الديمقراطية بعد عام 2003 (3-3)

الديمقراطية بعد عام 2003          (3-3)

إذا تم التصويت على الدستور بنعم   فأنه سيكون أساساً لبناء السلام والاستقرار وأنموذجاً لدساتير منطقة الشرق الأوسط بعد أن صان حقوق المرأة التي أعطيت 25 بالمائة من مجموع المقاعد في البرلمان الجديد.

وتشير صحيفة تودي   نيوز الأمريكية إلى أن العراقيين أظهروا أنهم قادرون أن يواجهوا التحديات التاريخية. كما أضافت صحيفة الانديبندنت البريطانية أن السنة كانوا يسيطرون على الحكم بقيادة صدام حسين وكانوا يتمتعون بخيرات العراق واليوم هم يشعرون بالمرارة والحقد الدفين والألم لإحساسهم بأنهم أصبحوا محكومين بالدستور الذي لا يحظون فيه إلا بالقليل مما كانوا يجنونه.

ولكن في الحقيقة أن ما يسعون إليه من وضع العراقيل والعقبات سوف لن يؤدي إلى إعادتهم إلى أيام المجد التي كانوا ينعمون بها في الماضي.

ان الواقع الذي لا يمكن إنكاره أو تغييره هو هذا الثقل السكاني العراقي لأهل الشيعة الذين يمثلون أكثرية السكان بينما لا يمثل أهل السنة إلا أقل من ربع السكان.

ومما لا شك فيه، يطمح الشعب العراقي اليوم أن يرى ضمن إطار الديمقراطية الاتحادية الجديدة القائمة على سيادة القانون والقضاء المستقل والمراقبة الفعلية لعمل الحكومة بواسطة الانتخابات والآلية السليمة لإسقاط الحكومة، عندما يتمنى ذلك المقترعون، بعيداً عن احتكار السلطة من قبل الأقلية، كما كان الحال قبل الاحتلال، بعد أن أصبح كل ذلك مضموناً في الدستور الجديد كمعيار أساسي وقانوني لديمقراطية سليمة ونضج ديمقراطي.

ان ديمقراطية الانتخاب من خلال الصناديق والمنظمة بشكل سريع وكذلك حرية السوق ليستا كافيين وحدهما للارتقاء بمستوى الشعب، لأنه عندما تسيطر مجموعة محدودة على القرارات الاقتصادية والسياسية  ينقطع الرابط بين الديمقراطية والعدالة كما يستحيل الكلام عن أي ديمقراطية دون احترام حقوق الإنسان.

وذهب عادل عبد المهدي نائب رئيس الجمهورية بعيدا عن هذا الجوهر في إحدى كلماته التي ألقاها في واشنطن خلال زيارته إلى الولايات المتحدة الأمريكية عندما قال (اننا نسعى إلى تمازج الأفكار الإسلامية والليبرالية كهدف مهم للحصول على الدعم الشعبي للعملية الديمقراطية) .

ان العراقيين مدعوون اليوم بكل أطيافهم إلى التضامن والتعاون والتسامح  والصبر، وتحقيق كرامة الفرد العراقي وحقوقه الإنسانية المسلوبة، ورفع شعار الانتماء للوطن أولاً، وبشكل موضوعي لمفهوم المواطنة، والتمسك بالدستور كأساس جوهري لكل الحقوق والواجبات، والدعوة لحماية المساواة بين المواطنين، بغض النظر عن الانتماء وبعيداً عن الطائفية والعنصرية.

وهم بعد أن تدربوا على كتابة الدستور وتعلموا لعبة تشكيل الحكومة ومناورات الأحزاب وحرية الانتخابات أصبح تحقيق الديمقراطية أمراً متاحاً ولابد منه. ولا ينبغي العودة إلى الوراء. فليس هناك ما ينتظر العراقيين،  إذا ما انهارت الديمقراطية وتعطل العمل بالدستور سوى النظام الشمولي الإستبدادي.

ليس أمام العراقيين من محيص غير مواصلة الصبر والتحدي أن أرادوا تعزيز الديمقراطية والحفاظ على ديمومتها بعد أن توفرت لديهم القناعة السياسية أن مشاركة الجميع في بناء العراق الاتحادي الديمقراطي الجديد هي مسؤولية أخلاقية وتاريخية قبل كل شيء، وأن وحدتهم الوطنية هي فوق كل اعتبار، وهي السبيل الوحيد لإنقاذ العراق من هذا المأزق المأساوي الذي وقعوا فيه، وما لحق بهم من جروح. والخروج إلى مستقبل ينعم فيه الجميع من خيرات الوطن الكثيرة، ويحلموا في حياة مستقرة، تسودها الأخوة والمحبة والعدالة، في ظل قيّم هذا الوطن الحضارية العريقة. الصبر، وتحمل ألم الجراح، والنظر إلى الوطن نظرة واحدة شاملة هو عامل أساسي لا غنى عنه لبلوغ النجاح.

كما يجب أن لا يُعتقد أن ديمقراطية الغرب الحالية جاءتهم على طبق من ذهب. بل بلغوها بعد نضال شاق ومرير دامَ عقوداً.

فتحقيق الديمقراطية في بلد مثل العراق، وقع تحت نير الظلم والاستبداد لسنين طويلة، لا يمكن أن يتحول في ليلة وضحاها إلى بلد ديمقراطي دون تضحيات جسيمة ومشقة كبيرة. ربما نحن بحاجة إلى خمسين عام أخرى على هذا الدرب الوعر جداً.

موسى علي موسى – بغداد