الذكريات والوجدان – مقالات – عبد العزيز حسون
الكثير من المشاهير يكتبون مذكراتهم، سواء بدافع ذاتي أو بتشجيع خارجي. وتختلف رؤانا نحن القراء في نقد وتقييم ما نقرأ منها. اذ لا شك نخضع في ذلك الى الدوافع التي تحدد لنا تلك الرؤى.
الكثير من القراء يميلون الى البحث والتدقيق بين السطور ليكتشف فيما قرأ شيئاً عجز عن ادراك كنهه الاخرون.
واختلفت المذكرات من حيث المنهجية والمصداقية ولكنها التقت في ما تقدمه للقارئ من صور عن أيام مضت وأحداث وقعت في مناخ متلاطم في أغلب الاحوال، وهذا ربما يكون أقوى ما يشد القارئ الى متابعة ما دونه الكاتب عن ذلك كله وعن دوره في صناعة ما حدث.
وهناك نوع آخر، لا يدخل في باب المذكرات وانما هو ذكريات وأجملها الوجدانية. وهي لا شك تقدم للقارئ ليس عرضاً لما مضى وإنما رؤية روحية عن مراحل حياة الكاتب وعن من التقى بهم وتركوا الاثر – الجميل في الغالب – في نفسيته.
وقد سعدت جداً بتلقي اهدائين ثمينين من النوع الاخير صب فيهما الكاتبان عصارة روحية جسدت كل منهما وزادته علواً في القامة وارتقاء في العرفان الجميل لما مر به من مواقف ولمن عايشهم. في تجربة حياة وليس في ترجمة حياة التي عنون بها الاستاذ سجاد الغازي سجل أيامه في الصحافة. ولعلي أجرأ في اعتراضي هذا مدعياً انه من حقي أنا وليس لغيري. اذ انني وخلال الاعوام الستون التي مضت وانا اعرفه فيها لم تتخللها أية هزة لاوراق وازهار النبتة الجميلة التي غرسها في نفسي. ولم تخفت حرارة الشوق بانتظار ان أقرأ ما كتب على مر الايام الطويلة.وجاءت تجربة الحياة وهي تدوين لما مر من الطفولة الى الكهولة من النسب والى الأوسمة والتكريم مخترقاً مراحل الحياة متذكراً بدقة عجيبة اسماء زملاءه في المدرسة بمراحلها الثلاث وهم كثر، لا اعتقد ان اياً منا قد علقت في ذهنه مثل هذا العدد من الاسماء بعد مرور العقود عليها.ولكنها ميزة هذا الصحافي الذي ثبت على موقفه الذي بدأ به مهنة المتاعب وصولاً الى انتخابه اميناً عاماً لاتحاد الصحفيين العرب، وخلال ما يزيد على الستين عاماً.
وتختلف الذكريات الاخرى التي تكرم علي بها الصحافي اللامع الاستاذ زيد الحلي، اذ هي تعكس مواهب متعددة تنسجم معطياتها بجمالية تؤكد اهمية الثقافة التي هي اكثر ما يصقل تلك المواهب ويظهر لمعانها وشعاعاتها. والشئ الاخر الذي اضاف جمالية لذكريات الحلي هو ما قدمتها به انعام كجه جي صائغة العبارة، والتي تنتقي بدقة رائعة كل ما تدون من كلمات.
وقد اجاد زيد الحلي في سياحة حياتية أنطق بها السنين عن شخوص على مختلف مناحي الثقافة من زملاء المهنة الى الفنانين والشعراء والادباء بوجدانية تؤكد ان هؤلاء الشخوص انما هم مستقرون في اعماق الذاكرة وليس على ورقهـــــا.


















