
التأثيرات السلبية للإحتكارات الإعلامية على حرية التعبير – سعد الطائي
تعد حرية التعبير وحرية انتقال المعلومات بمثابة الاوكسجين للجسم الاعلامي والذي لا يستقيم او تدوم له الحياة من دون توفرها لوسائل الاعلام، فميزة الاعلام انه يقوم على التعددية في طرح الآراء ووجهات النظر المختلفة نحو مختلف القضايا وبما يجعل من هذه التعددية حالة صحية تضمن تلاقي الافكار والمعلومات والرؤى وتجعل من التحاور والمشاركة في الرأي دليلاً وطريقاً للمشاركة في صنع القرار والتشارك في اتخاذ المواقف والقرارات المصيرية التي تهم فئات المجتمع كافة وبما يجعل من الديمقراطية حالة واقعة سواء على الصعد الفعلية اليومية او على مستوى التحاور وتداول المعلومات والاخبار وحرية الرأي والتعبير.
كل ذلك لا يتحقق من دون توفر ادوات التعددية او وسائل التعبير المختلفة التي يمكنها طرح الافكار والرؤى العديدة والوصول الى الجمهور بسهولة ويسر من دون تعرضها لاية ضغوط او معرقلات او تأثيرات اقتصادية او سياسية او اجتماعية او غيرها من انواع الضغوط والتأثيرات التي تعمل على الحد من عملها بالصورة الصحيحة او محاولة حرفها عن اتجاهها بالاتجاه الذي يراد لها وبالشكل الذي يتفق مع اتجاهات من يعرضها الى هذه الضغوط. لذا فان الحرية لوسائل الاعلام تعد حالة مصيرية لا يمكن الاستغناء عنها مطلقاً والا تحولت وسائل الاعلام الى مجرد ابواق تسير بيد من يقودها ويوجهها.
وسائل الاعلام الاحتكارية: قلة قليلة تتحكم بملايين كثيرة :
أدت الاهمية المتزايدة لوسائل الاعلام المختلفة في حياة الناس في العصر الحديث الى تحولها الى وسيلة او حاجة ضرورية جداً لا يمكن الاستغناء عنها في حياة أي شخص لما لها من اهمية كبيرة في تعريفه بالاحداث التي تقع داخل مجتمعه او في مختلف دول العالم فضلاً عن تزويده بالمعلومات والمعارف المختلفة وارضاء هواياته او رغباته سواء كانت علمية او رياضية او ثقافية او اجتماعية او غيرها من الموضوعات التي تتواءم مع مستواه العلمي والثقافي والتعليمي. وقد شكلت الوظيفة الترفيهية لوسائل الاعلام جانباً مهما للكثير من فئات الجمهور وبما جعل الوسيلة الاعلامية شديدة الالتصاق بحياة الناس.
وقد ادركت الكثير من المؤسسات الاقتصادية والاشخاص ذوو رؤوس الاموال هذه الاهمية لذا فانها عملت على تملك الكثير من وسائل الاعلام او العمل على تاسيس قنوات فضائية او محطات اذاعية او أنشاء صحف ومجلات لا هدف لها بشكل اساس الا الربح الناتج عن الاستهلاك الدائم لمنتوجات وسائل الاعلام المختلفة.
وهنا تحولت الوسائل الاعلامية الى مجرد مشاريع ربحية تجارية لا يبغي مالكها او مجموعة مالكيها الا تحقيق اقصى ما يمكن من الارباح المالية الممكنة والمتأتية على حساب رسالة الاعلام وعلى حساب نوعية وقيمة المضمونات التي يتم التوجه بها الى المتلقين. وبسبب الارباح المتزايدة للمشاريع الاعلامية عمل الكثير من مالكي بعض وسائل الاعلام الى تملك المزيد منها سواء في نفس دولهم الاصلية او خارجها متخطين بذلك الحدود القومية ساعين الى تكوين سلسلة عالمية من مجاميع اعلامية كبيرة تعمل في دول مختلفة ومتجه الى جماهير واسعة تتكلم لغات متعددة وذوي أذواق وميول مختلفة. الامر الذي افضى الى تمركز واسع وخطير للكثير من الوسائل الاعلامية التي تتجه الى ملايين عديدة من الجمهور واصبحت تدار بيد قلة قليلة من اصحاب رؤوس الاموال مما انعكس سلباً على حرية وتعددية وسائل الاعلام ذلك ان امتلاك الكثير من وسائل الاعلام المتعددة هو حتماً سيؤدي الى طرح نفس الافكار والرؤى والانطلاق من نفس السياسة الاعلامية والتي يتم وضعها وفق مصالح مالكي هذه الوسائل والتي تتأتى وفقاً لمصالحهم الاقتصادية وهي بالتأكيد تراعي المصالح والمكاسب التجارية على حساب أي هدف او غاية مثالية للرسالة الاعلامية.
احتكارات ضخمة ووحوش كثيرة
اتجه مالكوا المؤسسات الاعلامية في الكثير من الدول الغربية الى العمل باتجاه امتلاك سلسلة واسعة وكبيرة من مختلف انواع وسائل الاعلام المرئية والمقروءة والمسموعة وتكوين احتكارات ضخمة امتدت الى الكثير من دول العالم المختلفة فظهرت شركات اعلامية عملاقة مثل نيوزكروب، فياكوم، جنرال الكتريك، برتسلمان، ديزني، تلفونيكا، يونايتد غلوبل كوم، فرانس تلكوم، اندماج تايم وانر وA.O.L فضلا عن وحوش اعلامية كبيرة تمثلت باشخاص ليس لهم علاقة بالاعلام سوى من ناحية الربح ليس الا امثال روبرت مردوخ وبرلسكوني والذين تملكوا سلسلة واسعة من وسائل الاعلام وفرضوا انماطاً اعلامية محددة على عمل وسائل الاعلام وتوجيه السياسات الاعلامية بما يؤمن لهم اكبر قدر ممكن من الارباح فاصبحت السياسة الاعلامية وقواعد العمل الاعلامي ونظمه ومنطلقاته واهدافه مرهونه بالربح المالي فالقيمة العليا في ظل الاحتكارات الاعلامية هو تحقيق المكاسب متغاضين عن الاهداف المثالية للرسالة الاعلامية.
وقد استمرت الشركات الاعلامية الكبيرة في الاندماج فيما بينها لتشكل اندماجات اعلامية وكيانات اقتصادية واعلامية ضخمة جداً ذات اموال تقدر رؤوس بمليارات الدولارات ساعية الى زيادة ارباحها باي شكل في سوق اعلامية عالمية كبيرة جدا تعرف الاتساع المتنامي لاعماله وتتجه الى جمهور عالمي كبير يقدر بمليارات الاشخاص الامر الذي جعل من هذه الاحتكارات العملاقة تسيطر على الجمهور العالمي وتفرض القيم التي تتفق مع توجهاتها ومصالحها وان يكون دور الجمهور هو التلقي للمواد الاعلامية من دون مراعاة قيمه ومصالحه واهدافه وما يطمح اليه من التعرض للوسائل الاعلامية.
وقد نتج عن اندماج الاحتكارات الاعلامية فيما بينها تكوين ميزانيات مالية ضخمة جداً ساعية بذلك الى فرض سيطرتها الاقتصادية والاعلامية والثقافية والقيمية على السوق الاعلامية العالمية بفعل ما تملكه من امكانات مالية وتتقنية وملاكات بشرية متقدمة في مجالات العمل الاعلامية وبما تملكه من خبرات متخصصة في التعامل مع متغيرات السوق الاعلامية.
فقد نتج اندماج شركتي تايم ورنر واي او ال ميزانية تقدر بـ 36.7) ) مليار دولار. فيما قدرت الميزانية الناتجة عن اندماج شركة سي بي اس وفياكوم 10.7) ) مليار دولار. وميزانية اندماج شركتي أي تي وشركة تي في شركة واحدة 9.9) ) مليار دولار اما ميزانية اندماج شركتي دزني واي بي سي فقد بلغت 7.5) ) مليار دولار وبلغت ميزانية اندماج شركتي جي أي وان بي سي اكثر من 7) ) مليار دولار.
الامر الذي يشير الى ضخامة المبالغ المالية الموظفة في الشركات العاملة في مجال الاعلام وطموحها في تحقيق اقصى ما يمكن من توسعات مالية وفنية وتكنولوجية من اجل العمل على الاستحواذ على اكبر ما يمكن من حصص في السوق الاعلامية المتعاظمة الارباح.
الاعلام لا يعيش من دون التعددية
ان حرية التعبير وحرية الآراء في تناول الامور ومختلف القضايا الاجتماعية والسياسية والثقافية وغيرها من انواع الموضوعات بمثابة الضمانة الحقيقية لاستمرارية الاعلام في تأدية الدور المطلوب منه في المجتمع وما يقدمه من وظائف للجمهور وما يطمح له من تأدية اهداف مثالية في التثقيف والتعليم والاعلام ورفع مستويات الجمهور وغيرها من اهداف يمكن ان تتحقق في ظل اعلام تعددي متنوع يرعى الاهداف العليا للمجتمع بمختلف طبقاته الاقتصادية ومستوياته الاجتماعية والثقافية والتعليمية لا ان يتجه الى الاحتكار والتمركز بيد قلة قليلة من الافراد والمؤسسات توجهه الوجهه التي تتفق مع مصالحها المادية وتوجهاتها الفكرية وفي هذه الحالة سيتجه الاعلام بكل تأكيد الى الركود والتحجر والانهزام امام مارد المال الذي لا يعرف لغة اخرى غير لغة الربح والخسارة وسيلة للتفكير والعمل الامر الذي لا يؤدي الا الى تسليع الاعلام وتنميطه وجعله مادة للكسب والربح من دون الاهتمام بمحتواه الثقافي والفكري والفني والعقلي والوجداني والذي لا يجلب للرسالة الاعلامية ومضموناتها وقيمتها غير الخسارة القيمية بالتحصيل النهائي بغض النظر عن الارباح المالية المتأتية من هكذا مشاريع والتي هي بالتأكيد على حساب الاهداف والوظائف المطلوبة من وسائل الاعلام.
















