الذكرى الأولى لرحيل رائد الحداثة التشكيلية .. مهر الدين.. شاعر يجيد مراوغة الألوان

200387_0

الذكرى الأولى لرحيل رائد الحداثة التشكيلية .. مهر الدين.. شاعر يجيد مراوغة الألوان

 بمناسبة الذكرى الاولى لرحيل رائد الحداثة الفنان التشكيلي محمد مهر الدين الذي توفي في العام 2015 عن عمر ناهز 77 عاما اقيم  مؤخرا في غاليري بندك آرت في العاصمة الأردنية معرض للفنان التشكيلي العراقي الراحل محمد مهر الدين في ذكرى وفاته الأولى وتكريما له ولعائلته.واشتمل المعرض الذي نظم برعاية سفارة العراق بعمان ، وبحضور العديد من المهتمين بالفن والفنانين العراقيين وعائلاتهم والفنانين الأردنيين، على تسعة عشر عملا فنيا تناولت مواضيع متنوعة للفنان الراحل مهرالدين. الفنان الراحل تفرد في تنقية لوحاته بخامات مختلفة، ما أكسبها سحرا إضافيا وتعتيقا يحقق لها قيمة أعلى، بحيث تناغمت المفردات والفضاء العام مع مدى معرفة الفنان في التقاط اللون وإسقاطه.

مدير الغاليري إحسان بندك قال إن المعرض أقيم تكريما لروح هذا الفنان الكبير الذي ترك لنا بصمة خاصة وحافلة في مجال الثقافة والفن على المستويين العربي والعالمي.وأضاف إن الراحل محمد مهر الدين فنان عالمي عرض لوحاته بأماكن عدة في العالم، وشارك في معارض عالمية، وخبرته طويلة بدأت منذ العام 1965  وفي الفترة الأخيرة اتجه نحو الفن التجريدي، وخاض تجارب عديدة في مجال طبقات اللون ودراسة اللون بشكل واسع، كما دخل في مجال (المكيس ميديا) دمج الألوان والصورة والأقمشة بالعمل ذاته التي تعبر عن المضمون والأبعاد المطلوبة للعمل الفني”.ورغم كل هذه المستجدات في لوحاته، لم يتخل الفنان عن التجريد والبساطة في أدائها، بحيث ضل مركزا على القضايا الوطنية النابعة من حبه وعشقه لبلده العراق، مما كان له دور كبير في شهرته العربية والعالمية، وفق بندك.

انقسمت أعمال الفنان في المعرض إلى ثلاثة اقسام، جزء منها غرافيك آرت، وبعضها ميكس ميديا (الكولاج) إلى جانب لوحات تشكيلية.

فنون جميلة

ومن الجدير ذكره أن الفنان التشكيلي الراحل محمد مهر الدين ولد في البصرة العام 1938 وأكمل دراسته الابتدائية والثانوية فيها، ثم انتقل إلى بغداد ودخل معهد الفنون الجميلة وتخرج منه العام 1959 وسافر إلى بولندا ودرس الفن هناك وحصل على شهادة الماجستير في الرسم والغرافيك. صدر سنة 60  كتاب فني تحت عنوان (تأملات في الفن التشكيلي العراقي الحديث) لمؤلفه الفنان نوري الراوي ويحتوي هذا الكتاب على فصل مكرس لدراسة تجارب الفنان محمد مهر الدين وحين ذاك كان عمر الفنان 23سنة . فماذا تستنتج من هذا؟ مؤكداً لنا بأن أهمية الفنان مهر الدين التصقت به منذ نعومة أظفاره حيث ان موهبته الكبيرة تقع في مجال الرسم أفتتحت له حضوراً منظوراً ضمن رقعة الفنون التشكيلية في العراق ومنذ مراحلها المبكرة، ولو إننا أنعمنا النظر بمرحلة بداية العقد السادس في القرن الماضي، ولو اننا تساءلنا عن الكيفيات والممكنات الفنية التي كانت سائدة وقت ذاك، لتأكدنا بأن دخول حلبة الاشتباك الثقافي والفني كانت تتأكد من خلال وجود فنانين كبار أسسوا مناهج جديدة تحسب على تاريخ الفن التشكيلي في العراق ومنهم، فائق حسن وجواد سليم وحافظ الدروبي ومحمود صبري وجميل حمودي واسماعيل الشيخلي وعطا صبري وشاكر حسن آل سعيد وخالد الرحال ومديحة عمر ونزيهة سليم وغيرهم الكثير. وعندما يتم ذكر الفنان مهر الدين في هذا الكتاب فتلك إشارة هامة تحكي جانباً من بدايات هذا الفنان الشاب القادم لبغداد من البصرة.  لقد اخترق محمد مهر الدين حاجز الصمت وكان دخوله ضمن المشهد التشكيلي في العراق دخول القوى الذي يعرف مايريد ويقصد بالدقة مايبتغي، وعلى مدى تجارب كثيرة مر بها الفنان خلال سنوات حياته في بغداد وسفره للدراسة الأكاديمية في بولونيا ومن ثم عودته لبغداد ومزاولة تدريس مادتي الرسم والكرافيك في معهد وكلية الفنون الجميلة في بغداد وخلال هذه الفترة تتلمذ عليه الكثير من الفنانين المهمين. ويقينا أن الدارس لمنجزات مهر الدين سرعان مايكتشف بأن هذا الفنان محمول بمستوى فني متقدم ورؤيا فكرية وفلسفية متداخلة مع طبيعة الحياة السياسية الملتهبة وكما يعرف الجميع بأن الحياة السياسية في العراق شهدت اضطراباً وتحولاً وتبدلاً اثر حتماً على حياة المجتمع تأثيراً سلبياً منذ الجمهورية الاولى صعوداً الى وقتنا الراهن المعبر عنه بتاريخ الاسى والخسائر الفادحة وكان مهر الدين يتصدى لكل ظاهرة معيبة او سيئة تمس فصول حياة الآخرين وتؤثر على حريتهم وكرامتهم ووضعهم المعيشي، وبهذا المعنى فأن الفنان مهر الدين كان يتابع بدقة مجريات الأمور الحياتية وتبدلات الاحوال السياسية والاجتماعية والاقتصادية وبصراحة إن مهر الدين كان له موقف مسوغ برؤية عصرية متداخلة مع الحياة بصيغها المثل والى جانب كونه رجلاً مفكراً ومثقفاً من الطراز الأول فقد كان فناناً مرهفاً وخبيراً بفن التصميم وكان أيضاً رساماً تقنياً ومتجاوزاً بحيث كان يتخطى التوظيفات النمطية والتقليدية للمواد الخام ولكل العناصر المتداخلة في بنى اللوحة. وفي منتصف العقد السادس انجز الفنان مهر الدين سلسة من الإعمال الفنية التي وظف فيها المواد الخام التي لاتصلح للرسم مثل الاخشاب والمسامير وانواع من اللواصق والاحجار وبعض الصفائح المعدنية وكلها ادخلها في تراكيب العمل الفني وكان هذا السياق من العمل غير مسبوق إذ كانت السياقات المعتادة تقوم بتسمية الرسم رسماً كان فناناً جريئاً ومغامراً ولا يتردد في مزاولة أي ضرب من ضروب الفن والروئ المصاحبة وكان دائماً يشتغل بمنطقة زحزحة المعادلة البصرية المعتادة والآيتان بجديد خلاق سواء كانوا ذلك في توظيفات المواد الخام او في صناعة الاشكال وتقويضها او في استثمار المواد الخام سبل تحريكها على سطح اللوحة ومزاولة اشكال من المعالجات الفنية والتقنية كتحريف الاجزاء او تعزيزها او اكسدتها وكما اشرنا سابقاً بأن هذه السياقات في العمل كانت غير مسبوقة او غير معهودة في تاريخ الفن التشكيلي المعاصر في العراق والاهم من كل هذا هو ان الفنان كان يهمه صناعة عمل فني ناجح بكل المعايير ولا نغامر اذا قلنا بان الفنان نور الدين يمثل ظاهرة مختلفة عن جميع التجارب المقدمة قبله وبعده واستطاع ان يحفر اسمه عميقاً في ذاكرة المشهد التشكيلي في العراق فلا يمكن لاي باحث او دارس للفنون العراقية ان يتخطى رسم هذا الفنان الكبير الذي قدم الكثير ولكنه لم ينل حتى القليل. ويعد مهر الدين الذي تأثر برواد الحركة التشكيلية في بولندا وإسبانيا، من رواد الحداثة في الفن العراقي المعاصر لاسيما في البحث عن فيزياء اللون في العمارة التشكيلية، كما يعد أحد أبرز التشكيليين العراقيين في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين.واخيرا حصل الفنان الراحل على جوائز عدة أهمها جائزة تقديرية بالمرتبة الثانية، من معرض العالمي للملصقات 1982 الجائزة الثانية للبينال العالمي للفنون، أنقرة 1986 الجائزة الأولى لمهرجان الفنون الثاني، بغداد 1988 جائزة تقديرية للبينال العالمي للفن الآسيوي، بنغلاديش 1993 والجائزة الوطنية للإبداع، بغداد 1998.