الأستبداد الشرقي والعقل العربي على المحك؟ – مقالات – معتصم السنوي

الأستبداد الشرقي والعقل العربي على المحك؟ – مقالات – معتصم السنوي

أن الأهمية البالغة ( لتقرير التنمية الإنسانية العربية 2..4 ) نابعة من أنه يشخص الأوضاع في بلداننا العربية بشكل موضوعي ويرسم طرقاً صائبة للخروج من الحالة المأساوية التي تعانيها الحرية في الوطن العربي ، الأمر الذي يتطلب أن يحظى بأهتمام كبير ، ليس من لدن النخب السياسية والفكرية الحريصة على بناء مستقبل أفضل للشعوب العربية فحسب بل من لدن كافة المواطنين في بلداننا العربية … يبدأ التقرير بطرح سؤال التالي : لماذا بقي العرب الأقل تمتعاً بالحرية بين مختلف مناطق العالم ؟ ولماذا تفرغ المؤسسات ( الديمقراطية ) من مضمونها الأصلي الحامي للحرية في العالم العربي ؟ . هل السبب في ذلك سيادة ( الأستبداد الشرقي ) ؟ . أم بسبب (العقلية العربية ) ؟ أم الإسلام ؟ على نحو ما . يدعى البعض ويرد على هذا الأدعاء بالقول : أن الدراسات تشير إلى أن هناك تعطشاً منطقياً ومفهوماً لدى العرب بنبذ الحكم التسلطي ورغبة جامحة للتمتع بالحكم الديمقراطي ويأتي العرب ، في مسح عالمي شمل تسع مناطق، بما فيها بلدان غربية متقدمة ، في رأس قائمة الموافقة على أن ( الديمقراطية أفضل من أي شكل آخر للحكم) . وجاء – العرب – بأعلى نسبة في رفض الحكم التسلطي ، وهذا فيما أرى – لأنهم مبتلون بحكم الأستبداد والتسلط على مدى قرون ، ولم يتح لهم إلى الآن التمتع بحكم ديمقراطي حقيقي في أي من بلدانهم التي تمتد من المحيط إلى الخليج .. أما عن السبب الرئيس لإخفاق عملية التحول الديمقراطي في العديد من البلدان العربية ، فيشخص التقرير بأن هذا لا يرجع إلى مسائل ثقافية ، بقدر ما هو تعبير عن تضافر ( بنى أجتماعية وسياسية وأقتصادية ، عملت على غياب أو تغيب القوى الأجتماعية والسياسية المنظمة والقادرة على أستغلال أزمة النظم التسلطية الشمولية ، وبالتالي إلى أفتقار الحركة الديمقراطية إلى قوة دفع حقيقية ، إضافة إلى وجود أشكاليات تخص هذا الجزء من العالم ، دون سواه ، ساهمت في تعميق أزمة الحرية . ويشخص التقرير عاملين برزا في النصف الأول من القرن الماضي ، كان لهما ابلغ الأثر في مواقف الدول الكبرى تجاه الحرية في المنطقة العربية ، هما أكتشاف النفط ، ولإنشاء دولة إسرائيل. فلتأمين تدفق النفط بأسعار مناسبة للغرب ، ولضمان ( أمن إسرائيل) ، التي ترتبط بالدول الغربية وخصوصاً الولايات المتحدة الأمريكية ، أرتباطاً عضوياً ، صار معيار العلاقة بين الدول العربية وإسرائيل من أهم المعايير لرضى الدول الغربية لحلها .. ولذا تعامت الدول الغربية أمداً طويلاً عن أنتهاكات حقوق الإنسان في الدول العربية ، ما دامت هذه الدول لا تهدد المصالح الغربية في المنطقة ، الأمر الذي أدى إلى استفحال القمع والقضاء على فرص التحول الديمقراطي في البلدان العربية ، وجاءت أحداث ( أيلول (سبتمبر2001) لتزيد الطين بلة ، وذلك لأن الإدارة الأمريكية الحالية أختارت التضيق على الحريات المدنية والسياسية للعرب والمسلمين بذريعة ( مكافحة الإرهاب ) كما تعرفه هي ، وكان من نتيجة ذلك أضعاف موقف القوى المطالبة بالحرية في البلدان العربية ، في مواجهة السلطات المعادية للديمقراطية، وعانت قضية الحرية من ضعف حضور حركات سياسية ذات عمق جماهيري واسع ، تناضل من أجلها . إذ لم تضع الحركات السياسية التي لاقت راوجاً شعبياً واسعاً ، وخصوصاً التيار القومي العربي والتيار الإسلامي لاحقاً ، قضية الحرية على رأس أولوياتها، وحين أولت هذه الحركات أهتماماً لقضية الحرية ، طغى عليها بعد التحرر الوطني ، الذي أضعف القضية . أما بالنسبة للتيار الإسلامي ، فبرغم ان التيار الرئيس في الفقه الإسلامي مع الحرية ، وأن الإسلاميين المتنورين يرون في آليات الديمقراطية واحداً من الترتيبات العملية التي يمكن أن تستخدم لتطبيق مبدأ الشورى، الذي هو مبدأ أساسي في الإسلام لإقامة الحكم الصالح ، وتحقيق العدل والمساواة ، وكفالة الحريات ، وحق الأمة في تولية الحكام وعزلهم ، وضمان الحقوق العامة ، والخاصة لغير المسلمين ، فإن هناك تفسيرات للإسلام ما فتئت توظف من قبل قوى سياسية سواء في السلطة أم المعارضة لدعم التسلط أو ترسيخه في المستقبل . الأمر الذي يرى فيه الأحتمال الأكثر خطراً ، وهو ما يوجب على قوى الإسلام المستنير والقوى الديمقراطية العلمانية أن توحد جهودها لدرء هذا الأحتمال الخطر .