الأردن والظروف الاقتصادية الحرجة
عبداللـه محمد القاق
في الواقع أن خزينة الدولة تمر بضائقة اقتصادية جراء الظروف المحلية والعربية والدولية، شرحها رئيس الوزراء فايز الطراونة في بيانه الذي قدمه الى مجلس النواب والذي بموجبه حصلت حكومته على ثقة ممثلي الشعب، هذه الضائقة تستوجب من القطاع الخاص؛ اي البنوك والشركات الاستثمارية والاقتصادية القيام بدور فاعل من أجل دعم الموازنة، وصندوق الخزينة بشتى الوسائل، حتى يمكن تفادي وقوع المزيد من الاشكالات بغية النهوض باقتصادنا وتلبية احتياجات الوطن والمواطنين ومكافحة الفقر والبطالة وزيادة رواتب الموظفين في بعض القطاعات، فالمؤسسات الوطنية تلعب دوراً ريادياً من أجل مواجهة التحديات الكبيرة، في ظل الظروف التي شهدتها المنطقة العربية، جراء الضعف العام في الاقتصاد العالمي، واستطاعت بعضها فتح الآفاق الجديدة نحو الفرص التمويلية الآمنة التي زادت من ربحيتها في ضوء سياسة حكيمة وحصيفة في الحفاظ على دورها الفاعل وتطوير قاعدة الاسهام في تنشيط اقتصادنا وتمويل بعض المشاريع التي تتصل بالبنية التحتية في العاصمة وبعض المحافظات واقامة المدارس والمستشفيات خاصة وأن الدولة بحاجة ماسة الى هذه المؤسسات الوطنية المالية للقيام بدورها الفاعل والريادي في هذه المرحلة الحساسة التي تمر بها الاجهزة الاردنية والتي لم يصلها من الدعم الخارجي من الدول الشقيقة سوى اليسير بعد ان تعهدت دول عديدة بتقديم مثل هذه المساعدات للاردن الذي يقوم بدور بارز وهادف من اجل دعم اخوانه سواء السوريين ام الليبيين او غيرهم في المخيمات في ضوء عجز الوكالة الدولية للاجئين من تقديم المساعدات المطلوبة لهؤلاء اللاجئين؛ ما أدى الى اعلان اضراب موظفي الوكالة والحد من نشاطاتها في العديد من المخيمات.
فإذا كان المواطن تبرع بجزء يسير من راتبه الشهري لدعم الموازنة، فإن البنوك الوطنية وبعض المؤسسات الرائدة والشركات التي تجني أرباحاً طائلة في مختلف المجالات مدعوة للتحرك الجاد والنشط بغية دعم الخزينة، فضلاً عن اخواننا المغتربين الذين يتمتعون بالوفورات المالية، ويجنون الكثير، نتيجة جهودهم الكبيرة لبناء القدرات الوطنية في الدول الشقيقة والصديقة، مدعوون للقيام بدورهم لدعم الخزينة الاردنية، بدلاً من وضع مدخراتهم في المصارف الاجنبية في حين نحن أحوج ما نكون الى الوقوف ولو مرحلياً على بناء اقتصادنا الوطني بشكل سليم وفاعل عبر كل الصعد. فالمطلوب من الحكومة اعادة تنشيط مؤتمرات المغتربين الاردنيين وعقد اللقاءات معهم في الاردن، بغية تطوير نشاطاتهم وحثهم على العمل الفاعل والدؤوب بغية دعم الخزينة الأردنية، كما فعل اخواننا في الاردن وتحملوا المسؤوليات الجسام للنهوض بهذه الميزانية باقتطاع جزء يسير من رواتبهم لمواجهة هذه المرحلة بسبب ارتفاع اسعار النفط، والحد من الاستثمارات في الوطن، بالرغم من التسهيلات التي تقدمها الحكومة للمستثمرين عبر كل الصعد، واذا كانت المملكة العربية السعودية قد قدمت الكثير في دعم الميزانية، وتلتها الكويت وبعض الدول الاخرى فان لنا كل الثقة في ان تبادر الدول الخليجية مجتمعة الى توفير الدعم الحقيقي للاردن بغية الوقوف الى جانبه في هذه المرحلة نظراً لدوره الوطني والقومي لسد العجوزات الناجمة عن تفاقم الوضع الاقتصادي العربي والدولي، فهذه المبادرات الوطنية والعربية أضحت ضرورة ملحة ليس على كل مواطن، ومؤسسة بل على الدول الشقيقة والتي سبق وقد وقفت الى جانب الاردن في دعم اقتصاداته والنهوض بها في شتى المجالات. واذا كنا ندعو الى المزيد من الدعم والمساعدة والمبادرة لدعم الخزينة العامة فاننا ننطلق في ذلك من مسيرة النجاحات الكثيرة التي تم انجازها في الاردن في غير صخب، والتي تركزت دعائمها بتدرج مرحلي خلاق عبر منظومة رُقي تلازمت فيها الابعاد، من عمليات الاصلاح السياسي والاقتصادي الديمقراطي والدستوري الى التحديث الشامل الاجتماعي والتطوير الاقتصادي في ضوء الأزمة الاقتصادية الشاملة التي اندلعت في عام 2007 وتفاقمت في العالم في عام 2008 وأدت الى خسائر هامة في المؤسسات الوطنية العربية والدولية، والى انعدام الثقة بالنظام المالي الدولي، والى تراجع بالاسواق المالية نتج عنه تراجع في الاستهلاك وفي نسق النمو وانخفاض ملموس في الاستثمارات.
فإذا كانت الاوساط العربية والدولية تشيد بالاصلاحات الاقتصادية الفاعلة في الأردن، كما اعلن عن ذلك وزير الخزانة الامريكي والمفوضية الاوربية اشتون، وسفيرة فرنسا في الاردن، وعدد من كبار الاقتصاديين الذين شاركوا في مؤتمرات دافوس بالبحر الميت وغيرها والتي ركزت على تحقيق النقلة النوعية التي ميزت المشاريع التنموية المختلفة والاعتراف بوجاهة الاختيارات الوطنية وتبصر الآفاق الواعدة والامكانات الكامنة والتي أصبح يتمتع بها الاقتصاد الاردني بكل مكوناته ودواليبه، بل انها اكدت قدرته لتحويل الضغوطات الى فرص تشحن ارادته على الاندماج في الدورة الاقتصادية العالمية، فان هذه المواقف الوطنية لمؤسساتنا بحاجة الى الدعم والمساندة في هذه الظروف خاصة وأن كل المؤشرات تُشير الى ضمان سلامة القطاع المصرفي والمالي من التداعيات المباشرة للازمة ومواصلة اضطلاعه بدوره في تمويل الاقتصاد الوطني.
فالواقع ان البنوك الوطنية والشركات الاستثمارية الاردنية التي تعتبر محركاً رئيساً للاقتصاد الوطني منذ انبعاثه ومروره بمراحل متعددة ترجمت في استراتيجية التنمية التي شهدتها المملكة فان هذه المؤسسات مدعوة للاسهام في دعم الخزينة والموازنة اكثر من غيرها في هذه المرحلة الحساسة اسهاماً منها في التنمية ودعم الاستثمار نظراً لما يتميز به القطاع الاستثماري والاقتصادي من نمو مطرد نتيجة مناخ الامن والطمأنينة والاستقرار الذي عرفته المملكة والذي انعكس على المستوى الاجتماعي لتحسن القدرة الشرائية للمواطن وصولاً الى تطور هذا المناخ وبالتالي تطوير المؤشر الاقتصادي في ضوء الاصلاحات التشريعية والقانونية التي شملت الاقتصاد الوطني والتي تلاءمت هذه الاصلاحات مع الاقتصاد العالمي؛ ما اكسب هذه السياسة اهمية ونجاعة تمثلت في اقرار منتدى دافوس الاقتصادي والذي صنف اقتصادنا على انه من الدول الاكثر تنافسية في المنطقة.
الامل كبير في ان تسهم هذه المعطيات الايجابية لاقتصادنا الوطني ودورنا القومي والريادي الذي ينتهجه جلالة الملك عبدالله الثاني في مختلف البرامج والمشاريع والسياسة الحكيمة في ان يتنادى كل المواطنين واصحاب المؤسسات والشركات والبنوك الوطنية في النهوض باقتصادات الاردن في هذه الظروف الحرجة، لرفعة الوطن والمواطن ودعم الموازنة والخزينة معاً انطلاقاً من الجهود الاردنية المبذولة في مختلف الصعد الوطنية على تحسين صورة الاردن ومستوى معيشة المواطن حتى يظل الاردن كما نعهده عزيزاً وقوياً ومنيعاً لاستكمال البناء الوطني والقومي الذي نحن بحاجة ماسة اليه في هذه الظروف الراهنة والحساسة لمواجهة التحديات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، ومن ابرزها الفقر والبطالة بغية تأمين مستوى معيشي افضل للمواطن الاردني باعتباره أغلى ما نملك، والعنصر الرئيس في عملية التغيير والتقدم من خلال شبكة منظومة الامان الاجتماعي التي شملت خدمات التعليم والصحة والتامين الصحي وتوفير المساكن لذوي الدخل المحدود ودعم صناديق المعونة الوطنية والتي ستسهم في وقف فرض الرسوم والضرائب ورفع اسعار الكهرباء والماء على المواطنين كافة .
رئيس تحرير جريدة الكاتب العربي الأردنية
/6/2012 Issue 4215 – Date 2 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4215 التاريخ 2»6»2012
AZP07

















