
الأخلاق المحور الأساس في دراسات رزاق ابراهيم حسن
أدبيات عزيز السيد جاسم إنموذجاً
عبد الحسن علي الغرابي
صدر اخير منجز آخر جديد للمؤلف الاديب والصحفي رزاق ابراهيم حسن الموسوم دراسات في ادبيات عزيز السيد جاسم .. الصادرة عن بيت المتنبي بطبعة انيقة تحتوي على 190 صفحة تتضمن ثلاثة أقسام :ـ القسم الاول خطوات في مسيرة ـ القسم الثاني دراسات وشعراء ـ القسم الثالث الروايات والقصص ـ كما أن تصميم الغلاف جميل تتصدره صورة المفكر الشهيد عزيز السيد جاسم وعلى الجانب الآخر صورة المؤلف بقبعته التي لا تفارق فروت رأسه ، تحت قبعة وحقيبة المؤلف كنز مخبوء يختزن الؤلؤ والياقويت هذا الثراء يحسه من يتابع حياة ومسيرة هذا الرجل المعروف في تفاعله مع الوسط الثقافي في خبرته وتجاربه المتراكمة التي تكدست في خزائن الاديب من خلال بحوثه ودراساته طوال خمسة عقود احترف الأدب والصحافة ، فكتب الكثير بشكل متواصل دون انقطاع في جوانب مهمة ومتعددة يلمس المتابع عمقها واتساعها وشمولها للفكر والمعرفة والتجربة ،وهو من اخلص طوال حياته التي اتسمت تجربة وفكر ومعرفة ، فكان اكثر غورا في الكتابة بصدق ودقة كمن يغوص في أعماق الواقع ليستخلص الحقائق من بين السطور والصور ليحقق الكمال والإتقان والقدرة في كل ما صدر له من مؤلفات مهمة في جوانب الحياة فمن يطلع على آخر منجز للكاتب حيث اوجز سطور يطمح فيها الى تأليف أكثر من كتاب عن الأديب والمفكر الشهيد عزيز السيد جاسم .. وكتب الشعر وألف اكثرمن عشر مؤلفات عن الطبقة العاملة وحركتها النقابية وكتب الكثير عن مقاهي بغداد وشارع المتنبي وكتاب عن الشاعر عبد الأمير الحصيري وكتاب عن العلامة حسين علي محفوظ والمجالس البغدادية ، غمرتني فرحة بكرم المؤلف حين بصم بيده المرتعشة آخر منجز له ليعزز رصيده في مكتبتي بخمسة كتب ربما تكون خمسة ما صدر له من خلال معرفتي به التي تمتد الى مطلع ثمانينات القرن المنصرم حين كان يعمل بمجلة وعي العمال .. الآن رغم المرض المستعصي الرعاش الذي اصيب به مؤخرا دون ان يتوفر له علاج داخل العراق وخاب أمله في الجهات المعنية في مد يد العون والمساعدة كوزارة الثقافة والإعلام واتحاد الادباء ونقابة الصحفيّن والمؤسسة التي يعمل فيها ، ولا ادري لماذا هذا الصمت ؟ هل يبخل من يعنيهم الأمر في رعاية المفكرين والأدباء والصحفيين .؟ واغلب الظن ان الرجل مكابر بصموده وصابر مستسلم لما حل ببدنه المنهك دون المطالبة بحق يضمن سلامته واستمراره في العطاء والإبداع ، فهو لا يأمل ولا ينتظر من أحد ان يمن عليه بمبادرة او التفاته طيبة تسعف ما آلم به ، وأهم ما يتصف به ويميزه عن الاخرين خصاله الحميدة متواضع بسيط ، مؤدب دمث اكثر مما يجب ، وفي هذه الدراسة القيمة هناك تركيز على هذا الجانب المهم ـ الاخلاق ـ في حياة الانسان مهما كان ، مفكرا ، اديبا ، صحفيا ، هذا المحور قد يكن من الاهمية التي ركز عليها في هذا المنجز موضوع البحث والدراسة ، في صفحة الغلاف اشارة بدلالة واضحة تؤكد الرغبة المسبقة لإعداد الدراسة بدافع الوفاء والإخلاص والمحبة للمفكر الراحل عزيز السيد جاسم .في الصفحة 34 يشير الكاتب الى (ص 1444 ) يربط عزيز السيد جاسم بين العظمة الروائية وبين الاخلاق مؤكدا : اننا نبحث عن الأخلاق أولا وبعد ذلك تأتي العظمة فالعظمة المجردة والمعزولة عن الاخلاق والشهامة الانسانية هي فقاعة في حساب التاريخ … ولكن الاخلاق عند عزيز السيد جاسم اوسع بكثير من الاخلاقية الضيقة والمحدودة وهي تتسم بانحيازها للإبداعين الابداع المقترن بالأخلاق فحسب رأيه ( أن أميل زولا روائي بارع وهذا ما لاشك فيه ، ودستويفسكي ـ روائي كبير ولكن من الانصاف أن نقول بأن أميل زولا لا يقاس اطلاقا بدستويفسكي وعندما اطلق هذا الحكم فليس ذلك إلا اعتمادا على استقلال الاخلاقية كمفهوم لا بد من ادخاله في حالات النقد … ) تتوالى صفحات القسم الاول من الكتاب على التركيز بشكل متواصل على أهمية الأخلاق في نصوص المفكر وفي تحليل المؤلف ويميل كل منهم لتأكيد هذا الجانب بمقارنات تناولت بعض الكتاب والروائين والشعراء العرب وبعض المشاهير من فلاسفة ومفكرين وروائي العالم واستعراض بعض سمات تلك الجهود بكل ما تدعو اليه كل المدارس الأدبية في العصر الحديث . وهنا تبرز أهمية الجهد الذي قدمه الباحث رزاق ابراهيم حسن باستقطاب الوقائع بما تضمنت الدراسة وبتغطية وخبرة محترف شملت مساحة واسعة تناول فيها ما يجب توثيقه وافرز نتائج مهمة ارتكزت على الأخلاق كما اسلفت .. وفي اشارة الى ص 156 ( الواضح أن المقصود بالجوهر هو الجوهر الأخلاقي الذي يقف وراء الجوهر الفكري والعقائدي والذاتي ولذلك يطالب عزيز السيد جاسم الأديب أن يكن صادقا وان يطابق بين القول والفعل وبين الموقف والأيمان لكي يعبر عن جوهره .) لهذا الطلب كانت استجابة وبتأثير واضح على الباحث أن يسلط الضوء ويفتح النوافذ على ما اتسعت اعمال المفكر بمضامينها الإنسانية والأدبية ، وعن اهمية الجوهر الاخلاقي يلمح الباحث ( رزاق ) في اشارة الى (ص 64 ) يضع أمام الكاتب والأديب عزيز السيد جاسم ليؤكد النزعة الأخلاقية سؤال ويجيب عليه : ( سؤال عن اخلاقية الشاعر فهل يحق له ان يفعل شيء ؟ وأن لا يخضع لأي روادع أخلاقية ؟ وهل يتاح له التصرف بمعزل عن المجتمع ؟ ــ وللإجابة عن هذا السؤال يقدم دراسة بعنوان ( أخلاقية الشاعر ) حيث يؤكد أن اخلاقية الشاعر تتمثل في كل ما يشده الى كلمته ؟ في كل ما يربط الموقف الحضوري للشاعر بالكلمة ؟ التي هي نفسها يمكن أن تكون حضوراً اكثر جلاء وأكثر تاريخية ؟ ) نلمس بشكل واضح أن مرمى هذا السؤال والرد عليه يهدف الى تنبيه الشعراء الذين قد نأو بأنفسهم عن القيم التي يهدف اليها المفكر الشهيد في هذه الدراسة كي يخرج المنجز الشعري مقرونا بالجوهر الأخلاقي ولا يكون بمعزل عن المجتمع فهو مراقب بعين التاريخ وعين المجتمع وينبغي ان يتوهج بجوهر الأخلاق ليكن جزء من التاريخ الثقافي العام .. يخيل الي أن أقل من العرض لا بد منه ، وأختم ما إستخلص المؤلف هذه العبارات المقتبسة من كتاب ( دراسات نقدية في الأدب الحديث ) يشير فيها انها تعكس وجهات نظر اخلاقية اوجزها بسبعة نقاط .. ففي ص 49 ( 1ـ أن عزيز السيد جاسم كتب هذه الدراسات في اطار الانشداد الى القيم والتقاليد الاجتماعية ذات الطابع الأخلاقي .
2 ـ أن هذه الدراسة كتبت في ظروف كانت فيها الالتزامات الأخلاقية هي محور أساس في التعامل مع ألنتاجات الأدبية وغير الأدبية .
3 ـ ثم ان الدراسات المنشورة عن النقد الروائي انذاك تهتم بالأخلاق لمحور أساس في التعامل مع النتاجات الأدبية وغير الأدبية .
4 ـ أن ثقافة عزيز السيد جاسم السياسية والفلسفية تعطي للأخلاق طابعاً محورياً وهذا ما نجده في دراساته عن الرواية .
5 ـ ثم أن التعامل مع الروائيين بشكل موجز غالباً ما يتركز على ما هو عام والجانب الأخلاقي من العموميات المعبرة عن ذلك .
6 ـ رغم أن عزيز السيد جاسم يتسم بثقافة تراثية تهتم بالجانب الأخلاقي والعلاقة بين الأديب او الفيلسوف وبين نتاجاته .
7 ـ أن عزيز السيد جاسم يبحث في الرواية عن نماذج وأمثلة أخلاقية ولعل ذلك يعبر عن طموحه الثقافي لأن ذلك يعبر عن شخصيته وعن أنبل المبادىء والقيم الأخلاقية السليمة .)
هذه ليست خاتمة الدراسة إلا انها خاتمة القسم الاول من الكتاب وهي ما حقق لي بما اروم اليه ودفعني للكتابة ، وعذرا للقراء والمؤلف الذي توسع في دراسته القيمة ، فانا لست بناقد بل قارىء استهوى الكتابة عن الأخلاق كمحور أساس في التعامل مع الانتاج الأدبي ، حيث أن الدراسة تناولت ابرز الكتابات في الرواية لمختلف المدارس في الشرق والغرب وبما كتب المفكر الشهيد في الرواية والقصة القصيرة ودراساته المقارنه بين الشعر القديم والحديث لأبرز ما صدر للشعراء من قصائد ودواوين في مختلف المراحل .
























