الاستعارة في الكتابة الشعرية لدى الشاعر عبد الحق بن رحمون

 

محمد علوط – ناقد من المغرب
دراسة نقدية : الرّحم المنجب..  كمنوال مؤمثل..اشتغال الاستعارة في الكتابة الشعرية لدى الشاعر المغربي عبد الحق بن رحمون

في كتابها “المقاربات العرفانية وتحديث الفكر البلاغي” (1) تعرض وسيمة نجاح مصمودي لأنمودج بلاغيّ تنعته بالنموذج المؤمثل، وهو نموذج ذو طبيعة استعارية على شاكلة (المناويل الاستعارية) عند لايكوف و جونسن، (2) وهو بالأساس [نموذج أوليّ مثالي] سنوظفه في سياق هذه القراءة النّقدية من أجل اقتفاء آثار وعلامات وبصمات الأنموذج الاستعاري الذي ينظم فاعلية الكتابة الشعرية في دواوين الشاعر عبد الحق بن رحمون :

– “صاحبة السعادة” 2020 .

– “النسر القروسطي يليه وترزرياب الأخير” 2021

– “وجهي في النهر يدي في البياض” 2023

ديوان “صاحبة السعادة” هو عبارة عن سيرة مجازية لـلأم [أم الشاعر طبعا]، والتي هي في منكتب الديوان ظلّ مرآوي لأنا الشاعر. أي أحد المجازات الغيرية الكبرى التي يتوسل بها الشاعر للإشارة إلى [مضمرات سيرته الشعرية] من زاوية النشأة والتخلق والتكوين:

( أكتب قصيدة

الأم

وتجل في حرف الملكوت .

….

لغة الشعر :

الأم بلاغة

السّر

في الكون الأزلي . )

[ص 124]

أمّا ديوانه “النسر القروسطي” فهو يعيد كتابة هذه السيرة بـ [مجازات دالّ المكان] ما بين المغرب واسبانيا (الذاكرة الأندلسية). تتسيد جغرافية خرائطية (شفشاون، فاس، مراكش، الدار البيضاء.. قرطبة، اشبيلية ..) باعتبارها أمكنة الذاكرة (الفردية والجماعية) . و من خلال رمزية المكان ينكتب الزمن الشعري بتلاوينه الحاشدة بنداءات الكلمة الشعرية وطروس المعنى، والإيقاعات التي تتصادى من خلالها النصوص والأصوات والأسماء والتجارب. في حركة ترحال مستديم من حاضر النص الشعري إلى مجاهيل الذاكرة الشعرية العربية والكونية:

نقتطف من هذا الديوان استدلالين. الاستدلال الأول يستحضر [الشاوية]: وهو أحد الأمكنة الرمزية الأشد حضورا في الأب المغربي سرده وشعره (3) وذلك لأنه موئل لذاكرة مشتركة أنتجت متخيلا أدبيا منصهرا برواكز أنساب الشعراء وسيرهم ومجيئهم إلى الأدب. وفي هذا الاستدلال إحالات تناصية إلى “حوض النعناع” للعربي باطما وديوان “الفروسية” لأحمد المجاطي و رواية “زمن الشاوية” لشعيب حليفي:

 

( فروسية الشاوية

 

من جهة القلب

أضع جدور النعناع

في مقلتي صوتك

ويحن صدري

إلى أغنية الشاوية

لتأتي جياد الفروسية

عابرة مجد السهول الولهانة

بزرابي شقائق النعمان .)

[ص 119] الاستدلال الثاني هو المتمثل في النص الشعري “مئذنة حسان” الذي يستحضر مدينة [الرباط]، والشعر المغربي حافل باستحضار هذه المدينة بمشتبك ترميزاتها التي تؤرشف لأزمنة “العبور الإبداعي” نحو ممالك الشعر والأدب . والرباط في ذلك مثل فاس و شفشاون وطنجة ومراكش كلها “أمكنة سيرية للذاكرة الشعرية”، ولو شئنا اقتفاء مسالك هذا الأثر لاحتجنا إلى فيض غامر من الشواهد والأمثلة . نقرأ القصيدة :

(مئذنة حسان

خذني في طريقك يا نهر مدينتي الصغير

أنا ما أردت الخطو بدونك

فأنا حجر صغير سقط من ساق الجبل

ووجهتي الرباط

لأربط رأسي بالعمامة،

وأصحو أولا أفيق .

فمكاني فوق مئذنة حسان

وكفى من عاطفة

أو عاصمة لا مركب لها

في ميلاد الأنوار.

خذني في طريقك

يا نهر مدينتي الصغير

لانتظر لحجر ثقيل على القلب

بأجسام حافية القدمين

فطريقنا واحد.)

[ص 126 – 127]

في ديوانه “وجهي في النهر يدي في البياض” لن نحتاج إلى تأويل عسير للإدراك أن المدلول الرمزي للنهر هو [الفعل الشعري] كما أن المدلول الرمزي للبياض هو أمثلة مؤسطرة لـ [الميلاد الشعري ورمزية الإسم الشخصي]،حيث من أغوار مشاكلة لبلاغة اللغة الصوفية و إشارياتها العرفانية، يصير الديوان برمته وبمختلف نصوصه تجسيدا لفعل الشعر بما هو تعبير عن توق الأنا الشعري للتوحد بمطلق [مرموزات مثالها]:

 

( إذا وقفت على بابها

فتحت قفل

زينتها .

عند كل باب موارب

انفتح،

إذا تجاوزت عتبته

تسلقت دالية

عشقها

وفاضت ينابيع أحواض

الأحضان

(…)

فمن أنا ؟

أنا الشمس

أنا الوردة

أنا الصبية

أنا بداية النور

مذكرة صفاء

الروح

أنا الطير الواقف

لا تحجبه ظلال الوقت . )

[ص 15 / ص25]

تتناسل الاستعارات التّمثليّة: (أنا الشمس/ الوردة/ الصبية/ بداية النور/ الطير: المعراحيّ الدلالة كما في “منطق الطير” لفريد الدين العطار) متوازية مع مجازات: (الباب، العتبة، الدالية،الينبوع) لتنصهر مرموزاتها في [ نواة أصلية أولى] للمعنى الشعري مشيرة إلى إسكان صوت الأنا الشعري في قلب [اللحظة الميلادية]، والإقامة في صلب استعارات [الميلاد المتجدد].

في هذه اللغة الشعرية يقوم المجاز بدور متمفصل: إنه في الآن ذاته مشهد الكتابة ولوح التدوين. يقربنا بول ريكور من هذا المعنى حين يقول : “إذا كانت القراءة ممكنة ، فذلك ليس لأن النص مغلق على ذاته، بل مفتوح على شيء آخر. قراءة النص تعني، انطلاقا من كل الفرضيات الممكنة ، تسلسل خطاب جديد حول خطاب النص” (4)

انعقاد مشهد الكتابة حول النموذج المؤمثل لرمزية اللحظة الميلادية هو حلم يقظة (5) النّص الشعري في الدواوين الثلاثة . إنه استعادة لمشهد بدئي مؤسطر من خلال سعي الذات الشاعرة لفك الأسر من أغلال وقيود واقع [قيد الانتفاء]، واقع يحبل بمعاني الفقد، وارتكاسات الغياب والموت، وذلك الخوف الأصلي من التفكك والسقوط والاندثار.

في الدواوين الثلاثة تحل الكلمة الصوفية في حسد النص الشعري معبرة عن نزعة للتسامي، وخالقة من إواليات الكتابة [طقسا تطهيريا] يشتبك بـ “منوال استعاريّ” له صلة عميقة برمزيّة [الخطيئة الأولى]، وهو أمر يستفيض بول ريكور في تبيان وتأويل رمزياته في قراءته للمخيال الشعري وعلاقته بالنصوص المقدسة، وأيضا بأسطورة الخلق والتكوين (6).

في كل هذه النصوص، ومن داخل لغة صوفية عرفانية اشراقية، يتم فعل استعادة [آدم الشعر] في مشهد تلقي وتلقين الأسماء الأولى للذات والعالم والكينونة. نقرأ من ديوان: “وجهي في النهر يدي في البياض” تجليات هذا المعنى مشفوعا بنزعة التسامي ورمزيات الطقس التطهيري:

(الكون نور في عزلة لا يفنى

وأنا في صفحة الكتابة

ريشة .. ترمش كلمتها في سر

شروق الشمس

..

يا خالق الكون

عشنا الخوف

نقف أمام بابك عاجزين

صامتين ومسبحين

هنا نورك لنتجلى في مداد

كواكبك

..

انفخ في الليل

حتى يظهر شعاع النهار

 

انفخ روحك

في ذات الورقة

هناك محو في اللوح

 

انفخ دائما

في شقائق التراب

هناك روح تنمو

من بذرة مشتعلة

بالعشق .)

[ص60/98 ]

يصطبغ مشهد الكتابة الشعرية باستدعاء أسطورة البدء والخلق تعكس مراياها إشراقات المعنى الشعري، ولهذا فإن القضاء المتخيل للغة الشعرية يستحضر استحضارا جارفا استعارات العناصر الكونية الأولى (الطين، الماء، النار، الهواء) كقوى ايجابية لنفي المحو والموت ضد إرادة الوجود السالب .

يتوحد أيضا المعنى الشعري بقوة السؤال الأنطولوجي للكينونة المتسامية والمؤسطرة حيث لا يكف الشاعر عن استلهام رمزية الطائر من سجلات الإشراق الصوفي العرفاني، وبالأخص من خلال الانفتاح على نصّ (منطق الطير) لفريد الدين العطار وإشراقات النور في أشعار السهروردي . ” 7 ”

كثيرة هي الأعمال الشعرية التي انتسج فضاءها التخييلي من خلال آصرة التشاكل بين التصوف والشعر في الكتابة الشعرية المغربية . ومن المؤكد أن المنجز الشعري لعبد الحق بنرحمون يندرج ضمن سجلات هذه الإبداعية التي تؤاخي بين بلاغة البيان وبلاغة العرفان، بين لغة العبارة ولغة الإشارة، وبين دعاوي الحداثة الشعرية ولزوم تبيان أن المتن الصوفي حذر ذاكراتي أصلي للإبداعية الشعرية المغربية، لا يكف يضخ الدماء في حياة اللغة والمعنى وفي تشييدات التخييل والخيال والمتخيل .

تجنح هذه الكتابة الشعرية ذات الأثر الذي ينهض على قوام [المنوال الاستعاري الصوفي] إلى الابتعاد عن المنزع الفلسفي/ الهرمسي في نصوص الشاعر محمد السرغيني على سبيل المثال، إذ يؤثر الشاعر بدل ذلك المسلك الاستبطاني لشعرية التأملات الرومنطيقية على غرار الكثير من النصوص من ذات الصوب لدى الشاعر عبد الكريم الطبال ، لذلك فإن المجاز الصوفي لديه هو[خطاب وجدان] و [تبصور رؤيوي] لوضع إشار الذات في صبوات نشدان المطلق الجماليّ و العاطفي ، ومثل هذه التمييــزات

أشار إليها بوضوح الشاعر أحمد بلحاج آيت وارهام في كتابه الشيق ” الرؤية الصوفية للجمال ” – 8 – وهو يفرق بين الوجدان الصوفي الرومنطيقي والتأمل الفلسفي الصوفي :

(ألقاب الحبّ

قلت : أنا الودود والود ، يا سيدة القصائد

أنا سطر على خفق لحن نهدك

كتبت بلذة الصبي المشتاق إلى

حليب البذرة .

ثم بحث بالود للجبال والوديان

وبحث في صلاتي

وذكرتك في ورد العشاق

وذكرت اسمك كوسادة الندى

وتقطر الود في الورد

بالشذى وألحان العود

( وقال الشيخ الأكبر ابن عربي :

الود : من ألقاب الحبّ

وله اسم إلهي : وهو الودود والود من نعومته

وهو الثابت فيه

وبه سمي الودود : لثبوته في الأرض.))

[ص 76-77 : من ديوان

“النسر القروسطـــــــي”]

يوشي هذا الاستدلال الشعري ، كما جل الاستدلالات الشعرية التي أوردناها، خصوصا من خلال [حليب البذرة] أن النص الكموني في قصائد الشاعر هو [نص الرحم المنجب].نتمثل هنا بقول لجاك دريدا: “لا يكون النص نصا إذا لم يخف من النظرة الأولى والمقام الأول قانونه الأول وقواعد لعبه. (8)

نص الرحم المنجب هو النص الأصلي الأول الذي يثوي مضمرات اللغة الشعرية. إنه الماء الذي يسقي شجرة الكلام والطين الأول لاختمار جسد المعنى الشعري، الحد الاشاريّ المحتجب تحت ظاهر القول. العين الداخلية للأنا الشعري التي تتبصر النور في غسقية الظلال.

نتذكر هنا قولة بول ريكور: “الحلم ميثيولوجيا النائم والأسطورة حلم اليقظة “. (9) ثمة في هذه اللغة الشعرية بكل مناويلها الاستعارية التي كشفنا عنها أمكنة تخييلية رمزية لتوحد الحلمي بالأسطوري في جسد المجاز. ذلك ما يميز قوة الشعر بالتجديد . العودة بالمعنى إلى مبتدأ الـ “كن”، كما النفري في مواقفه ومخاطبته حيث يتماهى الاسم بالمسمى ويحتجب كل منهما بحضور وشهود غيره .

***

هوامش الدراسة :

1 / وسيمة نجاح مصمودي ” المقاربات العرفانية و تحديث الفكر البلاغي ” . كنوز المعرفة . ط 1 – 2017

2 / نفس المرجع السابق حول مفهوم المنوال العرفاني المؤمثل – صفحة 97 .

3 / يمكن القول أن راكز المكان عنصر أساسي في تشكل الهويات يمكن الأدبية و الإبداعية و قياسا على هذا يمكن الربط بين فاس و محمد بنيس و بين شفشاون و الطبال بين الفقيه بنصالح و الدار البيضاء و عبد الله راجع .. وتتعدد الأقيسة من هذا النوع في متن الشعر المغربي. ( هذا : موضوع دراسة نقدية لنا في مكان آخر ) .

 

4 /

Paul Ricoeur * Du texte a l action *

Ed. Points . p 170

5 / نحيل هنا على مفهوم حلم اليقظة بالمعنى الفرويدي في مقالته الشهيرة ( الإبداع و أحلام اليقظة) – راجع :

S . Freud *

La création littéraire et le rêve éveillé *

Ed Marques 2020

6 / را بالخصوص :

P . Ricoeur * Le mythe interpretation philosophique *

Paris . 1992

7 / يمكن أن نضيف إلى فريد الدين العطار الشاعرين عمر ابن الفارض و عفيف الدين التلمساني .

8 / را : أحمد بلحاج آيت وارهام ” الرؤية الصوفية للجمال ” منشورات ضفاف . 2014 .