البحث‭ ‬العلمي في‭ ‬العراق‭ ‬الى‭ ‬أين؟‭ ‬- د. سعد غالب ياسين

الان‭ ‬وبعد‭ ‬ان‭ ‬هدأت‭ ‬عاصفة‭ ‬التعليقات‭ ‬والمناقشات‭ ‬حول‭ ‬مؤشر‭ ‬النزاهة‭ ‬البحثية‭ ‬والعلمية‭ ‬لباحث‭ ‬لبناني‭ ‬ومنها‭ ‬ماصدر‭ ‬عن‭ ‬مؤسسات‭ ‬وجامعات‭ ‬وافراد‭ ‬من‭ ‬اراء‭ ‬متناقضة‭ ‬تراوحت‭ ‬بين‭ ‬انكار‭ ‬وجود‭ ‬مشكلة‭ ‬أو‭ ‬المبالغة‭ ‬وجلد‭ ‬الذات‭ ‬لغايات‭ ‬غير‭ ‬موضوعية‭ ‬أو‭ ‬ربما‭ ‬بنوايا‭ ‬حسنة‭. ‬نشير‭ ‬بعد‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬أن‭ ‬لامندوحة‭ ‬لنا‭ ‬من‭ ‬القول‭  ‬أن‭ ‬أشكاليات‭ ‬البحث‭ ‬العلمي‭ ‬انتاجا‭ ‬وجودة‭ ‬ونزاهة‭ ‬واستدامة‭ ‬لاتمس‭ ‬بلدا‭ ‬ناميا‭ ‬بعينه‭ ‬وانما‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬اليوم‭ ‬قضية‭ ‬تواجه‭ ‬كل‭ ‬المجتمعات‭ ‬والدول‭ ‬بنسب‭ ‬وأشكال‭ ‬وشروط‭ ‬وتحديات‭ ‬متفاوتة‭ . ‬وبطبيعة‭ ‬الحال‭ ‬تبقى‭ ‬مسالة‭ ‬التعليم‭ ‬والبحث‭ ‬العلمي‭ ‬ونقل‭ ‬التكنلوجيا‭ ‬والابتكار‭ ‬والتنمية‭ ‬الشاملة‭ ‬والمستدامة‭ ‬قضايا‭ ‬وجودية‭ ‬ومصيرية‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭  ‬او‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تدشن‭ ‬أطوارا‭ ‬متقدمة‭ ‬من‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والاجتماعي‭.‬

أقول‭ ‬بعد‭ ‬كل‭ ‬هذا‭  ‬يقع‭ ‬على‭ ‬عاتق‭ ‬الجهات‭ ‬ذات‭ ‬العلاقة‭ ‬وبصفة‭ ‬خاصة‭ ‬رئاسة‭ ‬الوزارة‭  ‬وزارة‭ ‬التعليم‭ ‬العالي‭ ‬والبحث‭ ‬العلمي‭ ‬أجراء‭ ‬مراجعة‭ ‬موضوعية‭ ‬وشفافة‭ ‬لمكانة‭ ‬العراق‭ ‬في‭ ‬ميادين‭ ‬البحث‭ ‬العلمي‭ ‬والانتاج‭ ‬البحثي‭ ‬الرصين‭ ‬استنادا‭ ‬الى‭ ‬بيانات‭ ‬موثوقة‭ ‬ودولية‭ ‬تتولى‭  ‬تصنيف‭ ‬الدول‭ ‬والمؤسسات‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬الانتاج‭ ‬العلمي‭ ‬الرصين‭ ‬والمنشور‭ ‬في‭ ‬مجلات‭ ‬عالمية‭ ‬مرموقة‭ ‬ومفهرسة‭ ‬في‭ ‬مستوعبات‭ ‬دولية‭ ‬معروفة‭. ‬ويتفق‭ ‬الجميع‭ ‬أن‭ ‬مؤشر‭ ‬نيشر‭  ‬هو‭ ‬من‭ ‬اهم‭ ‬وأرقى‭ ‬مؤشرات‭ ‬تصنيف‭ ‬الدول‭ ‬والموسسات‭ ‬Nature‭ ‬Index 

منذ‭ ‬انطلاقه‭ ‬في‭ ‬2014‭.‬ويعتمد‭ ‬التصنيف‭ ‬على‭ ‬عدد‭ ‬الاوراق‭ ‬العلمية‭ ‬الاصيلة‭ ‬المنشورة‭ ‬في‭ ‬مجلات‭ ‬عالمية‭ ‬مرموقة‭ ‬حيث‭ ‬يمنح‭ ‬الموشر‭ ‬عددا‭ ‬قدره‭ ‬1‭ ‬لكل‭ ‬ورقة‭ ‬بحثية‭ ‬تضم‭ ‬باحثا‭ ‬واحدا‭ ‬على‭ ‬الاقل‭ ‬من‭  ‬الدولة‭ ‬أو‭ ‬المؤسسة‭ ‬المعنية‭ ‬ويسمى‭ ‬العدد‭ . ‬كما‭ ‬يحسب‭ ‬العدد‭ ‬الكسري‭ ‬المسمى‭ ‬مشاركة‭ ‬لتحليل‭ ‬الناتج‭ ‬العلمي‭ ‬المنشور‭.‬

وقد‭ ‬أصدر‭ ‬المؤشر‭ ‬تقريره‭ ‬لهذه‭ ‬السنة‭ ‬فماذا‭ ‬نجد؟

لقد‭ ‬تبوأت‭ ‬الصين‭ ‬المرتبة‭ ‬الاولى‭ ‬بعدد‭ ‬نقاط‭ ‬بلغ‭ ‬39748‭ ‬تليها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الامريكية‭ ‬والمانيا‭ ‬والمملكة‭ ‬المتحدة‭ ‬واسرائيل‭. ‬وتظهر‭ ‬السعودية‭ ‬في‭ ‬تسلسل‭ ‬ثمانية‭ ‬وعشرين‭ ‬ثم‭ ‬تركيا‭ ‬بتسلسل‭ ‬33‭ ‬وايران‭ ‬بتسلسل‭ ‬34‭. ‬ومن‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬تسبق‭ ‬العراق‭ ‬مصر‭ ‬وقطر‭ ‬وعمان‭ ‬ولبنان‭ ‬وتونس‭ ‬والاردن‭. ‬كما‭ ‬تسبقنا‭ ‬دول‭ ‬افريقية‭ ‬مثل‭ ‬اوغندا‭ ‬‭,‬‭ ‬اثيوبيا‭,‬‭ ‬كاميرون‭,‬‭ ‬غانا‭,‬‭ ‬راوندا‭,‬‭ ‬النيجر‭ ‬والكونغو‭. ‬أما‭ ‬تسلسل‭ ‬العراق‭ ‬فهو‭ ‬118‭ ‬بعدد‭ ‬16‭ ‬ونسبة‭ ‬مشاركة‭ ‬1‭.‬28

ومن‭ ‬الجدير‭ ‬بالاشارة‭ ‬ايضا‭ ‬ان‭ ‬الجامعة‭ ‬التي‭ ‬تصدرت‭ ‬التصنيف‭ ‬وطنيا‭ ‬كانت‭ ‬جامعة‭ ‬السليمانية‭ ‬بعدد‭ ‬3‭ ‬ونسبة‭ ‬0‭.‬58‭ ‬وجامعة‭ ‬بغداد‭ ‬بالمرتبة‭ ‬الثانية‭ ‬بعدد‭ ‬3‭ ‬وجامعة‭ ‬الموصل‭ ‬بالمرتبة‭ ‬الثالثة‭ ‬بعدد‭ ‬1‭ ‬ومشاركة‭ ‬0‭.‬10

وفي‭ ‬كل‭ ‬الاحوال‭ ‬يمكن‭ ‬ان‭ ‬نستنتج‭ ‬بموضوعية‭ ‬وبعيدا‭ ‬عن‭ ‬تضخيم‭ ‬الذات‭ ‬أو‭ ‬جلدها‭ ‬أو‭ ‬انكار‭ ‬الحقائق‭ ‬المرة‭ ‬ان‭ ‬الانتاج‭ ‬العلمي‭ ‬الرصين‭ ‬دوليا‭ ‬للعراق‭  ‬وفق‭ ‬مؤشر‭ ‬نيتشر‭ ‬يكاد‭ ‬لايذكر‭ ‬مقارنة‭ ‬بدول‭ ‬الجوار‭ ‬والمنطقة‭ ‬وهذا‭ ‬يؤشر‭ ‬على‭ ‬الضعف‭ ‬المؤسسي‭ ‬للبحث‭ ‬العلمي‭ ‬المنشور‭ ‬وهو‭ ‬ضعف‭ ‬تشكل‭ ‬بنيويا‭ ‬خلال‭ ‬عقود‭ ‬من‭ ‬الازمات‭ ‬والكوارث‭ ‬وهجرة‭ ‬العقول‭ ‬والكفاءات‭ ‬وتدهور‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬الفكري‭ ‬الوطني‭ ‬للعراق‭ ‬الذي‭ ‬يجب‭ ‬ان‭ ‬يتم‭ ‬قياسه‭ ‬سنويا‭ ‬اسوة‭ ‬ببقية‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬النامي‭ ‬والمتطور‭ . ‬بناءا‭ ‬على‭ ‬ماتقدم‭ ‬مانحتاجه‭ ‬الان‭ ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬ضعف‭ ‬جودة‭ ‬وانتاجية‭ ‬الموسسات‭ ‬التعليمية‭ ‬العراقية‭ ‬وانغلاق‭ ‬هذه‭ ‬الموسسات‭ ‬مع‭ ‬كوادرها‭ ‬واساتذتها‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬مجالات‭ ‬التعاون‭ ‬العلمي‭ ‬الدولي‭ ‬المثمر‭ ‬والمشروعات‭ ‬العلمية‭ ‬المشتركة‭ ‬والتمويل‭ ‬الدولي‭ ‬للمشروعات‭ ‬البحثية‭ ‬ذات‭ ‬الطابع‭ ‬المؤسسي‭ ‬باستثناء‭ ‬جهود‭ ‬فردية‭ ‬لاساتذة‭ ‬في‭ ‬الجامعات‭ ‬العراقية‭ ‬من‭ ‬الذين‭ ‬يحاولون‭ ‬بروح‭ ‬مثابرة‭ ‬واصرار‭ ‬على‭ ‬تصدر‭ ‬النشر‭ ‬العلمي‭ ‬في‭ ‬مجلات‭ ‬دولية‭ ‬مرموقة‭ ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬لايكفي‭ ‬وتاثيره‭ ‬الايجابي‭ ‬ضعيف‭ ‬لانه‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬عدد‭ ‬محدود‭ ‬من‭ ‬التدرسيين‭.‬

مايحتاجه‭ ‬العراق‭ ‬هو‭ ‬صياغة‭ ‬وتطبيق‭ ‬استراتيجية‭ ‬شاملة‭ ‬للبحث‭ ‬العلمي‭ ‬والابتكار‭ ‬المستدام‭ ‬لتنمية‭ ‬مستدامة‭ ‬تتناول‭ ‬التحول‭ ‬الرقمي‭ ‬والذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬والابتكار‭ ‬وريادة‭ ‬الاعمال‭ ‬مع‭ ‬خارطة‭ ‬طريق‭ ‬وخطة‭ ‬تنفيذية‭ ‬مفصلة‭ ‬ومؤشرات‭ ‬اداء‭ ‬رئيسية‭ ‬يتم‭ ‬تطويرها‭ ‬بمؤتمر‭ ‬وطني‭ ‬لعلماء‭ ‬العراق‭ ‬في‭ ‬الوطن‭ ‬والمهجر‭.‬

ويحتاج‭ ‬العراق‭ ‬ايضا‭ ‬الى‭ ‬اعداد‭ ‬قانون‭ ‬جديد‭ ‬للجامعات‭ ‬العراقية‭ ‬وتاسيس‭ ‬هيئة‭ ‬وطنية‭ ‬مستقلة‭ ‬ترتبط‭ ‬برئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬لاعتماد‭ ‬مؤسسات‭ ‬التعليم‭ ‬العالي‭ ‬ولضمان‭ ‬جودتها‭ ‬بالاضافة‭ ‬لاعادة‭ ‬النظر‭ ‬بنظام‭ ‬وتعليمات‭ ‬الترقيات‭  ‬العلمية‭ ‬ليواكب‭ ‬المعايير‭ ‬العالمية‭ ‬وبما‭ ‬يضمن‭ ‬توافر‭ ‬مؤشرات‭ ‬موضوعية‭ ‬ونزيهة‭.‬