التسويف: وعود نهاية العام التي تُخدِّر الضمير

 

فاروق الدباغ

مع نهاية كل عام وبداية عام جديد، يدخل كثيرون في طقس مألوف: لحظة مراجعة، تتبعها وعود صادقة في ظاهرها، مؤجلة في جوهرها.

«سأغيّر طريقة أكلي»،
«سأنزل بالوزن»،
«سأمارس الرياضة»،
«سأقلع عن التدخين أو الكحول»،
«سأتوقف عن مشاهدة الأفلام الإباحية سرًا»،
«سأنهي هذا الملف»،
«سأقلل… سأعمل… سأبدأ».

تتشابه هذه العبارات في صياغتها أكثر مما تختلف في مضمونها. فجميعها مؤجَّلة إلى وقت غير محدد، ومبنية على فعل مستقبلي غائم لا يرتبط بخطوة حاضرة. وهي، من منظور نفسي معرفي سلوكي، ليست دائمًا تعبيرًا عن نية حقيقية للتغيير، بقدر ما تكون آلية لتهدئة الضمير وتأجيل المواجهة مع الذات.
التسويف هنا لا يظهر في صورة كسل أو ضعف إرادة، بل في صورة وعد. وعد يمنح راحة نفسية مؤقتة: يكفي أن أعد نفسي الآن، لأشعر أنني تحركت، حتى لو لم أفعل شيئًا. هكذا يتحول الوعد إلى مسكن نفسي، لا إلى نقطة بداية. ويُعاد إنتاج السلوك ذاته في نهاية كل عام، وكأن الزمن وحده هو المسؤول عن التغيير.

في علم النفس، يُعرف هذا النمط باسم Procrastination Behavior، وهو سلوك يقوم على تأجيل الفعل عبر اللغة بدل السلوك، وعبر المستقبل بدل الحاضر. فحين يقول الفرد «سأقلع» أو «سأغيّر»، دون تحديد فعل فوري، يكون قد نقل المسؤولية إلى وقت غير موجود، وأراح نفسه مؤقتًا من ثقل القرار.

تكمن المشكلة في أن الدماغ لا يتعامل مع النوايا، بل مع الأفعال. فالوعد غير المرتبط بسلوك مباشر لا يضعف العادة، ولا يغيّر المسار، بل يمنح الإحساس الزائف بالتحكم. ومع تكرار هذا النمط، تتآكل الثقة الذاتية، لأن العقل يسجّل التناقض بين ما قيل وما لم يُفعل.
من منظور العلاج المعرفي السلوكي، يبدأ الخروج من دائرة التسويف بتغيير جذري في الصيغة الذهنية للتغيير. ليس المطلوب أن نعد أنفسنا بشيء كبير، بل أن نفعل شيئًا صغيرًا الآن. فبدل أن يقول الشخص «سأمتنع عن التدخين»، يكون التحول الحقيقي في قرار من نوع: لن أدخن اليوم. وبدل «سأمارس الرياضة»، يكون القرار: سأمشي عشر دقائق الآن. الفعل المحدد، في الزمن الحاضر، هو ما يكسر حلقة التسويف.

الأهم من ذلك، أن التغيير الفعلي لا يُربط بزمن رمزي مثل بداية عام أو نهاية شهر، بل بالاستمرارية. فالامتناع الحقيقي لا يبدأ بموعد، بل بقرار غير مشروط. ليس «سأتوقف لاحقًا»، بل «أنا لا أفعل هذا الآن». الفرق بين العبارتين هو الفرق بين تخدير الضمير وبناء السلوك.

في النهاية، لا يحتاج الإنسان إلى عام جديد ليغيّر نفسه، بل إلى لحظة صدق مع ذاته. فالتغيير لا يُقاس بجمال الوعود، بل بقدرتنا على تنفيذ خطوة واحدة دون انتظار الوقت المثالي. نفّذ الآن، ثم واصل. لا تعد نفسك بالمستقبل، بل التزم بالحاضر. هنا فقط، يتوقف التسويف عن كونه وعدًا… ويبدأ التغيير كسلوك.