الإجرام الإلكتروني العابر للحدود – أكرم عبد الرزاق المشهداني

الإجرام الإلكتروني العابر للحدود – أكرم عبد الرزاق المشهداني

ظهر الإجرام العابر للحدود والبلدان كانعكاس ونتيجة لظاهرة العولمة في جوانبها السلبية، هذه الظاهرة التي بفضلها، استحال العالم الى كتلة واحدة أو قرية واحدة، في ظل تطور الوسائل التقنية الحديثة – بما فيها شبكة الأنترنيت – التي أضحت البنية التحتية والدعامة الأساسية لنمط من الجرائم مزج بين خصائص الإجرام التقليدي وجرائم البيئة الافتراضية، فقد برزت الجرائم العابرة للحدود المرتكبة بتقنية الأنترنيت، وهي الجرائم التي استدعت مكافحتها تجنيد الاليات والجهود الوطنية وكذا الدولية، مع الأخذ بعين الاعتبار، المبادئ الأساسية التي تكرسها الدساتير الوطنية والمواثيق الدولية، على غرار مبدأ حق الفرد في الخصوصية والحق في الحصول على المعلومة، وكذا مبدأ سيادة الدول على أقاليمها ومبدأ عدم إفلات المجرم من العقاب، وهي المبادئ التي يجب احترامها وعدم تجاوزها أثناء مكافحة هذا النمط من الجرائم، الأمر الذي يشكل تحديا حقيقيا أمام الدول خاصة في زمن العولمة الذي ألغيت فيه الحدود والمسافات بين الدول والأفراد.

وتنوعت اشكال هذا الاجرام اليوم بين جرائم نشر وجرائم ابتزاز وجرائم اقتصادية وترويج مخدرات واسلحة واتجار بالبشر وتسهيل ارتكاب جرائم إرهابية، وتهريب للأموال وتبييض لها، واختراق لنظم الحماية، وجرائم التهكير والاختراق. واثار هذا النمط من الاجرام إشكاليات قانونية في مجال الاختصاص الإقليمي والجغرافي، فغالبا الجرائم الالكترونية العابرة للحدود ترتكب في دولة وتظهر آثارها الجرمية في بلد آخر أو أكثر من بلد، لذلك وجدت الاتفاقيات والمعاهدات الدولية التي تنظم الاختصاص الجنائي في مقاضاة وملاحقة المجرمين وتسليمهم واستردادهم.

اجرام عابر

لا شك أن الدراسات المتعلقة بالإجرام العابر للحدود والأوطان شغلت حيزاً كبيراً من الأهمية خاصة في ظل تطور الوسائل التقنية الحديثة -بما فيها شبكة الأنترنيت – التي باتت تشكل البنية التحتية للجريمة المتجاوزة لحدود الدولة الواحدة، حيث أضحى الاعتماد على هذه الشبكة، السمة البارزة لهذا النمط من الإجرام، الذي أصبح بفضل هذه التقنية أكثر انتشارا وتنظيما واحترافية. الأمر الذي استدعى الوقوف عند الظاهرة لمحاولة دراستها والتعرف عليها، خاصة وأن هذا النمط من الجرائم الذي ظهر بظهور العولمة، شكل مزيجا بين خصائص وصفات الجرائم التقليدية العابرة للحدود كالتهريب مثلاً، والجرائم المرتكبة بالوسائل التقنية الحديثة، التي تأتي شبكة الأنترنيت في صدارتها الشبكة التي أسهمت وبشكل غير مسبوق في جعل الجريمة ممتدة عبر أكثر من إقليم، مما يستدعي أن تكون سبل المكافحة بنفس المستوى من التطور الذي ترتكب به هذه الجرائم. حيث تسعى الدول سواء بمفردها، أو بالتعاون مع غيرها من مؤسسات المجتمع الدولي، إلى التصدي لكافة أصناف الجرائم العابرة للحدود والمرتكبة بواسطة تقنية الأنترنيت، وتعمل جاهدة من أجل تحقيق التوازن بين مبدأ سيادة الدول على أقاليمها، ومبدأ ملاحقة المجرم وعدم إفلاته من العقاب، نظير ما أحدثه من إخلال بنظام المجتمع. وهي المعادلة التي لا يمكن أن تتوصل الدول إلى تحقيقها، إلا عن طريق آليات التعاون الدولي، خاصة ما يتعلق بتسليم المجرمين والإنابة القضائية الدولية… وغيرها من الآليات التي فرضتها التطورات الحديثة في مجال مكافحة الإجرام حيث لا تتوقف مكافحة الجرائم العابرة للحدود المرتكبة بتقنية الأنترنيت، على الآليات والجهود الدولية، بل تسعى الدول باستمرار إلى تعديل وتحيين نصوص قوانينها الداخلية بما يتلاءم والظواهر الإجرامية المستجدة، سواء عن طريق ما تسنه من قوانين، أو ما تصادق عليه من اتفاقيات، أو تعديل نصوص بعض القوانين، لا سيما قانون العقوبات وقانون الإجراءات الجزائية، وكذا استحداث نصوص مستقلة بذاتها. بالإضافة إلى المصادقة على معظم الاتفاقيات في هذا المجال، وهو ما يعكس رغبة المشرع في مسايرة الحركة التشريعية على المستوى الدولي، وسعيه الدائم من أجل مواكبة كل المستجدات في مجال مكافحة كل أصناف الإجرام الداخلي او العابر للأوطان.

واجب التطبيق

هذا النوع من الإجرام يطرح إشكالات عديدة فيما يتعلق بالقانون الواجب التطبيق، نظراً لتعدد الأقاليم في الجريمة الواحدة. بالإضافة إلى طبيعة الدليل في الجرائم المرتكبة بواسطة الوسائل التقنية الحديثة، الذي عادة ما يكون ذو طبيعة غير مادية، مما يتطلب آليات خاصة وإجراءات استثنائية للوصول إليه، خاصة في ظل غياب تعريف فقهي وقانوني للجريمة العابرة للحدود المرتكبة بتقنية الأنترنيت – رغم النص على هذا النمط من الجرائم  في الاتفاقية العربية لمكافحة جرائم تقنية المعلومات) القاهرة 2010) وكذا الاتفاقية العربية لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية  الذي تناول فيه المشرع جريمة الإرهاب باستخدام تكنولوجيات الإعلام والاتصال، فقد تطلب الأمر تعريف الجرائم العابرة للحدود أولا، ثم الجرائم المرتكبة بواسطة تقنية الانترنيت، ليتم التوصل في الأخير إلى مقاربة لتعريف الجرائم العابرة للحدود المرتكبة بتقنية الانترنيت.

وباعتبار الجريمة العابرة للحدود، ما هي إلا جريمة عادية بالأساس يرتكبها الأفراد بمبادرتهم الخاصة، حتى لو ورد النص عليها في اتفاقية أو معاهدة دولية، فإنها تظل جريمة عادية تحدد عناصرها القوانين الجنائية الوطنية ومرجعيتها الاتفاقيات الدولية، نظراً لتوفرها على العنصر الأجنبي سواء الإقليم الذي ارتكبت فيه الجريمة أو جنسية أحد أطرافها أو المصالح التي تم الاعتداء عليها (وعليه فكل الأحكام المتعلقة بجرائم تكنولوجيات الإعلام والاتصال، تُطبق على الجرائم المرتكبة بتقنية الأنترنيت، سواء كانت جرائم داخلية أو متجاوزة لحدود الدولة الواحدة.