي المجتمع الذي تحمل فيه المشاركة السياسية معانيها القانونية والحقيقية يكون الرأي العام اكثر قوة واكثر وضوحا. خاصة اذا كان هذا المجتمع يرى في نفسه القدرة على احداث تغييرات اساسية في الاوضاع والقوانين الاجتماعية الحاكمة فيه. الى جانب هذه العوامل لابد من القول انه كلما كان المسؤولون الاجتماعيون والزعماء السياسيون في المجتمع يظهرون اكثر امام الناس ويناقشونهم من خلال الندوات والمؤتمرات والاجتماعات بشأن القضايا التي يعيشها المجتمع يكون الرأي العام في ذلك المجتمع اكثر وضوحا وشفافية منه في غيره من المجتمعات التي يختار زعماؤها الاجتماعيون والسياسيون الحياة في الظل بعيدا عن الاضواء او قد لا يستطيعون رغما عنهم الكشف عن وجودهم وهويتهم بشكل علني خشية التعرض لعقاب الانظمة الحاكمة، حيث يكون الرأي العام في هذه الحالة باهتاً وضعيفا ولا يقدر على التعبير عن نفسه وعن موقفه ازاء القضايا الجارية في المجتمع.
ومن خلال هذا الاستعراض القصير لجوانب وابعاد الرأي العام نستطيع أن نقول ان الرأي العام يتكون في الظروف والحالات التالية:
اولا: عندما تتحول قضية غامضة في المجتمع الى قضية واضحة يمكن لجميع الافراد ان يستوعبوها ويدلوا برأيهم تجاهها، وفي هذا الاطار كلما ازدادت شفافية المجتمع سياسيا وثقافيا واجتماعيا كان الرأي العام ايضا اكثر وضوحا وظهورا. ولعل ابرز اشكال هذا الظهور هو سخونة سوق المنافسة بين الاتجاهات المختلفة.
ثانياً: ليس بالضرورة ان يتشكل الرأي العام تحت تأثير الاعلام والدعاية. فالدعاية تؤثر في قوة الارضية التي يقف عليها الرأي العام. ولا تخلق قضايا جديدة. بل تجعل اعتقاد الناس بتلك القضايا قويا وراسخا.
ثالثاً: تعتبر نظرة الناس ودرجة ثقتهم بوسائل الاعلام أرضية اساسية لظهور الرأي العام وايجاد ثقة لدى الناس تجاه العوامل الاخرى.
رابعاً: يتشكل الرأي العام حين يشعر المجتمع بانه صاحب دور ورأي في قضاياه وشؤونه سواء كان ذلك بالسلب ام الايجاب.
خامساً: يكون تشكيل الرأي العام سريعا جدا في القضايا التي جربها المجتمع من قبل ولا تشكل شيئاً جديدا بالنسبة له. وعلى الرغم من هذه الاهمية البالغة التي يتمتع بها الرأي العام الا انه ليس غولا غير قابل للمعرفة، بل هو ظاهرة قابلة للدراسة والتحقيق والتكهن بمختلف جوانبها، ولهذا السبب نشاهد ان لهذه الظاهرة موقعا خاصا في الدراسات الحديثة وخاصة تلك التي تتناول قضايا الاعلام ووسائل الاتصالات. فالرأي العام لا يمثل مجموعة من الآراء المختلفة وانما هو محصلة تداخل وتشابك الاتجاهات المختلفة في المجتمع القائم على اساس التفاهم والتنافس، وتتجلى باروع صورها من خلال الانتخابات.
hyder6465@gmail.com

















