الإعلام المفتوح والطفولة المتمردة – علي احمد المعماري

د. علي احمد المعماري

تشير المواقع على شبكة التواصل الاجتماعي إلى البرامج التي تعتمد على شبكة الانترنيت لتسهيل التواصل بين المستخدمين وتبادل المعلومات، ناهيك عن المعلومات المخزونة على الحواسيب الشخصية وأجهزة الهواتف المحمولة، ويمكن توظيف استخدام هذه المواقع لاهداف اجتماعية؛ لتحقيق التفاعل بين الأصدقاء وبين أفراد العائلة الواحدة.
وتعد مرحلة الطفولة من أهم المراحل وأخطرها، فهي المرحلة التي يتم فيها وضع البذور الأولى للشخصية والتي ستتبلور وتظهر ملامحها في مستقبل حياة الطفل، والتي تنمو وتتكون فيها فكرة وصورة واضحة وسليمة عن نفسه، ومفهوم محدد لذاته من الناحية الجسمية والنفسية والاجتماعية بما يساعده على الحياة في المجتمع ويمكنه من التكيف السليم مع ذاته.
مرحلة الطفولة هي العمر الأمثل للتعليم واكتساب المهارات المختلفة، فهي مرحلة تجريب واستطلاع يستمتع فيها الطفل بأي عمل جديد؛ لذا يجب على القائمين على تربيته وتوجيهه وتعليمه تدريبه علي اكتساب المهارات المعرفية والاجتماعية والحركية والحسية بما يساعده على الاعتماد على النفس في أدارة شؤونه بشكل جيد ومثمر مستقبلا.

ومن الجدير بالملاحظة أن مرحلة الطفولة المبكرة تحظى باهتمام بالغ في المرحلة الراهنة على المستويات الدولية والاقليمية والمحلية كافة، بل إن معظم الجهات والمؤسسات الدولية تجعل التربية المبكرة التي تقديمها في هذه المرحلة حقا من حقوق الطفل على أسرته ومجتمعه.
وتعد الأنشطة المرتبطة بالأبوة والأمومة أساس التربية وأساس العلاقات والروابط بين أفراد الأسرة كذلك، ومن أهم أنماط هذه العلاقات علاقة الآباء بأبنائهم، وهذه العلاقات تمثل أنموذجا للتفاعل المتبادل الذي يؤدي إلى ظهور توقعات اجتماعية ثابتة، وهذه التوقعات تعكس دورا محددا يتمثل بمسؤولية الآباء عن تربية وتنشئة أبنائهم اجتماعيا ورعايتهم وحمايتهم وتوجيههم وتقديم المساعدة والمساندة لتحقيق طموحاتهم المستقبلية.

وفي الواقع المنظور اليوم وجود قنوات عديدة تساعد الطفل في تنشئته الاجتماعية؛ إذ لا يتوقف الأمر على دور الأسرة بل يمتد إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فالمدرسة، وجماعة الرفقة، ووسائل الإعلام، و دور العبادة، لها الأثر الكبير في تشكيل معتقدات الطفل عن العالم الخارجي، كما تمثل مواقع التواصل الاجتماعي إحدى أهم هذه العوامل فيما يظهر جليا فيتعرف الطفل عبر التفاعل على مفردات العالم خارج نطاق الأسرة بما يسهم على نحو واسع في عملية التنشئة الاجتماعية.
وفي الحقبة الأخيرة شهدت مواقع التواصل الاجتماعي نموا وانتشارا واسعا، إذ أصبحت من أهم التطبيقات الاتصالية على الشابكة (الانترنت)، بل وأكثرها شيوعا وانتشارا في العراق والعالم، وتتعدد هذه المواقع، وتنوعها واختلافها فيما بينها من حيث طبيعة عملها، وكيفية استخدامها، وسماتها، كما انها تتباين من حيث مدى جماهيرية كل منها، ومن أمثلة هذه المواقع: (الفيس بوك، والتويتر، والواتساب، والانستكرام، التيليكرام، والتيك توك) والتي تعد أشهر مواقع التواصل على الانترنت وأكثرها شعبية وجماهرية في العراق.
وفي ضوء ما سبق أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي تقوم بالدور الأكبر في تربية الأبناء لتحل محل الكثير من الأمهات والآباء، فالأطفال يقضون الكثير من الوقت في استخدام هذه المواقع والتفاعل معها بما تقدمه من وسائط ومواد مختلفة متضمنة لسلوكيات ونماذج وقيم قد لا يعلم الآباء عنها شيئا، فضلا عن أن المشكلة تكمن في أن هذه المواقع قد تأخذ الأطفال تماما بعيدا عن التواصل مع والديهم وبقية افراد الاسرة ؛ وهو الأمر الذي يحتاجه الطفل للتعلم والنمو.

ومع التطور التكنولوجي الذي شهدته الحقبة الاخيرة أصبحت تطبيقات مواقع التواصل الاجتماعي _على الهاتف المحمول وبقية الاجهزة الاخرى _ في متناول نسبة غير قليلة من الأطفال والتي تتزايد باستمرار مع تزايد استخدام الأطفال في ضوء رخص ثمنه، ومما زاد الطين بلة في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والهاتف المحمول من قبل فئة الأطفال هو انتشار خطر فايروس كورونا وتحديد حركة الناس وحجرهم في المنازل مما أدى إلى استخدام التلاميذ للانترنيت بسبب الحاجة الملحة والماسة للدراسة من قبل المؤسسات التربوية رغم أنها أرهقت كاهل الكثير من أبناء المجتمعات بسبب الكلفة المادية العالية للأجهزة المستخدمة لهذا الغرض.
وفي هذا الإطار تبرز أهمية دور الآباء في التدخل في أنماط تعرض أطفالهم لمواقع التواصل الاجتماعي، وعلاقة ذلك باتجاهات الأطفال ونحوها؛ بما يتضمنه هذا الاتجاه من مكون معرفي ومكون وجداني وميل سلوكي نحو هذه المواقع، وكيفية إدراك الأطفال لما يتعرضون له عن طريقها، وعلى تفسيراتهم لما يتعرضون له من مضمون عبر هذه المواقع، والوقت الذي يقضونه في التفاعل معها، حتى لا يؤثر كل ذلك على صحة الأطفال أو وقت ممارسة الأنشطة الأخرى أو اكتساب بعض السلوكيات والمفاهيم غير المرغوبة، كل ذلك بوساطة استراتيجية يتبعها الآباء والأمهات داخل الأسرة فتشمل ضوابط التحكم فضلا عن تحديد استخدام المواقع ومشاركة الأطفال بالمشاهدة ونقاشهم بشكل موضوعي هادف وبطريقة بسيطة سلسلة من خلال الرؤية والخبرة التي يمتلكها الآباء وإدراكهم للتأثيرات الإيجابية والسلبية للمواقع، فالحقيقة التي لا بد من الجهر بها أنه إذا لم يتم تدارك سلبيات مواقع التواصل على الأطفال التي تنعكس مباشرة على سلوكهم، فعلى الآباء قبول تمرد أبنائهم وعقوقهم الذي سيعده أبناؤهم حقا من حقوقهم على وفق ما تعلموه من مواقع التواصل في ظل خطورة الإعلام المفتوح.