
إعداد وتقديم: عبدالحق بن رحمون

تقديم الملف :
نتوقف في هذا الملف الخاص بـصحيفة (الزمان) الدولية بمناسبة الذكرى الثانية لرحيل الشاعر العراقي الكبير سعدي يوسف (1934-2021) الذي يشارك فيه معنا ثلة من الشعراء والأدباء المغاربة عند صورة الشاعر في الثقافة المغربية المعاصرة، من خلال علاقاته وصداقاته المميزة بالمشهد الإبداعي المغربي، والمدن المغربية التي زارها.
وقد كان رحيل الشاعر العراقي سعدي يوسف بالعاصمة البريطانية عن عمر ناهز الـ87 عاما بعد معاناة مع مرض عضال في سنواته الأخيرة. وكانت طنجة المغربية من أهم المحطات البارزة التي حل بها سعدي يوسف باحثا فيها عن عشبة الخلود أثناء ترحاله بين العواصم العالمية حيث وجد فيها هذا الحفيد السومري أسلافه بعد رحلته الشاقة الحافلة بالإعصارات والمواقف السياسية العربية . وسوف تحقق طنجة أمنياته وأسطورته في صخرة هرقل ورؤى شكري وسيزيف وآخرين تسلم من أيديهم شعلة الحرية، قبل أن تقوده قدماه إلى «قلب طنجة» ويكتب من شرفتها القصيدة بجسده المؤطر بالزمان والمكان، ويتيح لقارئه أن يعرف من خلال قصائده تفاصيل كثيرة عن حياته وعن المغرب، وعن الأمكنة التي خبر أسرارها والتجارب التي عاشها، مع شخصيات يتماهى معها ويحل فيها.
هذا هو سعدي يوسف، الشاعر الكبير ،المفرد بصيغة الجمع، فهو الشاعر الرحالة، والدبلوماسي المتجول في كل بلدان العالم، سكن كل الأمكنة وسكنته ونقش في صخورها وعلى شجرها اسمه، في بحثه عن المجهول في عالم بعرض شاسع، وفي طنجة حيث يلتقي البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي ويلتقي معهما الإبداع بين برزخين يبغيان ولا يبغيان . وقد أجمع عدد من النقاد والباحثين أن سعدي يوسف تميز طيلة مساره الإبداعي بمواقفه الشجاعة على مدى ستة عقود وهي كثيرة من بينها موقفه من الغزو الأميركي للعراق.
وفي سيرته تقمص عدة شخوص وأسماء، فهو الأخضر بن يوسف وحفيد امرئ القيس والشيوعي الأخير…، وقبل كل هذا وذاك، فهو ابن البصرة الذي حمل في عنقه خلال ترحاله طوق الهم العراقي، وظل منحازا للمهمشين والبسطاء خلال اغترابه الذي تجاوز أربعة عقود، كما ظل المكان في قصائده دوما يئن بالحنين في انتظار أن تبزغ الشمس فيما يراه من أزمنة وجودية فسيحة، قيدها الغزاة والطغاة بالايديلوجيات. هذا الشاعر الكبير منحه المغرب صفة «الشاعر العالمي» وكرمه واحتفى به مرارا، وتوجه بمنحه جائزته العالمية للشعر وهي جائزة الأركانة في دورتها الثالثة، والتي تتجلى قيمتها في حصول أسماء وازنة في الشعر العربي والعالمي عليها. وقد تسلم سعدي يوسف هذه الجائزة في احتفالية كبيرة، حضرتها عدة شخصيات حكومية ودبلوماسية وثقافية وفكرية في 24 تشرين (أكتوبر) من سنة 2009، وهي جائزة يمنحها «بيت الشعر في المغرب». وكان الحفل مناسبة كرم من خلالها المغرب العراق عرفانا وتقديرا لحب المغرب لهذا البلد ، مهد الحضارة والإبداع، كما كرم المغرب خلالها الفنان والموسيقار العربي الكبير نصير شمة، الذي أحيى احتفالية الأركانة بالمسرح الوطني محمد الخامس بالرباط. وأوضح تقرير لجنة تحكيم جائزة الأركانة، التي ترأسها الناقد السوري صبحي حديدي : « أن تسليم الجائزة للشاعر سعدي يوسف يعود لمنجزه الشعري الشامخ والثري، الممتد على مدى ستة عقود، والذي «يؤشر على كد تصوري عصامي وملحاح، وعلى مثابرة كتابية جديرة بالإشادة، كانت لهما آثار ملموسة ومحفزة، سيان في الوعي الشعري العربي المعاصر أو في الذائقة القرائية بالعالم العربي».
من جهة أخرى، نتغيا من خلال تقديم هذا الملف وضع القارئ العربي والمغربي أمام صورة هذا الشاعر العربي والعالمي في الثقافة المغربية المعاصرة وتأثيره عليها، وفي علاقته بالأدباء والشعراء المغاربة من مختلف الأجيال حيث يشكل المغرب جزءا من سيرة هذا الشاعر الكبير الرحالة، والعاشق للمغرب ولتراثه وحضارته العريقة، حيث كان في كل مناسبة يدعو الشعراء المغاربة إلى أن يكتبوا عن المدن والأمكنة المغربية وأن يستمعوا لمختلف الأصوات «لأن الحياة توجد في الملموس لا في المجرد» .
والمغرب عند الشاعر سعدي يوسف شكل جزءا من هوية قصيدته، وصارت جغرافيته رافدا حقيقيا لنصوصه الشعرية مع مرور السَّنوات.
وفي هذا الملف تقدم (الزمان) الدولية شهادات ودراسات لكتاب وشعراء ونقاد وإعلاميين، كلها أجمعت على المكانة والوضع الاعتباري الرمزي الذي حظي به الشاعر العالمي سعدي يوسف في الأوساط الثقافية المغربية والعربية، حيث اعتبر رمزا شعريا، ومناصرا للأدباء الشباب في تجاربهم الإبداعية عبر توجيهاته لهم سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. فيما سجلت شهادات أن المكان أصبح هاجس سعدي يوسف منذ أن ترك مكانه الأصلي بالبصرة مكرها، وأضحى المكان في قصيدته اللحمة والسدى. ويشارك معنا في هذا الملف أصدقاؤنا الشعراء والنقاد والكتاب والإعلاميون وهم : عبداللطيف بن يحيى، حسن مخافي، مراد القادري، الزبير خياط، اعتماد سلام، ادريس الملياني، مخلص الصغير،محمد بودويك،عبدالجواد الخنيفي، المعتمد الخراز، جمال أزراغيد، ادريس علوش، واسماعيل علالي. لقد ظل سعدي يوسف، يتردد كثيرا على المغرب الذي كان قبلة عشقه للمغامرة واكتشاف أراض ليلية في مقاهي الشمس الخصبة بالإبداع والحرية و الأمن، مفتشا عن خبايا الأمكنة وأسرارها، لايخشى المغامرة والإقدام لاكتشاف المكان لفك عزلته واغترابه اللااختياري.
وكانت بين إقامته ببريطانيا، وطنجة مدن مغربية أخرى مثل كازا بلانكا والرباط ،ومراكش، وفاس، وتطوان، والشاون وكرسيف ،.. وكل هذه المدن كونت عنده رغبة محمومة في أن يتخذ من المغرب مستقرا أخيرا له. كان على وشك أن يقيم في مكناس، وبعدها الرباط ، لكن الاختيار سيقع على طنجة التي استحوذت على إلهامه وإبداعاته، وكتب عنها ديوانا شعريا يجسد عالما سحريا ومغريا بالبراءة والاكتشافات والحوارات النفسية مع كل التفاصيل اليومية. ونقف في سيرة هذا الشاعر الكبير كذلك على أحلام وصور وكليشيهات بالأبيض والأسود ومناطق رمادية لخيبات وهزائم الوطن العربي، وفي إبداعه نقف عند شعره الذي طبعه ببعد إنساني يتداخل فيه الخاص والعام والشخصي والغيري، بشكل يرفعه إلى مصاف الكتاب العالميين.
في هذا الملف نقدم لكم قراءنا الأعزاء سعدي يوسف بعيون مغربية .
شاعر يكره الهدوء ويحب الصخب
تفاصيل عن انبهار سعدي يوسف بفضاء في «قلب طنجة» ارتاده أدباء عالميون
عبداللطيف بن يحيى
شاعر واعلامي من المغرب
طنجة المغربية مفعمة بالأحاديث والسير الرائعة للأدباء والفنانين والسياسيين العالميين، بقيت مقاهي ومطاعم طنجة وحاناتها بطقوسها وتقاليدها شاهدة على كتاب كبار وعالميين أغرموا بسحرها، ديلاكروا، وتينسي وليامز، وبول باولز ومحمد شكري ومارتن سكورسسي وجان جينيه … ويعتبر فضاء في «قلب طنجة» فضاء مثاليا لكل أدباء العالم، هذا المطعم والحان الرائع الذي يقع في وسط المدينة ، ذاكرة لطنجة وهو مازال يحمل الملامح الأولى التي كانت عليها طنجة حين خضوعها للنظام الدولي.
هذا هو المكان الذي التقيت فيه لأول مرة بسعدي يوسف بإيعاز واقتراح مني، و كان معي الشاعر أحمد هاشم الريسوني . اقترحنا عليه أن نجلس في هذا المكان ذات ظهيرة صيف… أسماء عالمية كبيرة كانت ترتاد هذا الفضاء الذي يستقر وسط مدينة طنجة في نفس البناية التي فيها مقهى باريس، ويقدم هذا المطعم قائمة واسعة ومتنوعة من الأطباق من المطبخ الإسباني والمغربي.
وفي هذه المقهى «باريس» سبق لي أن التقيت بالعديد من الكتاب العالميين من بينهم تينيسي ويليامز وجان جينيه وصمويل بيكيت، وقد كانوا يرتادون هذا المكان. وفوق مقهى باريس بالطابق الأول يوجد فضاء في «قلب طنجة». لقد انبهر سعدي يوسف انبهارا كاملا بفضاء في «قلب طنجة» منذ أول لقاء به ، وقضينا خلاله ساعات طوالا، نتحدث في العديد من القضايا المرتبطة بالفن والأدب والرحلات وطنجة ومحمد شكري. وبالنسبة لديوان طنجة الصادر عن منشورات سليكي أخوين، صرح لي سعدي يوسف أن «معظم القصائد التي كتبها مرتبطة بتلك الخرجات الليلية. وسعدي يوسف يحسبه الإنسان مشردا يبحث عن مكان مألوف ليلا لكنه في الحقيقة كان دوما بصدد البحث عن مكان ضاع من ذاكرته. وظل خلال زياراته المتكررة لطنجة يتفقد بعض الفضاءات وحده . كان يرفض أن يرافقه أحد لأنه يريد أن يكتشف وحده الفضاءات السرية لمدينة طنجة. فمعظم القصائد التي كتبها في هذا الديوان هي عبارة عن تلك اللقطات الليلية السريعة أو النهارية لمدينة طنجة ، ومعظم القصائد كانت تلك التي يراها من شرفة هذه الحجرة 33 بفندق الريتز بالطابق الثالث… وكان يكره الهدوء و يحب الضوضاء والحركة . ويذكر أن أول مرة جاء فيها إلى طنجة، بعثه إليها الشاعر محمد بنيس، وأعطاه إقامة كانت لديه في منطقة راقية وجميلة بكاب سبارطيل، فاخرة وبمواصفات سياحية رفيعة الطراز، وعصرية توجد على مشارف مغارة هرقل، ومطلة على المحيط الأطلسي لكنها بعيدة عن وسط طنجة بحوالي 10 كلمترات.
وقال لي أنا في هذا الإقامة أشعر بالملل، ولا أحب أن أبقى وحدي والبحر أمامي .. «أنا أريد أن آتي إلى وسط المدينة ..أشعر بالملل، وأشعر بالوحدة.» واختار الإقامة في «فندق الريتز» البسيط بالحجرة 33 ووجد فيه راحته لأن موقعه يوجد بجوار إذاعة طنجة وقريبا من الشقة التي كان يقطنها محمد شكري على أقل من 100 متر بالطابق الخامس.
كانت أول مرة جاء فيها إلى المغرب بمناسبة مشاركته في دورة من دورات المهرجان الشعري العالمي الذي نظمه بيت الشعر بالدارالبيضاء (في عهد حكومة التناوب التوافقي التي قادها حينئذ رئيس الوزراء الأسبق الراحل عبدالرحمان اليوسفي) وجاء عندي سعدي يوسف في وقت متأخر من الليل، وطلب أن أرافقه إلى طنجة ليلتقي بشكري . وكنت فعلا سأقوم معه بهذه المغامرة الجنونية. لولا تدخل محمد بنيس وتعقله وقال لنا إن الوقت غير مناسب للسفر ليلا فأجلنا السفر.
بعدها سيعشق سعدي يوسف مدينة طنجة، بشكل رائع جدا ، كان سعدي يوسف يبدو في كامل ابتهاجه عندما يحل بها وكان خبيرا في البحث عن خفاياها وأسرارها.
وسعدي يوسف كان يلبس لباسا خفيفا وحذاء من الخيش. ولم يكن يعطي فرصة لأي شخص ليجلس معه.
وبغرفته 33 بفندق ريتز وفضاء فندق الريتز هذا يشتمل على ثلاثة فضاءات منها فضاء مانديلا والخبز الحافي Le Pain nu وكان سعدي يوسف عند إقامته بفندق الريتز الشهير، حيث أقام شكري في أيامه الأخيرة، يفتح شرفته ويشرع في الكتابة مستوحيا من هذا الضجيج عوالم في منتهى الغرابة والدهشة.
سعدي يوسف:حياة صريحة شعرا وموقفا
اسماعيل علالي
شاعر وباحث من المغرب
عاش حياة صريحة ، شعريا و ووجوديا و فكريا، بدرجة جعلته شاعرا صداميا، تصدم كتاباته و مواقفه و آراءه الصريحة كثيرا من المتلقين
استهلال:
و هل بين من يعطيك علما بلفظه
و من بكتابه يفيدك من فرق
بِذا الاعتبار إنْ تقل لمؤلِّفِ
نُفِعْتَ به: شيخِي فقد فُهْتَ بالحَقِّ
(الجشتمي السوسي)
نستشف من خلال هذين البيتين أن التلمذة إما أن تكون مباشرة أو غير مباشرة عن طريق كتاب مؤلف بعيد، من هنا، عندما التمس مني أخي الأديب عبد الحق بن رحمون أن أدلي بشهادة حول المرحوم الشاعر الكبير سعدي يوسف، وجدتني أستعيد ذكرى تعرفي النصي على شعر هذا الشاعر المتفرد الذي ترك في جسد القصيدة العربية الحداثية، بصمته الخاصة بغض النظر عن تباين آراء النقاد،– وبخاصة مجايليه– حول تجربته.
و إن كنت لا أستحضر بالضبط سنة تعرفي النصي على سعدي يوسف، فإني أستحضر تلك الدهشة التي تولدت لدي يوم قراءة ديوانه المعنون بــ» الشيوعي الأخير فقط»، هذا الديوان/ العنوان الذي يفرض سلطته الشاعرية و سطوته الأيديولوجية على كل طالب يساري الهوى روحا وفكرا و ممارسة، قبل أن يخيب أفق انتظاره إن دخل عوالمه بأحكام أيديولوجية مسبقة بعيدة عن روح النقد .
شاعر المحن:
و الناظر في تجربة الشيوعي الأخير يجد أنه شاعر المحن و الزوابع و التعرية بامتياز، فالسعادة رغم اشتراكها مع اسمه في الجذر قد تخطته، و خانته، و غربته حتى اشتهر بكثرة الدوران و التحليق في البلدان التي انتسب إليها طوعا وقسرا، إلى أن وافته المنية . و يكفي الشاعر سعدي يوسف فخرا، أنه تحرر عن وعي، من أدبيات الكتابة الجديدة التي أرسى قواعدها شعراء العراق أمثال، السياب و نازك الملائكة، حين اختط لنفسه مسارا مخصوصا في الكتابة الشعرية، كتابة يزدوج فيها الأسلوب الدرامي، بالتصوير المشهدي المقيد، مع هيمنة معجم لغة التداول اليومي، و بنية إيقاعية خاصة، و هي خصائص تتماهى مع شخصية الشاعر الذي اختار أن يعيش حياة صريحة ، شعريا و ووجوديا و فكريا، بدرجة جعلته شاعرا صداميا، تصدم كتاباته و مواقفه و آراءه الصريحة كثيرا من المتلقين و الدارسين الذين لم يتبينوا كيمياءالجنون التي تحكم شخصية هذا الشاعر الزئبقي في مواقفه و قصائده و آرائه، وخير مثال على سوء الفهم لهذه الشخصية المركبة و المتعددة، سحب الجوائز التي نالها من قبل بعض الهيئات المانحة، جراء قراءة سلبية لتصريحاته الصريحة. و الحياة الصريحة التي عاشها سعدي يوسف توزعت نصيا و بين عالمين:» عالم المجانين» و «عالم العباقرة»، حيث كان له نصيب كاف من الشغف و الجرأة و المهارة و الجنون و الحكمة، و هلم خصائص صنعت منه الشاعر المُحيِّر الذي كانه قيد حياته.
فسلام عليه يوم ولد يوم ركب محطة الشعر.
السندباد يبحث عن وردته المستحيلة
المعتمد الخراز
شاعر من المغرب
سبعون سنة من الشعر الدافق عاشها سعدي يوسف، متنقلا بين مرافئ الشعر ومدنه، شاعرا فنانا «لا يعتريه عيّ ولا حصر» (الأعمال الشعرية، 1/641). في قصائده «المخالفة والمختلفة» (الأعمال الشعرية 1/9)، كان مثل السندباد يبحث عن وردته المستحيلة أو قصيدته المغايرة، التي لم تكن لوحة لغوية آسرة وجميلة فحسب، بل سيرة شاعر، ولوحه المحفوظ الذي ضمنه أسطورته الشخصية، المترعة بالجمر والخمر. سبعون سنة وسعدي يوسف يكتب قصيدته المائية الشفيفة بحبره السحري، محاورا أصدقاءه الشعراء. شعراء كونيون نادمهم على مائدة الشعر سرّ الشعر. في قصائده تارة، وفي قصائدهم تارة أخرى. ولأن «الشعر بستان الله» كما قال في أحد حواراته، فإنه قطف فاكهته المشتهاة أنى حلت واستحالت، ليعصرها قصائد معتقة بالجمال والحب. سبعون سنة من خفق الشعر وسعدي يوسف يرعى شجرته الشعرية بماء الحداثة؛ يحرث، يبذر، يسقي، يشذب، يقطف، يمحو، ويكتب قصيدته «كي لا يموت وحيدا». فسلاما يا سعدي.
سعدي يوسف
ادريس علوش
شاعر من المغرب
-1-
أَخَالُ–أَنَّهُ– سَهْواً
كَمَا فِي وَقْعِ نِسْبِيةِ الأَشْياءِ
نَسِيَ قِرْطَهُ الذَّهبيِّ المُشْتَهَى
في دُولاَبِ فُنْدُقِ»رِيتْزْ»
– في غُرفَتهِ الأَثيرةِ رَقْم20 –
وَلَمْ يَأْبَهْ لِخَشَبِ الْمِصْعَدِ الْقَديمِ
وَ لِإحْدَى وَ عِشْرِينَ دَرَجَةً
مِنْ رُخَامِ رُومَا
اَلْمَابَيْنَ حَرْبَيْنِ
وَمَضَى مَزْهُوًّا–هَكَذَا–
لِيَسْتَكْشِفَ سِرَّ الْمُتَوَسِّطِ
وَأَبْيَضَ عُبَابِ الْمِلْحِ
وَبَحْرِ الْبَرْزَخِ الْآسِرِ
لِلضِّفَةِ الْأُخْرَى
وَلِغَرْقَى بِلَا صَدْرِيَّاتِ نَجَاةٍ
وَمَوْتَى بِلاَ شَوَاهِدَ
وَأَحْلاَمَ سَواعِدَ كَثِيفَةٍ
تَشَظَّتْ بَيْنَ مَوْجٍ
وَأَكْثَرَ مِنْ مِجْدَافٍ
وأَخْفَتْ سِعَةَ دَمْعَةٍ
سَكَنَتْ فِي مَقابِرِ مِنْ مَاءٍ
وَاحْتَفَتْ بِ»كُورَالِ»
مَعْزُوفَةِ الْحَزَانَى
وَالْغُرَباءِ..
-2-
«مَقْهَى الْحَافَةِ»
كَانَتْ دَلَيلَهُ نَحْوَ
قُرْصِ شَمْسٍ مُدْمَجٍ فِي حُلُمٍ
وَ حُمْرَةِ شَفَقِ عَلَى أُفُولٍ
كَأْسُ شَايٍّ
وَ أَرْبَعُ نَحْلاَتٍ
وَ سَبْعةَ عَشَرَ صُورَةٍ لِلذِّكْرَى
وَ أُفُقٍ أَزْرَقَ فَيْروزيِّ الْمَدَى
وَ حَوَاشِي طَيْفِ أَنْدَلُسٍ كَانَتْ
هِيَ مَا تَبَقَّى مِنْ رَمَادِ مَرَاكِبِ
«طَارِقِ بْنِ زِيَّادَ»
وَشُرُفَاتِ «طَرِيفَةَ»
التِّي اسْتَضَاءَتْ لَآلِئَ
سَاعَةَ الْمَغِيبِ
«وَفِي الْأَقاصِي
أُغْنِيَةٌ فَرِحَةٌ لِفَجْرٍ خَالِصٍ» (*)
-3-
«تَغَيَّرَ الْعَالَمُ
بِمَا لاَ يَكْفِي»
مَا هَمَّ رَفِيقِي
والْتَبَسَ عَلَى قَيْدِ الْأَحْيَاءِ
ورُفَاتِ الْمَوْتَى
وَأَوْتَادِ أنْصَافِ الرُّحَّلِ
وَسُعَاةِ الْجَرِيدِ
وَلَمْ تَتَغيَّرْ سُحْنَةَ قَصِيدَتِهِ
وَفِيَّةً ظلَّتْ لِأَحْصِنَةِ دَقَّاتِ الْقَلْبِ
وَأَشْرِعَةِ يَسَارٍ مُمَانِعٍ
لِشَرَكِ تَصَدُّعِ «عّوْلَمَةٍ»
مُولَعَةٍ بِأَشْبَاحِ الرَّأْسُمَالِ
واسْتِهَامَاتِ فَائِضٍ
لَمْ تَسْتوعِبْهاَ قَسَمَاتُ الْأَرْضِ
وَظَلَّتْ مُعَلَّقَةً فِي حَوَاسِبِ الْهَوَاءِ
لَمْ يُطِلِ البَقاءَ
لَسْعَةُ بَرْدٍ اسْتَفْرَدَتْ بِالْمَكَانِ
ذَكَّرَتْهُ بِانْزِيَاحِ تَمَاسٍ
مَعَ شُعَرَاءٍ مِنْ شَمَالِ إِفْرِيقْيَا
مُولَعِينَ بِأَسْرَارِ
فَكِّ أَزْرَارِ لَمَعَانِ الْكَأْسِ
وَدَوَالِي مُشْرَئِبَةٍ
تَهِيمُ فِي قَمِيصِ حَفِيفِ الْمَعْنَى .
مقطع من قصيدة للشاعر الاسباني انطونيو ماشادو العرائش– طنجة
آخر حوار مع سعدي يوسف قبل رحيله:
الشعر بستان الله لا يطرد منه أحد وقلبي يتسع لكل الشعراء
اعتماد سلام
صحافية من المغرب
كان قلقا إزاء مكانة الشعر اليوم أيضا بسبب ما وصفه بالرقابة العمياء التي قضت على الشعر العربي الذي لم يعد بإمكانه أن يعبر عن شيء بسبب كون الممنوع بات أكثر من المسموح به
كان موعدي معه في الواحدة بتوقيت المغرب، الثانية عشرة بتوقيت لندن. أجابتني زوجته الدكتورة إقبال بدفء وحفاوة، وقالت : «إنه جاهز للقاء» ، وكذلك كان، رغم تعبه بعد مرور بعض الوقت، وحديثه بشكل متواصل.
كان صوته واضحا، فرحا، ودافئا. لاشيء فيه يشي بأنه سيخفت إلى الأبد ، بعد بضعة أسابيع، يشعرك أنه يعرفك منذ زمن طويل وتشعر أنك تعرفه منذ زمن أطول.
مر حديثنا عبر أزمنة متعددة، وجغرافيات مختلفة، أولها كانت طنجة التي قال عنها إنه يعرفها أكثر من بغداد، كتب عن طنجة كما كتب عن مدن المغرب المختلفة، واستحضر خلال حوارنا رغبته القديمة الجديدة في أن يصدر اتحاد كتاب المغرب ديوانا يضم جميع قصائده عن المغرب، وهو المشروع الذي قال بابتسامة ساخرة : «إنه ضاع كما ضعنا..» ، لكن المؤكد هو أن المغرب شكل جزءا من هوية قصيدته، وصارت جغرافيته رافدا حقيقيا لنصوصه الشعرية مع مرور السَّنوات. لفتني تعبير جاء على لسانه أكثر من مرة وهو يتحدث عن الشعر، عن عزائه وخبزه اليومي، قال «إن الشعر بستان الله لا يطرد منه أحد ولهذا يتسع قلبي لكل الشعراء» وهذا تعبير لا يقوله سوى شاعر كبير مثل أبو حيدر. في اللقاء الوداعي دون أن نعلم بذلك، عدنا إلى مولده في حمدان التي غادرها وهو في الرابعة وانتقاله إلى البصرة ثم أبي الخصيب وإلى بداية اهتمامه بالشعر في وقت مبكر، حكى لي عن كيف تعلم بشكل ذاتي العروض عبر المعلقات وتقطيعاتها على خطى أبو نواس ابن مدينته الذي فتن بشعره منذ صغره، كان سعدي يوسف حفّاظ شعر، يحفظ آلاف الأبيات ومئات القصائد عن ظهر قلب لأن الشاعر برأيه من مسؤوليته أن يحافظ على اللغة وينقلها من جيل لجيل.
المكتبات العربية في العواصم العالمية:
عندما تحدثنا عن مكتبته أخبرني أن ثلاثة أرباع محتوياتها بالانجليزية لأنه يقرأ بهذه اللغة أكثر من العربية وتأسف لعدم وجود مكتبة عربية في لندن حيث يقيم. وعاب على الدول العربية عدم حرصها على تمويل إقامة مكتبات عربية في عواصم عالمية بقدر حرصها على تمويل مشاريع تجارية.
الرواية تحتاج الى رافعة واستقرار اجتماعي:
منذ أول دواوينه «القرصان» ظل الشيوعي الأخير الشاعر الأغزر إنتاجا، وهو قارئ نهم أيضا، يقرأ الرواية إلى جانب الشعر. في البرنامج تحدث مطولا عن الرواية العربية واعتبر أنه بعد نجيب محفوظ لم تعد الرواية فنا قائما عند العرب لأن الرواية برأيه تحتاج الى رافعة اجتماعية واستقرار اجتماعي وهذا ليس متوفرا الآن في معظم الدول، ولهذا يرى أن الرواية العربية ليست في تقدم. كان قلقا إزاء مكانة الشعر اليوم أيضا بسبب ما وصفه بالرقابة العمياء التي قضت على الشعر العربي الذي لم يعد بإمكانه أن يعبر عن شيء بسبب كون الممنوع بات أكثر من المسموح به، مستثنيا شعره من هذه الحالة لكونه يعيش في قارة أخرى وهو ما مكنه من الكتابة كما يريد، مؤكدا أنه لا يلوم الشعراء إن صمتوا في بلداننا!. انضمت إلينا خلال اللقاء عقيلته الدكتورة إقبال الباحثة والمهتمة بالمسرح، والتي تقاسمه الشغف بالكتب، وصفت لنا طقوسه أثناء كتابة الشعر، وقالت إنه «عندما يقف عند نافذة تطلق عليها «شباك التجلي» توجد أعلى الدرج الموجود في البيت، يولي ظهره للحائط وينود ولا يرد تحيتها الصباحية.. فإنها تدرك أن ذاك مخاض قصيدة»، وأضافت أن سعدي «لا يكتب القصيدة على الورق، بل يكتبها في ذهنه كاملة، بعدها يدونها على الحاسوب.» سألته عن الاحتفاء بالمكان، ولماذا اختار أن يكون شعره للعامة فقال: «إن ذلك من أسرار القصيدة»، مضيفا بتواضع كبير أنه «تعلم ذلك من طفل صغير، وأن تلك هي وصفته لكي لا يقع النص في الفراغ أو في اللاشيء.»
قلادة تتوسطها خارطة العراق:
ولأني عندما التقيته في دورات سابقة من معرض الدار البيضاء للكتاب، انتبهت إلى قلادة تتوسطها خارطة العراق تطوق عنقه، فإني لم أفوت الفرصة دون أسأله عنها فكان جوابه صريحا ومؤلما في الوقت نفسه « إنها كمن يحمل قطعة من النقد الأندلسي، يحملها لأن العراق لم يعد قائما كما لم تعد الأندلس قائمة» قول صعب دون شك وقد صدر عنه بصوت من عاش سنوات من الانكسار واليتم.
رسالة ووصية قبل الرحيل:
في ختام لقائنا، اختار أن يهدي «ديوان طنجة» للقراء، لأنه عن المدينة التي أحبها ويحبها، ولأنه يدعو عبره الشعراء المغاربة أن يكتبوا عن المدن والأمكنة المغربية وأن يستمعوا لمختلف الأصوات، لأن الحياة توجد في الملموس لا في المجرد. تلك كانت رسالته ووصيته الأخيرة لشعراء المغرب قبل أسابيع من رحيله رغم أنه تمنى في نهاية البرنامج أن يعود قريبا للمغرب ولطنجة وأن يتجول في شارع موسى ابن نصير.. سلاما أيها الولد الطليق، حقائبك الروائح والرحيق!
آخر حوار تم بثه ببرنامج تعده وتقدمه الصحفية المغربية اعتماد سلام بإذاعة ميدي1 بطنجة.
قامة في ظل الرواد مارس كل أشكال الكتابة
الزبير خياط
شاعر وناقد من المغرب
فارس آخر يترجل عن صهوة الشعر
رحم الله الشاعر سعدي يوسف ، أحد شعراء الحداثة الشعرية العربية.
سعدي يوسف المُجايل حياتيا بالتقريب لرواد الحداثة الشعرية العربية (أغلبهم ولد في العشرينيات والثلاثينيات) كالسياب ونزار وأدونيس والبياتي وعبد الصبور وأحمد حجازي يعد من أكثر الشعراء إنتاجا ، وانفتاحا على الشعر الغربي من خلال ترجماته . وأحد شعراء العراق الذين شاكسوا السلطة في بلده. شاعر مارس كل أشكال الكتابة الشعرية العمودية والتفعيلية وقصيدة النثر . لكنه تمسك بالنص التفعيلي والنثري باعتبارهما شكلين شعريين حديثين.
قامة شعرية معاصرة:
سعدي يوسف قامة شعرية معاصرة لكنها كانت دائما خلف الرواد . فالشاعر لم يجترح النص التفعيلي كالسياب، ولم يخلص لقصيدة النثر كالماغوط وأنسي الحاج وسركون بولص، ولم يُعتبر عرّاب الحداثة الأول كأدونيس، ولم يكن رائد إنزال قاموس الشعر من بذخه كما فعل نزار قباني أو صلاح عبد الصبور في «الناس في بلادي»، ولا كان المشاكس الأول لسلطة بلده بل تجاوزه في ذلك البياتي والجواهري، حتى في سِبابه زاحمه مظفر النواب .
سعدي يوسف بدأ في إصدار أعماله الشعرية كأغلب رواد الحداثة منذ بداية الخمسينيات لكنه لم يسلك طريقا جديدة وإن كان له أسلوبه الخاص كغيره من الشعراء الحقيقيين.
فحين نقرأ مقطعين من هذا النص المُهدى إلى سركون بولص نجد فيهما خصائص قصيدة النثر كما كتبها شعراؤها، وخصائص القصيدة التفعيلية كما كتبها شعراؤها. المقطع الأول نثري ويقول فيه :
اَلبحيرة التي تلتمع في البعيد/ البحيرة التي تلتمع في المساء المبكّر/ البحيرة التي تلتمع بين أشجار الشتاء المُعَرّاة/ البحيرة التي ماؤها رصاص/ البحيرة التي لا سبيل لنا إليها/ هذه البحيرة سنظل نرصدها، غافلين عنا.
والثاني تفعيلي على المتدارك يقول فيه :
يوم كانت أثينا تجيء مع البحر والورقِ،/ استيقظت نخلة في الوريدِ/ المغني ترنّح، والقصب الغض في الهور مالَ/ السماءُ/ لها وردةٌ./ أين نسكن؟ قلنا: سنسكن في الأغنياتِ./ وماذا سنَطعَم ؟/ قلنا: رحيق البراري.
تسعة مقاطع في القصيدة كلها يتناوب فيها الشكلان الشعريان بخلفية ارتباط سركون بولص بقصيدة النثر. مقطعان من شكلين ولغتين وبناءين تركيبيين مختلفين.
الشاعر سعدي يوسف كذلك متمرس عروضي طوّع بشكل قويّ أحد أعتى البحور الشعرية الممزوجة على الشعر التفعيلي وهو البسيط فيقول في قصيدة «طهر» المؤرخة بلندن 16/5/2005
لِكستناء الحصان اشتقت في سفري *** لا نخلة الله شاقتني ولا الأثلُ
ولا ذوائب لبلابٍ/ ولا سمك يلاعب الماءَ../ قالوا : ثمَّ فاختة تأوي إليك مساءً/ قلتُ : منتبَذي مأوى العذارى ذوات الريشِ،/ لا امرأةٌ قد آنستني/ ولا ليلى تُرطِّبُ لي متن الفِراش/ فلا نُعمى / ولا قُبَلُ ..
كأن قطنَ فراشي حين ألمسهُ *** سجادة بالبياض المحض تحتفلُ
باستثناء بيتي البداية النهاية –وقد كتبهما بطريقة السطر– اللذين يشكلان بناء عموديا عروضا وقافية وتركيبا، فالأسطر الأخرى متحررة من ضابط الشطر، وتخلق وقفاتها الخاصة ولغتها الخاصة بطريقة تدل على قدرة فائقة في تطويع عروض البحر الممزوج وترويضه في البناء التفعيلي. أما اللغة فهي متراوحة بين الجزالة والبداوة ( الأثل – فاختة) وبين المجاورات الحداثية (كستناء الحصان–ذوائب لبلاب).
سعدي يوسف رحالة مغترب كتب كثيرا عن المدن في الغرب والشرق ومع ذلك لم يكن رائد هذا النوع إذ لم تبلغ قصائده شهرة وانتشار «قبر من أجل نيويورك» و»المهد» و»شهوة تتقدم في خرائط المادة» لأدونيس. ولا صفاء وصدق وشهرة قصائد ديوان «مدينة بلا قلب» لأحمد حجازي.
سعدي يوسف شاعر جيد له أسلوبه القوي الذي يبلغ حد الفخامة، وله قدرة على إنزال هذه الفخامة من برجها لتعانق اليومي. لقد كان صاحب موهبة وبصمة، ولكنه لم يكن صاحب فتح وريادة، لقد ظل قامة يغطي عليها الرواد .
رحم الله سعدي يوسف الذي استقال من الحياة ومعاركه الكثيرة فيها، ربما كما استقال الشيوعي الأخير في قوله:
سأستقيل اليومَ،/ لاحزبٌ شيوعيٌّ، ولا هم يحزنونَ./ أنا ابن أرصفةٍ/ وأتربةٍ/ ومدرستي الشوارعُ/ والهُتافُ ..
أبو حيدر..الفتى الطليق وسارق النار
محمد بودويك
شاعر من المغرب
تعرفتُ على شعر سعدي يوسف دفعة واحدة، كما يقول محمود درويش وهو يتحدث عن «أنشودة المطر» للشاعر السياب. تعرفت عليه من خلال عمله الكبير: «نهايات الشمال الإفريقي» بتوجيه من أستاذي الشاعر الرائد أحمد المجاطي العام 1974 برحاب كلية الآداب في فاس. ثم من خلال عمله الشعري اللافت: «الأخضر بن يوسف ومشاغله»، فعثرت على ضالة المثال الشعري دفعة واحدة، أنا الذي لم تكن دائرة اهتمامه وقراءته للشعر التفعيلي تتخطى السياب والبياتي، ونازك الملائكة، ونزار قباني، وشعراء المقاومة الفلسطينية: (توفيق زياد، محمود درويش، فدوى طوقان، وسميح القاسم).
الفتنة والجرح:
اخترقني النَّهر ولم أعد بعد القراءة، من كنته قبل القراءة. كانت الفتنة والجرح يصعدان بي إلى نقاط التقاطع الغامضة التي يتحقق فيها الشعر، ثم يتكتم على سره ليبقى مطلبًا، ولتبقى غاية الشعر الخاصة هي الشعر؛ مستلفا تعبير درويش وقد فتنته أنشودة المطر.
فكم رددت نصوصا من مجموعة سعدي: ( بعيدا عن السماء الأولى) بفتنة وممسوسية، مثل: (كلمات شبه خاصة ـ إلى عبد المجيد الراضي:
كم أحسد الليلة من أوقف للبستان
شبابه، منجله، رايته الأولى
كم أحسد الليلة من دس كتابا في راحتي إنسان
أواه.. كم أحسدك الليلة.
ومثل: (جزيرة الصقر)، و(قصيدة وفاء إلى نقرة السلمان). كما دهشت للتجريب في نص: (تقاسيم على العود المنفرد) حيث تراكب النصين، وتراكب الدالين الكبيرين، ومن ثمَّ ثراء الدلالة، وفيض المعنى.
(لقد أسهم شعراء كثيرون قبل سعدي ومعه وبعده، في إنجاز عملية التحول التدريجي والتراكمي التي أدت إلى ما وصل إليه المشروع الشعري العربي الحديث، وإلى انفتاح القصيدة العربية على إمكانيات تطور لا حدود لها، ولكن، لعلنا ما زلنا قادرين على المجاهرة بأن لسعدي يوسف ذي الموهبة الجارفة، والقلق المعرفي، الدور الإبداعي البارز في تحقيق الطفرة والنقلة النوعية).
فتوحات شعرية :
إن انشداد سعدي يوسف إلى التراثات الإنسانية، وفي المقدمة منها، التراث العربي، مكنه من فتوحات شعرية فنية لافتة، ومقترحات جمالية استثنائية، ما جعله يشق مجرى شعريا هادئا ودافقا صبَّ في نهر الشعر العربي العظيم. وما جعله صاحب برنامج جمالي متفرد، وطريقة مخصوصة في الكتابة الشعرية لها اتباع ومريدون، ومشايعون. فهجرة معجمه الشعري، وطريقة نسج وصوغ الصورة، والاقتصاد اللغوي، والحذف، وتوزيع الأسطر الشعرية على بياض الصفحة، وتأثيثها بالصمت والبياض والفراغ. هل للفراغ تأثيث؟، وتأطير مقاطع شعرية ضمن أخرى متحررة؛ كل ذلك وغيره مما لا تخطئه العين الصقر، والبصر الحديد وهو يطالع مدونة الشعر العربي المعاصر. ويمكن إعطاء أسماء في السياق إياه بعد أن ندعم ما قدمناه اللحظة برأي الشاعرة والناقدة الفلسطينية سلمى الخضراء الجيوسي في سعدي يوسف، وهي تعرض للشعر الفلسطيني المعاصر في موسوعتها من جزأين: ( كان أمام الشعراء الجدد عدة تجارب ناضجة رائعة في الشعر العربي ليتعلموا منها، إذ لم يتوقف تأثير الشعراء الرواد من عقد الخمسينات مثل: أدونيس، وبدر شاكر السياب، وخليل حاوي، وعبد الوهاب البياتي، وخاصة صلاح عبد الصبور، ومحمد الماغوط. كما أخذ الآن شعراء من جيل أصغر سنا يتركون بصماتهم بوضوح، ومن أهمهم سعدي يوسف، ومحمود درويش.
عراب شعر الثمانينات:
كان أكبر (عراب) لشعر الثمانينات من بين كل هؤلاء، سعدي يوسف. وهو في الحقيقة شاعر ينتمي بقوة إلى هذا العصر. وما من شك في أن أعماله هي التي أرست أقوى الأسس للتجربة الحداثية في أيامنا هذه؛ فشعره يخلو بشكل رائع من الميوعة العاطفية والعنتريات بما فيه من مزج واضح بين البساطة والحذلقة، وبين الوضوح والغموض، وبين الصور المبتكرة، واللغة البسيطة والغضب المكبوت مع نبرة الشاعر الحداثي الخفيضة).
والحق، إن جل النقاد الموضوعيين الذين تناولوا شعر سعدي وقاربوه، انعقد إجماعهم على طليعيته، وتأثير شعريته بَلْهَ زاوية نظره في المناولة، ومعجمه الخاص، في شعراء السبعينات والثمانينات. بل إن تأثيره ـ في تقديري ومتابعتي المتواضعة ـ سارٍ ومنتشرٌ في أعطاف وأطواء كثير من النصوص التي تقرأ اليوم، أكان ذلك في اليمن والخليج وبلاد الشام ومصر أو في المغرب الكبير. حتى إن شاعرا كبيرا كمحمود درويش لم يسلم من أطياف صوره، ورذاذ لغته، وصبر نحته، ورهافة صوته ونسجه، وذهب صمته. ونصوص: (أحبك أو لا أحبك)، و(محاولة رقم 7)، و(تلك صورتها وهذا انتحار العاشق)، شاهد صدق على ما نقول. قبل أن يتبنك محمود مقعدا معتبرا، ويطلق صوته الأبهى إلى جانب سعدي يوسف، وأدونيس، وعفيفي مطر، وحسب الشيخ جعفر ( الناسك العراقي الكبير).
في عالم سعدي يوسف الشعري، يجيء البياض درءاً للثرثرة، والترهل الشعري أولا، وإفصاحا بلاغيا عميقا عن المسكوت عنه، وشرقا بالغصة والألم اللذين يعانيهما الشاعر، ومن ثَمَّ احتجاجا كاويا على إخفاق عربي لا يَني يَتْرى، وعراق ينوشه الأفاقون والأدعياء، والمستكلبون.
إن البياض المرصع بالنقط يستحيل بهذا المعنى « بنى صامتة تخفي وراءها جملة من البنى الناطقة، وتكشف في الأثناء الأفكار الحبيسة والرغبات الممنوعة بفعل ضغوط الواقع. وهي بهذا، تمنح القارئ حرية أكبر في التأويل، وتجعله يبحث ويشارك في فعل الكتابة بملء الفراغات المتناثرة على جسد النص، ومساءلة المعاني الحافة، والنصوص الأدلة أكثر من أن تحصى» (جاك أنيس) .
آمال محبطة، وانتظار لغد عراقي جميل :
لهذه الأسباب جميعها، وأخرى غيرها، تألقت قصيدة سعدي، واشرأبت، وطاولت نخيل حمدان بأبي الخصيب قرية الشاعر وسمائه الأولى. ثم رَقَّتْ وشَفَّت، وترقرقت، فقدمت إلينا شعرا مدثرا بالصمت، صمت فادح البياض ـ لكن فادح الفضح والترجمة: ترجمة أشواق مخنوقة، وآمال محبطة، وانتظار لغد عراقي جميل، وبالتلازم، عربي محفوف بالطيبين من أبنائه، مخفور بعصافير، وغابات نخيله، وفُراتَيْه، وشواخص حضاراته، وشلالاته. لكن سعدي الذي وثق ويوثق شعريا، أحداثا جساما، ومرارات وانتكاسات، واضطهادا ومطاردة تعرض لها، ومنفى فرض عليه، منحنا ويمنحنا منذ ( 51 قصيدة)، و( النجم والرماد)، و( قصائد مرئية)، و(بعيدا عن السماء الأولى ).. الخ، رسما لعراق تحتضنه أحداق العين والقلب. عراق فاتن لطفل مفتون، ولا يزال، بالتوت والماء المزْرَقِّ والمخْضَرِ، والطحالب، واللون القرمزي، والسعف، والعتمة، والفجر، والغياب، والأزهار، والأعشاب، وقطار الموت أيضا، والعوسج والكواسج والرياح.
تأثير سعدي يوسف على كتاب قصيدة النثر:
ومما طوره سعدي ضمن مشروع قصيدة الرواد، هو تعزيز القيم النثرية في النص الشعري من خلال تعدد الأصوات، وتنويع الحوار، واستعمال السؤال والاستفهام والضمائر، والتدفق والانسيابية. فلا عجبَ أن يمتد تأثير ذلك إلى كتاب قصيدة النثر حيث تستجيب نصوص سعدي إلى شهيتهم وأفق انتظارهم، وتقدم نفسها إليهم ببساطتها الآسرة الممتنعة كأنها خلوٌ من الإيقاع والوزن، الإيقاع هنا هو التفعيلة. لنقرأْ، مثلا، « لمسات يومية» في مجموعته: (مريم تأتي)، و(يوميات الجنوب، يوميات الجنون)، و (الوحيد يستيقظ)، و(جنة المنسيات)، حتى تفجؤنا نصوص عارية من مساحيق البلاغة، والتقعر اللغوي، والرنين الطنان، ومتخففة من معجم متفاصح مهترئ.
أدخل الشاعر الهائل إلى رحاب القصيدة، المحكي والأغنية الشعبية، ولغة الصحافة، والقصاصات، والحوار اليومي، والمُلَح. كل ذلك مَهَّد بقوة للاتجاه نحو قصيدة النثر في صيغتها الأكثر بهاء وعنفوانا..
لقد تحقق ما تحقق لسعدي يوسف، بالمثابرة والتنسك في معبد الشعر، وإعلان الولاء لهذا الجنس الإبداعي الذي مداره على الجمال والحق والخير والحب والحرية. فراح يجرب مسلحا بوعي شعري وجمالي، ومعتقد فكري، وخلفية معرفية ثرة، أشكالا تعبيرية مختلفة مفيدا من الرسم والموسيقا، والتشكيل والهندسة، والمعمار والمسرح والسينما، ومن تراث الشعراء الكونيين.
رأى بدر شاكر السياب، وهو الانتقائي، أن الشعر في الحياة مستبعدٌ، فاختار الحياة في الشعر. وكذلك فعل سعدي .. أبو حيدر. الفتى الطليق، وسارق النار.
سعدي يوسف:
رحلتي مع شعره بعد الوداع
سيرة أحلام الإنسان العربي وجراحاته
جمال أزراغيد
شاعر من المغرب
بحكم انتمائي إلى الكتابة الشعرية، تمنيت لقاء الشاعر سعدي يوسف أحد أعمدة الحداثة الشعرية العربية، وإحدى الشخصيات المثيرة للجدل في الثقافة والسياسة، ولاسيما في العقدين الأخيرين، كلما علمت بحضوره ومشاركته في إحدى التظاهرات الشعرية بالمغرب ، لكن للأسف لم يسعفني الحظ في تحقيق هذه الأمنية نظرا لانشغالاتي الحياتية والعملية وبُعدي عن المدن الحاضنة لهذه التظاهرات. الطريق إلى الحداثة : غير أني قد التقيته شعرا من خلال تعرفي وقراءتي لبعض نصوصه الشعرية، يوم كنت أخطو خطواتي الأولى في ساحة الشعر باحثا عن الطريق المؤدية إلى مصاف قصيدة الحداثة.. ويوم كانت قراءاتي الشعرية لا تتجاوز دائرة القصيدة العمودية باتجاهاتها وقصيدة التفعيلة عند بعض أعلامها الرواد من بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي ونزار قباني وغيرهم. إلا أنه سرعان ما حاولت تخطي هذه العتبة إلى أصوات شعرية أخرى، في جغرافيات متنوعة؛ منها صوت الشاعر المتميز سعدي يوسف صاحب التجربة الشعرية الثرية بالمقترحات الجمالية والفنية اللافتة التي تجمعت لها من خلال مجموعة من الآليات والأدوات بما فيها الاطلاع على التراث العربي وغيرها من التراثات الإنسانية، والانفتاح على حقول معرفية وفنية متنوعة كالتشكيل والموسيقى والسينما والمسرح والمعمار والهندسة وغيرها، والانخراط في التجريب بوعي شعري وجمالي، وترجمة سيرة أحلام الإنسان العربي وجراحاته. ولذا حفلت حياته على امتدادها بغزارة الإنتاج الشعري الذي يربو على أربعين مجموعة شعرية؛ أولها ديوان «القرصان» الصادر عام 1952، وبإصدارات أخرى توزعت مابين القصة والرواية والمسرح والترجمة فضلا عن اليوميات والنصوص السياسية والأدبية. وقد اتسمت ممارساته الإبداعية والفكرية بالبعد الإنساني الذي ترتب عنه انمحاء المسافة بين الذات والآخر، وبين بلدان العالم التي ظل راحلا ومسافرا فيها قبل أن يستقربه المطاف ببريطانيا ، فأينما رحل وحلّ وطّن نفسه وأبدع قصائد ينتهج فيها مسلكا جماليا مغايرا لما هو سائد ومطروق. أسير مع الجميع، وخطوتي وحدي: وما أثار انتباهي كغيري من الشعراء، هو تحوله إلى قصيدة النثر التي استقصى فيها التفاصيل اليومية الصغيرة، ومشاغلها الاعتيادية، معيدا ترتيبها وتشكيلها وفق معرفته التشكيلية ورؤيته الخاصة، ولقد كان لهذه الموجة الشعرية، التي رسخها الشاعر في المشهد الشعري العربي، أثرا في العديد من الشعراء في عدد من البلدان العربية. سعدي يوسف شاعر رسم لنفسه خطوات متفردة ضمن كوكبة الشعراء العرب في الزمن الأخير، وهذا ما بصم عليه بقوله: « أسير مع الجميع، وخطوتي وحدي»…. بموته ماتت أمنيتي أن ألتقي به على أرض الواقع وحييت أحلامي أن أواصل قراءة أشعاره الحداثية حيث تستوطن روحه الصاخبة.
مواعيد في شوارع المطر ولقاء الغجري العائد
عبد الجواد الخنيفي
في تقاطعات مفصليّة عبرت بنا صوب الأقاصي وفتحت حواسّنا على المدهش والمختلف .. وعلى التّفاصيل اليوميّة ، شكّل لنا الشاعر العربي الكبير سعدي يوسف تلك المسافة التي تقترب في كلّ مرّة من ولادة جديدة ومن آفاق ممتدّة ومن سيولة تعبيرية تستولد ذاتها وتتجاوز الممكن، لتنفتح على المشروع الإنساني الرّحب وعلى بورتريهات الحياة ..
الشاعر سعدي يوسف كان وسيبقى قوّة روحيّة في نسيج النصّ الشّعري العربي .. في تيّاراته وآثاره .. في كثافته وتأثيره .. حيث ظلّ لعقود وبرغبة أكيدة، ساطعاً، خصباً ،مديداً، مُشرقاً.. آتياً من الينابيع الواسعة وفي قلبه ضفاف كثيرة ..
سعدي يوسف يبدأ ولا ينتهي، هو الشِّراع والربّان والبوصلة والطّريق معاً.. وهو الأخضر بن يوسف المسكون بالأسئلة وبالتطلّعات الجمالية وبالقصيدة التي تقول مستقبلها الخالد في بستان الإبداع ..
في تجلّيات عديدة وتجاذبات مُتعدّدة، كان الشّاعر سعدي يجعل عقارب السّاعة تتحرّك بين يديه وتقبض على المعنى .. يسير بالذّاكرة في شوارع المطر .. يحلم بالزّرقة والأغنيات .. بالضّوء الوافر في الجهات.. وبشجر يتغنّى بالرّبيع . هو الشّاعر الذي انتظرناه طويلا، وسنبقى دائماً نتطلّع إلى وجهه العائد بالأسرار..
مواعيد مع سعدي يوسف
1 – شاعر في منفى
خُطاهُ في الصّهيلِ
وفي المقهى
يشربُ
صقيع الصُّورِ
وتبغَ العواصم
ويحنُّ إلى امرأةٍ
تقطع خلوة الأرضِ
في اللّيلِ الطّويلِ
2 – مباغتة
كلّما مددْتُ يدي لأراكَ
يُفاجئني الغيابُ
من شقوقِ الهواءِ
كلّما مرّتْ معاطفُ اللّيلِ
يُباغتني اليمُّ
بجثثِ الأصدقاء .
« مواعيد مع سعدي يوسف « من ديوان « الخيط الأخير « للشاعر عبدالجواد الخنيفي، صدر سنة 2007، عن منشورات وزارة الثقافة المغربية .
سعدي يوسف ..أحد شعراء العربية
الذين حققوا إنجازات جمالية ورؤيوية
مراد القادري
شاعر رئيس بيت الشعر بالمغرب
يُعتبر رحيلُ الشاعر سعدي يوسف خسارةً كبيرةً ليس لشعرنا العربي فحسب، بل للشعر الإنساني عامّة. ذلك أن سعدي يوسف هو أحدُ شعراء العربية الكبار، الذين أغنوْا الشعر العربي و المتخيل الإنساني، وحققوا له إنجازاتٍ جماليةً ورؤيوية غيرَ مسبوقة.
و بذلك، فإنّ تأثيره العميق سيظلّ متواصلا على مدى الأجيال القادمة، مُنبّــها إلى ضرورة انشغال الشعر بالحياة اليومية للإنسان و بتفاصيله المعيشية، التي نجح سعدي في الإنصات إليها و الانتباه لدورها في إحداث الإبداعية و المفارقة واستثارة الدهشة و الحلم. كما أن ترجماته التي قام بها، خاصة في مجال نقل الشعر العالمي إلى العربية، كانت نابعة من ذوق ورؤية نفّاذة، تدرك حاجة الإنسان العربي إلى نافذةِ الترجمة ليطلّ منها على الآخر و على منجزه الجمالي.
في هذا الصدد، نستحضر قراءاتنا لغارسيا لوركا، و ريتسوس و كفافيس، التي تمّت من خلال سعدي يوسف، و من خلال ذائقته الشعرية و الثقافية.
لقد فقدنا، في بيت الشعر في المغرب، صديقا كبيرا. و فقد المغرب الثقافي والشعري رفيقا ارتبط به و معه بوشائج المحبة و الأخوة. و لا أدلَّ على ذلك من كتاباته الشعرية و النثرية التي خصّ بها المغرب ، من مثل مجموعته القصصية» نافذة في المنزل المغربي» و» ديوان طنجة «، بل و رغبته المحمومة في أن يتخذ من المغرب مستقرا أخيرا له. و هو الحلم الذي لم يتحقق، للأسف. على أننا، في بيت الشعر في المغرب، أسكناه في قلوبنا، وتحت ظل شجرة الأركانة، التي فاز بجائزتها العالمية سنة 2009، وذلك تقديرا «لمنجز شعري مديد ثريّ يغطي حوالي ستة عقود ويؤشّر على كدّ تصوّري عصامي وملحاح وعلى مثابرة كتابية جديرة بالإشادة كانت لهما اثار ملموسة ومحفّزة سيّان في الوعي الشعري العربي المعاصر أوفي الذائقة القرائية بالعالم العربي» كما أشارت إلى ذلك لجنة التحكيم التي ترأسها الناقد صبحي حديدي.
رحم الله الأخضر بن يوسف؛
رحم الله الشيوعي الأخير؛
رحم الله سعدي يوسف…























