الحسين في ليلة الوداع – حسين الزيادي

الحسين في ليلة الوداع – حسين الزيادي

بات سبط الرسول الاكرم ليلته الاخيرة ضيفاً عل? الدنيا، سويعات قليلة تفصله عن  الحدث الأكبر والميلاد المجيد، غداً ستكون الفاجعة الكبرى التي لم تشهد لها الدنيا مثيلاً، غداً تراق الدماء النبوية الطاهرة فوق الثرى، مرت هذه الليلة بشريط ذكرياتها، واخت الحسين تجول بين الخيام وتتنقل بين اخوتها وابناءهم، تودع هذا وتستفسر من الآخر، مضت تلك الليلة، ومض? معها شريط طويل من الذكريات، انها ليلة ليست كباقي الليالي في احداثها وشخوصها، ليلة عُزفت فيها سمفونية الشهادة وصُبغت برائحة الدماء النبوية الزاكية، لذا بقيت خالدة في سفر الانسانية واذهان المؤمنين الى ما شاء الله لان بطلها الحسين بن علي الذي ما عرُف على وجه الأرض نسب أزكى وأشرف من نسبه، ولا حسب أرفع من حسبه، فقد تربّى في حجر الرسالة، وارتوى من ينبوع الإمامة، وتجلَّت فيه جميع معالم الانتماء الجسدي والروحي والفكري لجده الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله الذي قال فيه: حسين منّي وأنا من حسين، أحبّ الله مَن أحبّ حسيناً، حسين سبط من الأسباط).

لملمت شمس تاسوعاء اذيالها واختفت من الأُفق البعيد معلنة بدأ مراسيم الحداد، ولاح سواد ليلة عاشوراء على فيافي كربلاء، معلنة اقتراب الرحيل، وأخذت قطع الظلام المدلهم تغزو زوايا المكان، ولاذ الجميع إلى مأمنه ومأواه إلا ابن بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأهل بيته وأصحابه، وعقائل الهاشميين وذراري رسول الرحمة (صلّى الله عليه وآله)  فلا مأمن لهم ولا مأوى يأويهم ولا نصير ينصرهم، غرباء في بلدانهم، مطاردين في امة جدهم.

رحلة شاقة

فتية من آل محمد، باتوا ليلتهم بين داع ومصل ومستغفر وتال للقرآن، استعداد للقاء الله سبحانه، فيومهم الأخير سيكون شاقاً، طويلاً بأحداثه متعباً بأفعاله، عميقاً بأحزانه واتراحه، وسيبقى سيد الشهداء المتجرد في ذات الله تعالى، الذائب في بوتقة التوحيد، المبتعد عن أيّ غلٍّ أو شائبة، سيبقى وحيداً يستنصر فلا ينصر، ويستغيث فلا يغاث، وسيعانق ثرى كربلاء باغماضته الأخيرة مودعاً اوجاعه وستبتهج بقدومه ملائكة السماء.

تأمل الحسين عليه السلام الجيش الزاحف نحوه على ملأ البصر وقد تجاوزوا الثلاثين الفاً، تأمله طويلاً ونفسه مطمئنة بذ?ر الله، هانت عليه دنيا الباطل وتصاغر الجيش امامه، فلم ترهبه ?ثرة اعدائه وتدافع السيوف والرماح، فاتجه نحو ربه مناجيا اياه : اللهم انت ثقتي في ?ل ?رب، وانت رجائي في ?ل شدة، وانت لي في ?ل امر نزل بي ثقة وعدة، ?م من هم يضعف فيه الفؤاد، وتقل فيه الحيلة ويخذل فيه الصديق ويشمت فيه العدو انزلته بك وش?وته اليك رغبة مني اليك عمن سواك ففرجته عني، فانت ولي كل نعمة وصاحب كل حسنة ومنتهى كل رغبة.

لم ينشغل ربيب النبوة وسليل الدوحة الهاشمية عمّا يهمّ أمر دينه ودنياه، وحاشاه أن يرتبك وهو ابن فارس الاسلام والاشجع المتين، وأسد الله الغالب، لذلك قسّم الحسين عليه السلام ليلته الاخيرة الى عدة اجزاء، فهي ليلته الاخيرة من الدنيا، فلتكن ليلة عبادة ودعاء وداع ووصية، وليلة اختبار لإصحابه ومن معه، وليله اعداد لخطته العسكرية لمواجهة هذا السيل الهادر من العسكر.

 الجزء الاول من هذه الليلة اجتمع فيه الامام مع اصحابه وخبرهم وخيرهم بالرحيل ورفع البيعة عنهم خاطباً فيهم : اما بعد فإنّي لا أعلمُ أصحاباً خيراً من أصحابي ولا أهل بيت أبرَّ ولا أوصل من أهل بيتي فجزاكُم الله عنّي جميعاً خيراً، ألا وإنّي أظنُ يَومنا من هؤلاءِ الأعداء غداً إلّا وإنّي قد أذنتُ لكم، فانطلقوا جميعاً في حلٍ ليس عليكم حَرجٌ منّي ولا ذمام، وهذا الّليلُ قد غشيكم فاتّخذوه جَمَلا ، وليأخُذ كلُ رجلٍ منكم بيد رجل من أهل بيتي، وتفرّقوا في سَوادِكم ومدائنكم حتّى يُفرجَ الله ، فإنَّ القومَ إنما يطلبونني ولو قد أصابوني لَهوا عن طلب غيري.

اما الجزء الثاني من اعمال هذه الليلة فقد خصصه الامام الحسين عليه السلام للتخطيط العسكري فقد امر أصحابه ان يقرّبوا بيوتهم بعضها من بعض، وأن يدخلوا أطناب الخيام بعضها في بعض حتّى يحتوي معسكره على أقل مساحة ممكنة من الأرض ثمّ أمرهم بأن يحفروا خندقاً حول الخيام، وفي كلّ أطراف المعسكر، ما عدا طرف واحد وهو طرف المواجهة ، ثمّ أمر أن يملؤونه بالقصب والحطب حتّى يكون جاهزاً عند الصباح لإضرام النار فيه، فيكون بذلك خطّاً دفاعيّاً لهم، يقيهم من هجوم الأعداء من كلّ الجوانب، ويحفظهم من محاصرة القوم لهم من كلّ الأطراف، وليكون دفاعهم عن أنفسهم على جبهة واحدة، ومن طرف واحد وقد افصح الامام الحسين عن وعي عسكري وعبقرية فذه فقد جعل الخيام على شكل قوس والمواجهة من جانب واحدK  وفعلاً حدث ما توقعه الامام وحاول القوم عبور الخندق فلم يفلحوا، واستعمل الحسين عليه السلام اسلوب المبارزة لإطالة امد المعركة فيكون صداها الاعلامي اوسع، وقد احرج العدو في اكثر من موضع على الرغم من الفارق الهائل في العدد والعدة، الذي اغرى العدو وجعله يظن ان مسالة القضاء على معسكر الحسين لا تستغرق اكثر من ساعة.

اما الجزء الثالث في اعمال الليلة الاخيرة فكانت مخصصة للعبادة والتوجّه إلى الله تعالى، بالصلاة  وبتلاوة القرآن، وبالدعاء والاستغفار، فقد اتّجه الإمام الحسين (عليه السّلام) بعواطفه ومشاعره نحو الله واقتدى به كلّ أصحابه وأهل بيته ، حتى كان لهم على أثر ذلك: دويّ كدويّ النحل حسب تعبير من شهد المعركة .

في السحر من هذه الليلة خفق الحسين خفقة ثم استيقظ و أخبر أصحابه بأنه رأى في منامه كلابا شدت عليه تنهشه و اشدها عليه كلب أبقع وأن الذي يتولى قتله من هؤلاء رجل أبرص، نعم غداً سيعانق الحسين عليه السلام صعيد الطف، ممدداً عارياً عل? بطحاء ?ربلاء، وسيجري شريان الدم النبوي، غداً يسقط الإمام الحسين (عليه السلام) على الأرض وتخرج اخته الحوراء من باب الخيمة نحو الميدان، وهي تنادي : وأخاه ، واسيداه ، وأهــــــل بيتاه، ليت السماء أطبقت على الأرض، وليت الجـــــبال تدكدكت على السهل، ويحكم !!

أما فيكم مسلم ؟ ثمّ انحدرت نحو المعركة مسرعةً ، فتارةً تعثر بأذيالها، وتارةً تسقط على وجهها من عظم دهشتها حتى وصلت إلى مصرع اخيها، فجعلت تنظر يميناً وشمالاً ، فرأت أخاها الحسين(عليه السلام) مطروحاً على وجه الأرض، سابحاً في دمه، يتململ يميناً وشمالاً، ويجمع رجلاً ويمد أخرى، والدماء تسيل من جراحاته، فجلست عنده وطرحت نفسها على جسده الشريف، وجعلت تقول :ءأنت الحسين ؟!ءأنت أخي ؟!ءأنت ابن أمي ؟!ءأنت نور بصري ؟!ءأنت مهجة فؤادي ؟!

ءأنت حمانا ؟!ءأنت رجانا ؟!ءأنت ابن محمد المصطفى؟!

ءأنت ابن علي المرتضى؟!ءأنت ابن فاطمة الزهراء؟

كثرة الجراحات

كل هذا ، والإمام الحسين لا يرد عليها جواباً ؛ فقد كان روحي له الفدى مشغولاً بنفسه، وقد اعياه نزف الدم وكثرة الجراحات، فقالت : أخي ! بحق جدي رسول الله إلا ما كلمتني، وبحق أبي : علي المرتضى إلا ما خاطبتني، وبحق أمي فاطمة الزهراء إلا ما جاوبتني.

يا ضياء عيني كلمني، يا شقيق روحي جاوبني .

لم تهدأ احقادهم في حدود قتل الحسين، بل راحوا لاحتزاز الراس الطاهر، ورفعوه فوق رمح طويل لتخبو نفوسهم المريضة، وتستقر نوازع الجاهلية في دواخلهم السقيمة، لكن هل خبت نفوسهم عند هذا الحد، الجواب كلا،  فمازالت في انفسهم احقاد تسري مسرى الدماء، فانتدبوا عشراً من الخيول الأعوجيّة، لتطأ الجسد المقدس، استشهد الحسين عليه السلام وانتهى جسداً وقطع غصن النبوة واخر الاسباط، واحتز الراس الذي طالما سجد مخلصا لله، لكن الحسين عليه السلام ولدّ قضــية ومبدأ ورسالة، لان ثورته هي ثورة النور والحرية والعدالة، وكلــــــماته شاهدة على ذلك: “أيها الناس إني سمعت جدي رسول الله يقول: من رأى منكُم سُلطاناً جائِراً مُستحلاً لحُرم الله، ناكثاً بعَهدِه، وفي رواية بيعته، مُخالِفاً لسنّةِ رسولِ الله، يَعملُ في عبادِه بالإثمِ والعدوانِ، فلم يغِرْ، وفي رواية فلم يُغيّر ما عليهِ بقولٍ ولا بفعلٍ، كان حَقّاً على الله أن يُدخِله مَدخلَه، استشهد وريث النبوة وامتداد الرسالة وثمة صدى يردد في افق الشهادة وبقايا الجسد الشريف (لا أعطيكم بيدي اعطاء الذليل ولا اقر اقرار العبيد)

ترك الحسين عليه السلام ميراثاً عظيماً لم يتركه احد، ترك مدرسة للبطولة والاباء وسفراً خالداً من الشجاعة والاقدام والتضحية والفداء والبطولة والإيثار، واغدق البشرية فكراً وعطاءً وغمرها نوراً وحياة، فأينعت به الضمائر الحية والنفوس الكريمة واخضرّت به القلوب المؤمنة التي ايقنت ان الشهادة طريق المجد والرضوان، فكانت اخر كلماته في عالم الدنيا (لا والله لا اُعطيكم بيدى إعطاء الذليل ولا أفرّ فرار العبيد، عباد الله إنّى عذتُ بربّى وربّكم أنْ ترجمون، أعوذ بربّى وربّكم من كلّ متكبِّر لا يؤمن بيوم الحساب) فسلام على المرمل بالدماء ، فسلام على مهتوك الخباء ،سلام على خامس أصحاب أهل الكساء ، سلام على غريب الغرباء ، سلام على شهيد الشهداء ، سلام على قتيل الأدعياء .