
دور الوساطة الثقافية
التقريب بين الثقافات وتيسير التواصل بين المجتمعات – وليد ناجي الحيالي
ما الذي يجعلنا غير قادرين على التغير نحو الأفضل، رغم أن الثقافة تبدو مستوفية لكافة القواعد.. الملايين من الروايات وقصائد الشعر تطبع ومثلها من الصحف والمجلات، وبالمقابل الكثير من الأشجار تقطع في سبيلها.. لكن لماذا نتجه نحو عالم تغزوه ثقافة العنف وتهديد الآخر، لماذا لم نعد نشعر بأي انفعال بعد مقالة تدعونا نحو الإنسانية والتسامح، لكننا نعبرها سريعاً دون أن تؤثر فينا، ولماذا نغزو الفضاء بقوة تقنية هائلة وبمراكب فضائية لفحص تشكيلات الصخور هناك بينما في الوقت نفسه تموت الشعوب جوعاً في الكوكب الأرضي.. لماذا هذا العالم حزين.. على الرغم من آلاف الأفلام الكوميدية ومقاطع الكاميرا الخفية وكتب الطاقة الإيجابية والكثير من الوسائل الترفيهية.
مبادئ انسانية
أليست إحدى معضلاتنا هي التقدم التقني السريع وعدم استطاعة المبادئ الإنسانية اللحاق بها، هذا التقدم الذي يشبه مركبة تتقدم إلى الأمام لكن دون وجود مرآة خلفية كذلك غياب دور المثقف المحوري تلك الروح المتمردة على القوالب الجاهزة، وتحدي الأنماط الشائعة، والبحث عن صوت خاص في الإبداع يخرج من القلب بعد أن يكون صاحبه قد احترق به، وانفعل معه من فرط الصدق والمعاناة في التجربة الشعورية، أين هو المثقف القادر على تقديم الأفكار والحلول المختلفة لكل الصعاب، من أجل المجتمع وحرياته واستقلاله وتقدمه، فالحضارة لا تقوم على الجهلاء، وإنما على المثقفين، وذلك بنقل التجارب الناجحة للناس ودفعهم الى العمل بها وفق ظروفهم.
أين ذلك المثقف الذي يعلم الناشئة الجيل الصاعد أن الاختلاف ليس هو الشقاق إنه فطري في الإنسان منذ النشأة الأولى وأن الاختلاف لا يبعث على الاحتراب والتفريق.. من خلال هذه العناصر والمقومات يمكن لنا أن نشكل أرضية صالحة لإقامة الحوار من موقع الندية أولا وبهدف تحقيق الاتصال بين الأفكار والقيم بين الثقافتين المتحاورتين مما سيكسب المصداقية في القول والفعل مما يتمخض عنه نموذجاً إيجابياً لحوار حضاري بين شعوبٍ تعرف معنى التسامح والتواصل مع الآخر والبحث عن صيغ التعايش بين الأفراد والمجتمعات والأمم ..
في سويسرا مثلاً لا يكادون يستعملون عبارة ممنوع فحيث نقرأ في معظم الدول (ممنوع قطف الأزهار ) والعبارة المتألقة في حدائق سويسرا ( هذه الزهرة في يدك تكون لك وحدك ولكنها في مكانها تكون للجميع )..ما أجمل الخطاب الإنساني حين يكون شاعريا ويحسسك بمسؤولية جمالية وبالمقابل هناك جمهور واعٍ لهذه الرسالة ..
أذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر المخرج السينمائي الهندي مانموهان ديساي لما تحظى به أفلافه من بعدٍ إنساني، ودعوة إلى الانفتاح على الآخر، وتقبّله، ولا شك أنه وّحد الطوائف، والأديان في الهند عبر الشاشة الفضية، ليحقق ما عجزت عن فعله الحكومة، دعا في كل أفلامه إلى الوحدة الوطنية على اختلاف أديان أصحابها فالمجتمع عند ديساي هو تقبل الآخر واحترام ثقافة الآخرين.
وإن عدنا إلى عصر الفلسفة اليونانية نجد أن أرسطو جسّ نبض المشكلة مبكرا في كتابه فن الشعر حين دعا إلى الفن كوسيلة للتطهير و التنفيس عن العواطف وتهذيبها بمعنى الإنفعال الذي يحرر من المشاعر الضارة لا سيما عاطفتي الشفقة والخوف عن طريق الفن و أي تغير حاد في العاطفة يؤول إلى تطهير النفس من العواطف الزائدة وتجددها وإصلاحها.
إن نزاهة الفكر لوعي المثقفين هي التي تعزز لديهم جميعا الشعور بالمسؤولية المدنية تجاه المجتمع الذي ينتمون إليه، فهم المعبرون عن مشاغل ذلك المجتمع وعن مشاكله وهم حماة قيمه الروحية والحضارية والوطنية وهم درعه الواقي من مختلف التحديات التي تواجهه بالتصدي بوعي وثبات للانغلاق الفكري والتطرف والوفاء الدائم للمصلحة الوطنية ولقيم الاخاء والتسامح والاعتدال التي تميز إنسانيتنا عن باقي الكائنات، يقول الفيلسوف كانط: من ليس مثقفاً فهو بهيمة، ومن ليس مؤدّباً فهو متوحّش..
إن المثقفين هم الذين يحملون راية التجديد وبعث الدماء في المجتمع، خذ مثلا على ذلك تفاحة نيوتن الشهيرة وتخيل ما كان يمكن أن تؤديه لو أنها بدلا من أن تقع على رأس ذلك الرياضي الكبير وقعت على رأس أبيه من المؤكد لم تكن لتخلق فكرة الجاذبية.
نشاط عقلي
وبذلك يدرك المثقف أن التقدم في مجرى التاريخ يتم عن طريق النشاط العقلي وأن مهمة الفرد في الأسرة والمجتمع أن يرتفع بمزيد من المعرفة وبأخلاقيات أكثر سموا وارتقاء إلى درجة من الكمال يمتزج فيها الفرد مع الأسرة والمجتمع تمازجا حضاريا ومدنيا لائقا، وهناك جدلية قائمة وعلاقة وثيقة متبادلة بين التطور الروحي والتصور الاقتصادي والاجتماعي نحو ميلاد مجتمع سعيد ومزدهر ..والشرط الأساسي للمثقف الحر أن يمتلك الحرية والإرادة الحرة واستقلالية العقل .. وتوافر المسؤولية أمام الفرد والأسرة والمجتمع وإذا أردنا أن نحمل المثقف مسؤولية فعله فلا بد لنا من أن نوفر له حرية العقل فلا ممارسة لأرض الواقع بدون حرية وبدون مسؤولية..لكي يمارس المثقف الجاد النقد الايجابي والسلبي وهو أساس من أسس الديمقراطية الحقيقية والمثقف هو البستاني الحاذق الماهر في تشذيب وتقريظ بستانه إلى الازدهار والجمال، يغرس في أفئدة الأسرة والمجتمع بذور المعرفة والمحبة والتسامح والإيثار ليبني مجتمعا يسوده العدل والإخاء .. والثقافة تتجاوز حدود العرق والمذهب والطائفية تبذر أغراسا أكثر إنسانية وأرحب نقاء وصفاء.. وتنشر رسالة سامية رسالة الإنسان في حدود أسرته ومجتمعه وخارج حدود أمته.. نتذكر جيدا الرسالة التي وجهها المعلم الأول أرسطو إلى الاسكندر المقدوني إبان غزوته بلاد الشرق : ” إذا دخلت بلدا عاملهم بالتسامح والمحبة وولّ عليهم من وجهائهم ولا تفرض الضرائب عليهم .. واجعلهم يحترموك ويقروك واعف عنهم وسامحهم وعاملهم بالحسنى ولا تجعل الشعوب يكرهوك فإنهم سوف يثورون عليك ويتمردون .. وينتقمون.. احترم أعرافهم وتقاليدهم وتراثهم فإنهم يفضلونك على ذويهم وأصحابهم فانك تكسب مودتهم ومحبتهم وديمومة حكمك عليهم ..احترم شيوخهم وأطفالهم ونساءهم تفز بمحبة شبابهم .. اغرق عليهم الأموال فإنهم يثنون عليك واجعل بلادهم في رخاء وازدهار اقتصادي فإنهم يقدمون لكم الطاعة والامتثال”..
هناك عدة عناصر لبناء الحضارة القائمة على التسامح وإعمارها.. أولها الإنسان والخيرات ثانياً والزمن ثالثاً.. إنّ أيّة حضارة تبدأ بالإنسان العاقل المفكّر الحكيم المجرّب… صاحب الفكر النيّر والعقل الفاعل الحاكم العادل فبه يبدأ النهوض الحضاري الذي يملأ الكون بهجةً وحبوراً.. أما المادة فمهما كان مقدارها وقيمتها تبقى مجرّد كم متراكم متكدّس لا يمكن أن يثمر الحضارة إلا بالاستعمال العلمي الصّحيح من قبل الإنسان العلمي المتميّز.. ففي القرن التاسع عشر كانت الدّول تقاس بما تملك من مصانع وأساطيل وأسلحة وذهب وفضّة.. غير أنَّ في القرن العشرين شهد تحوّلاً نوعياً في مضمار القوة ولم يعد المعيار يساوي شيئاً ما لم يقترن برصيد الفكر الخلاّق المُبدع.. أما الوقت أو الزمن هو العنصر والركن الثّابت في يقظة الشعوب ونهوضها.. فالزّمن هو نهرٌ يتدفق من نبع الأزل مروراً بالشعاب والممالك ليستغلّه الإنسان للحفاظ على بقائه وارتقائه نحو الخصب والخير والعطاء..فالزمن غنيٌّ بالحيوية والإنجاب إن استطعنا التعامل معه بذكاءٍ ونشاطٍ واستثمرناه لصالحنا.. فهو ثروة ضخمة إذا تعاملنا معه بإرادة وخبرة ذكيّة وإن أهملناه تحوّل صفراً أو عدماً.. الفكر العملاق يوجّه المجتمعات بثلاث نواحي بالتوجيه الثقافي أولاً لأنّ الثقافة ملكٌ للإنسانية جمعاء.. وتوجيه العمل ثانياً.. العمل الذي يشيد ويعمّر ويبني وتوجيه المال بقوانين الاقتصاد نحو الخصب والرّخاء والنعيم، ففكرة التوجيه تشمل قوة في الأساس وانسجاماً في السيرورة التاريخية والنّشأة الحضارية.. ووحدةً في الغاية والهدف.. وتقنين الإسراف والتّبذير في الجهد والكدح والاستفادة من الزّمن الذي لا يتوقّف لحظةً، فالثقافة تحتلّ مركزاً أساسيّاً وعنصراً قيادياً في البناء الحضاري ومواجهة التخلّف بأزماته الكليّة المتقهقرة إلى الخلف والانحطاط.. يجب أن يحكم المجتمع الدّستور الأخلاقي والذّوق الجمالي، والمنطق العملي وعلوم التّقانة.. فالجماليات تكتسب أهمية اجتماعية.. والأخلاق تعتبر رديفاً لعمليات تكوين الرّوابط بين الأفراد في المجتمعات طُراً.. ولا ينفصل البتة الدستور الخلقي عن الذّوق الجمالي. والإطار الحضاري بكلّ عناصره ومحتوياته متداخل ومتكامل بذوق الجمال.. بل إنّ الجمال هو الإطار الذي تتكون فيه أية حضارة وعلينا أن نبصر ما في نفوسنا.. وأن تنعكس مرآة الجمال في داخل بيوتنا وأن تتمثل في شوارعنا ومدارسنا وجامعاتنا ومؤسساتنا.. وتقاس درجة رقي الأمم والدّول المعاصرة وتقدّمها وأخلاقها بمستوى ونوعية الجماليات وانحطاط الأخلاق يتزامن بانحطاط الذّوق الجمالي في المجتمعات كافّة.. إننا نرى اللافاعليّة والإهمال واللامبالاة في مخاطر حياتنا اليومية.. إذ نهدر طاقاتنا الجمالية والأخلاقيّة في العبث والمحاولات الهازلة الخاسرة سواء في السياسة والاقتصاد والثقافة.. فسياساتنا تجهل وسائلها وثقافتنا لا تعرف مُثلها العليا.. ومواردنا تجهل قضايا التنمية وأسس الدّولة المعاصرة والمجتمع المدني الحديث.. النّخبة المفكّرة تخاطب الأمة بلغة قلوبهم وانفتاح عقولهم.. كمسلّمات يؤمن بها القلب تحت عمىً عقليّ بل حقائق يستقيها القلب ويمتلئ بها وعاءً صافياً صرفاً تحت إشرافٍ عقليٍّ منير، علينا أن نخاطب الأمم بعقلٍ صريحٍ نجمع بين دراسة الماديّات والتّعمّق في دراسة الرّوح الإنسانيّة ونمزج بين العقل والقلب معاً في مزاج فريد متميّز.. إنّ الطبيعة تبدع النّوع.. والتّاريخ يصنع المجتمع.. وهدف الطبيعة هو مجرّد المحافظة على البقاء والسيرورة وفي الوقت نفسه غاية التاريخ وهدفه السير بركب التقدّم نحو شكل من أشكال الحياة السعيدة الراقية.. وترتبط فكرة المجتمع بوضع متحرّك ذي وسائل وعناصر ثلاثة حركة مستمرة وانتاج دائم لأسبابها وغايتها المُثلى.. صناعة التاريخ تتم تبعاً لثلاثة عوالم.. تأثير عالم الأشخاص وعالم الفكر وعالم المادّة.. كلّ هذه العوالم تجتمع وتتوافق في عالم مشترك تأتي صورته طبقاً لنماذج أيديولوجية من عالم الفكر يتمّ تنفيذها بعالم الأشياء أو الماديّات.. من خلال غاية يبتغيها الأشخاص فالمجتمع والجماعة الإنسانية تتطور ابتداءً من نهوضه ويتعثّر المجتمع بعوائق عديدة أبرزها عدم تشخيص غاية النهضة.. عدم تحديد المشكلات الاجتماعية تحديداً خبيراً بصيرا.. وعدم تحديد الوسائل..!!! ويجب أن توافق النظريّة الاقتصادية مع النظرية السياسية ومع الظّروف الاجتماعية ومراعاة الخصوصية الحضارية والبيئة الثقافية المحددة لكلّ أمة.. فالحضارة المستديمة تستمدّ شروقها من رجال الفكر ومن كنوز التربة الغنية.. ومن الزّمن الذي يسيّرُ قادة الفكر.. والأرض الغنية بعناصرها وموادّها.
والطبيعة تمقت الفراغ.. والفكر لا يعرف التوقف والجمود ولكي تنهض الثقافة بالمسؤولية الجسيمة الملقاة على عاتق كتابها وبدورها الريادي في الفعل ونشر أعلى القيم الكونية الخالدة وإبلاغ رسالتها الأدبية النبيلة لابد من القنوات الهادفة و المجلات الثقافية الجامعة لنشرها والتي تناسب كل الأهواء والابتعاد عن القنوات الإخبارية التي لا تبث سوى السموم إضافة إلى فتح نوافذ الترجمة كونها الجسر الرابط بين الشعوب واتخاذ هذه الوسائل جسورا للتواصل والإنبعاث الثقافي وهمزة وصل خيّرة بين الثقافات الإنسانية، وعد مخاطبة فقط الجمهور المستهدف النخبوي علاوة على الاستعلاء على القارئ العادي.. إيجاد لغة تخاطب كافة الشرائح.. فهذا الواجب الإنساني يجب أن يكون همه التغيير وليس النشر فقط.
حركة عصبية
في كتاب الأخلاق بلا إلزام ولا جزاء يحدثنا المؤلف عن طفلة فرنسية أعطتها أمها قرشاً لتشتري شيئاً للمنزل وإذ هي تعبر الطريق دهستها سيارة ألقت بها على الأرض وأصابتها بجروح وأغميت عليها غير أنها ظلت قابضةً على القرش في حركة عصبية عنيدة ولما أفاقت وجراحها تنزف… وجدت أمها أمامها ففتحت يدها المقبوضة، وبسطتها إلى أمها تناولها القرش قائلة: قرشك يا أمي… لم أضيعه…
يقول جويو معلقاً على هذه الواقعة الرائعة: لقد كانت الحياة عند الطفلة أدنى قيمة من القرش الذي اؤتمنت عليه… فرحلتنا إلى الكمال الإنساني تبدأ من إيماننا بالواجب واعتمادنا عليه.
الإلزام والإكراه المبتديان في ظواهر حياتنا ليسا عرضاً طارئاً… بل عرضاً مزمناً لعلة مزمنة وآفة لابثة مقيمة… وهذه الأغراض تنتشر في المجتمع في سلوكه وتربيته وثقافته وتشريعه هذه الأغراض لا تمنحها إلاّ أكثر من زخارف وألوان باهتة قاتمة، فشجرة الحنظل لا تثمر الكمثرى والمجتمع الذي تنطلق دواعي سلوكه وتربيته من الإكراه والخوف ليس أكثر من شجرة حنظل مريرة الثمر والظلال… ومما يؤسف أن التطور الباهر الذي أحال بيوتنا من أكواخ واطئة إلى قصور كالأبراج لم يلازمه تطور مماثل في روح مساكننا وبيوتنا، لقد تفنن الإنسان في هذا الزمان الغامض في صنع مختلف الأسلحة الفتاكة وهو في كل يوم يبتكر المزيد من وسائل الحرب والهلاك ما يكفي لتدمير العالم عشرات المرات إنها حرب فناء الأرض وما فيها ومن عليها فالمآخذ على الحضارة الكونية المعاصرة أنها تؤمن بالمادة أعمق الإيمان بدليل ما تنفقه تفوق الخيال على أسلحة الدمار أما قوانينها التي تتعلق بالقيم الإنسانية فإنها تعتبر زخرفة من القول لا تقدم ولا تؤخر فمنذ اختراع أول سلاح والإنسان فقد الثقة بأخيه الإنسان، وإزاء هذا الطغيان المادي الخطير يضمحل الجانب الثقافي والفكري ويختل التوازن ، وتضجر القيم، ويشعر الإنسان بالضياع ويتلوه الاكتئاب، ويصاحبه شعور قوي بتفاهة الحياة، وقد يؤدي مثل هذا الشعور إلى شيوع ظاهرة الانتحار مللا من الحياة وتشاؤما من المستقبل، القلق سمة عصرنا هذا والخشية من المستقبل من علاماته البارزة وسماته المميزة قابلْ أي إنسان مهما كان شأنه ومركزه في المجتمع لشكا لك من حاضره ولأطلعك على ورى القلق الذي يساوره وهو يستشف المستقبل الذي هو مقدم عليه.
فرضت علينا التقنية واقعا مغايرا ومختلفا عنا نحن أولاد الطبيعة وأبناء الأشجار والأنهار والجبال، أصبحنا في بيوت أسمنتية بعيدا عن إنسانيتنا وبالتالي خلفت فينا الكثير من العقد على سبيل المثال ما أجمل البشر وهم يتشاركون الحافلات والقطارات معا.. أليس الإنسان كائنا اجتماعيا بطبعه لا يستطيع العيش بمعزل عن أقرانه، أليس اختراع السيارات الخاصة نوعا من عزل الإنسان عن مجتمعه ودفعه نحو العزلة إلى جانب من لا يمتلكون السيارات الفارهة وما يخلفه ذلك من شعور لديهم بالحسد والتنافسية ..أليس اختراع السيارات تحول من ضرورة وجودها للمساهمة على سبيل المثال في إسعاف المرضى أو تلبية لتوصيلة سريعة إلى الرفاهية وإرساء للطبقية.. خذ على ذلك كل الاختراعات التي تمت بدءا من صالة السينما المنزلية التي أبعدتنا عن متعة صالات السينما ومشاركة الآخرين متعة الفيلم معا.. أي الابتعاد عن المتعة الوجدانية المشتركة..
الكثير من الحلول أمامنا لاسيما في ظل وجود كافة الوسائل التي نستطيع نقل رسائلنا من خلالها أبرزها الكتب والمجلات والمواقع الإلكترونية والسينما وقنوات اليوتيوب نستطيع من خلالها إرسال رسائلنا التي تدعو إلى السلام والإخوة البشرية والتسامح ..ألا نحتاج إلى تعزيز لغة الحوار بين الثقافات والحضارات عبر المنتديات والأكاديميات المختصة فالوساطة الثقافية اليوم عليها أن تقدم نفسها في المؤسسات الثقافية باعتبارها أساسا لا خيارا، تماما كما تفعل الأكاديمية العربية في الدنمارك عبر دورها المحوري بما تتيحه من فرص نوعية من مساقات وبرامج متنوعة تجمع بين تخصصات عدة وتجمع طلاب من مختلف الجنسيات، إلى جانب اتفاقيات التعاون مع جامعات عالمية عريقة وعلاقات تعاون بل وحتى شراكة أكاديمية وعلمية، وحققت الأكاديمية الكثير من الأهداف الإنسانية فكانت جسراً للحوار والتواصل وميداناً للتفاعل بين الثقافات من خلال عقد المؤتمرات والندوات وورش العمل والمعارض لتثري ساحات العلم وتكون وسيطا للتقارب الثقافي العربي الإسكندنافي، كما استطاعت أن تعلي منارتها العلمية بمجلة علمية مختصة تعزز مكانتها في آفاق العلم وتجمع مختلف المبدعين والباحثين من كافة أنحاء العالم.
ألم نشبع من الدماء بعد.. بعد كل هذه الحقب والسنوات.. الحضارة المادية مهما تقدّمت و لم تقترن بضوابط التهذيب و عناصر الحق و الخير و الجمال هي حضارةٌ مفلسةٌ محطمةٌ عواقبها وخيمةٌ.. عندما نشخّص الداء ندرك الدواء ذلك هو سبيل الطبابة والشفاء.. وعندئذٍ تسري في أوصالنا تلك الروح المرحة الطليقة و ذلك الفرح الذي يحصّن نفـوسنا و يداوي أحزاننا و يضيء الطريق كمسارج الزيت في عتمة الليل، وفي ختام مبارزتنا الكتابيّة هذه لا طائل منها ما لم تتحوّل إلى ممارسة عمليّة في واقعنا المنكوب.
{ رئيس الجامعة العربية في الدنمارك


















