الحلاج بين الأنصار والخصوم

الحلاج بين الأنصار والخصوم

هو الحسين بن منصور بن محمى الملقب بالحلاج ولد عام 244هـ في قرية البيضاء بفارس وترعرع في واسط بالعراق تتلمذ الحلاج في الزهد والتصوف على يد اربعة من كبار المتصوفين في عصره وهم المكي – والتستري – والشبلي – والجنيد البغدادي وقد لازم الجنيد لمدة عشرين عاماً كان فيها معلمه ومرشده الروحي ويعتبر الحلاج من أكثر الرجال الذين اختلف في أمرهم وذلك لغرابة مزاجه وغلوه وتعاليه.

فمنهم من وافقه في مفاهيمه الصوفية واعتبرها نبأ عظيماً في افاق التصوف الاسلامي ولا زال الناس يتسألون عن ذلك النبأ العظيم – فهو ذلك الصوفي الاكثر جدلاً في التاريخ الاسلامي والاعمق اثراً وسيظل انموذجاً لافتاً في تاريخ الانسانية عن معنى العشق الالهي يقف امامه الباحثون والمؤرخون ويتأملون فلسفته التي تعد صفحة مشرقة من صفحات التراث الانساني كونه فيلسوفاً وشاعراً اسلامياً واليكم بعض من ابياته الشعرية التي يتجلى فيها عشقه الالهي .

مكــــــانك من قلـبي هو القلـب كلـه فليس لخلقٍ في مكانك موضع

وحطتك روحي بين جلدي واعظمي فكيف تراني ان فقدتك اصنع

ارتقى به محبوه و مريديه الى افق البهاء المقدس ولقبوه برائد الحب الالهي والحلاج عند رجال الاستشراق يربطه نفس الخط المضيء بالمسيح ( عليه السلام ) نعم انه ذلك الشهيد الوليُّ الربانيُّ، الذي تطلع إلى ميلاد كلمات الله المباركة في قلبه.

اما رواة التاريخ الصوفي فقد دندنوا طويلاً حول كراماته وآياته وتحدثوا عن مصرعه وما اقترن به من اشياء خارقة وذهب بهم الخيال فنسجوا عنه قصصاً خرافية بعدما احرقت جثته بعد صلبه ثم القي بها في نهر دجلة فأصبحت حسب زعمهم كل قطرة ماء من هذا الرماد المبارك تنجب شيخاً من شيوخ الصوفية في بغداد وتصوغ قطباً من اقطابها في العراق .

وجعلوا من مأساته الخاصة موردًا عذبًا تنهل منه العقول والقلوب في كلِّ مكان وزمان – ومصدرَ إلهام لكلِّ أحرار العالم الذين يحلِّقون بأرواحهم وأذهانهم في سماء الحرية

ويُعدُّ الحلاج أحدَ أهمِّ أقطاب التصوُّف الإسلاميِّ الذين اصطدموا بالسلطة الحاكمة ، ودفعوا حياتهم ثمنًا لصدقهم.

عبر الحلاج عن فلسفته بالممارسة التي لم يرض عنها قاضي بغداد الذي رآها متعارضة مع تعاليم الاسلام، فرفع أمر الحلاج إلى القضاء واتهمه بالزندقة والتجديف والقول بالحلول وادعاء الالوهية طالباً محاكمته أمام الناس والفقهاء فلقي مصرعه مصلوباُ بباب خراسان المطل على نهر دجلة على يد الوزير حامد بن العباس تنفيذاً لأمر الخليفة المقتدر في العام 309 هـ

وأظهر الحلاج للناس تجلدًا وصبراً على مكاره النفوس، من الجوع والتعرض للشمس والبرد ما لم يظهره احد فكان اذا خرج في الظهيرة يجلس على صخرة حتى يتصبب العرق منه مما حمل بعض الناس الى القول عنه بأنه يتحدى الله بصبره وجلده وكان عند اقامته بمكة في الحجر لا يستظل تحت سقف لا في الشتاء ولا في الصيف ويصوم الدهر كله واذا جاء وقت الافطار يأتي اليه الخادم بشربة ماء ورغيف خبز فيشرب الماء ويأكل ثلاث لقمات من الرغيف ويترك الباقي.

يقول الحلاج ” النقطة أصل كل خط – والخط كلّه نقط مجتمعة – فلا غنى للخط عن النقطة – ولا للنقطة عن الخط – وكل خط مستقيم أو منحرف هو متحرك عن النقطة بعينها – وكلّ ما يقع عليه بصر أحد فهو نقطة بين نقطتين” وهذا دليل على تجلّي الحق من كل ما يشاهد وترائيه عن كل ما يعاين .

ومن هذا قلت ما رأيت شيئاً إلاّ رأيت الله فيه ولا يخفى ما بهذه الجملة من فلسفات توحد الخالق بمخلوقاته .

وهو بذلك يعبر عن ايمانه الراسخ في شعوره في الاتحاد بالله واصبحت كما ادعى تربطه به رابطة شخصية حميمة وسمى هذا الترابط بين الانا والانت ” عين الجمع “

اما خصومه فقد هبطوا به الى قاعدة الشطح والزندقة والشذوذ والسحر واكتفى بعضهم بتكفيره بالاعتماد على ما قيل على لسانه من أقوال أو أشعار قال عنها انصاره انها ليست له ونسبت اليه خطأً .

ويقال أن سبب مقتله يكمن في اجابته على سؤال أحد الاعراب الذي سأل الحلاج عن ما في جبته، فرد عليه الحلاج (ما في جبتي إلا الله) فاتهم بالزندقة واقيم عليه الحد ، وقيل ان السبب قد يكون سياسياً آنذاك .

لقد اسرف خصوم الحلاج في بغضه وانتقاده وتجريحه واسرفت الخلافة العباسية في اضطهاده وتعذيبه تعذيباً وحشياً وجنونياً عندما قاموا بجلده بالسوط الف مرة وتقطيع اطرافه ثم حز رقبته وحرق جثته وذر رمادها في نهر دجلة واقامت ستاراً حديدي لحجب سيرته عن الحياة وتشويه تراثه التاريخي

يقول عنه الشعراني: فلم تختصم الاقلام حول رجل في الحياة الروحية كما اختصمت صاخبة مدوية حول الحلاج وسيرته وعقيدته.

احمد مصطفى – بغداد