إيران ودول الجوار… هل يكفي الاعتذار؟- فارس الخطاب

فارس الخطاب

في عالم السياسة لا تكفي الكلمات وحدها لمحو آثار الأفعال، خصوصاً عندما تكون تلك الأفعال مرتبطة بالصواريخ والطائرات المسيّرة واستهداف أراضٍ لدول لم تكن طرفاً مباشراً في الصراع. ومن هنا يبرز السؤال الذي يتردد اليوم في الأوساط السياسية والإعلامية: هل يكفي اعتذار الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان لدول الجوار، ولا سيما دول الخليج العربي، عن استهدافها بالصواريخ والمسيّرات؟

الاعتذار في حد ذاته خطوة سياسية لها دلالتها، فهو اعتراف ضمني بأن ما حدث تجاوز الحدود المقبولة في العلاقات بين الدول. غير أن المشكلة لا تكمن في الاعتذار بحد ذاته، بل في السياق الذي جاء فيه، وفي حجم الأضرار السياسية والأمنية التي خلفتها تلك العمليات.

خلال السنوات الماضية، عاشت منطقة الخليج حالة من التوتر المتكرر نتيجة الهجمات الصاروخية أو المسيّرة التي طالت أهدافاً داخل أراضي بعض الدول الخليجية. وهذه الهجمات لم تكن مجرد أحداث عسكرية عابرة، بل حملت رسائل سياسية وأمنية خطيرة، لأنها استهدفت منشآت اقتصادية حيوية تمس أمن الطاقة العالمي، كما وضعت دول الخليج في موقع المتأثر المباشر بصراعات لم تكن طرفاً فيها أصلاً. فالصراع القائم بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، هو صراع معروف الأبعاد والجذور. غير أن نقل تداعيات هذا الصراع إلى أراضي دول أخرى في المنطقة يفتح الباب أمام تعقيدات خطيرة، ويهدد بتحويل الشرق الأوسط إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.

وفي هذا السياق، يبدو أن الاعتذار الإيراني لم يأتِ من فراغ، بل جاء في ظل ضغوط سياسية متزايدة ورغبة دولية في احتواء التصعيد. وتشير تقديرات سياسية إلى أن هذا التحول في الخطاب الإيراني قد يكون مرتبطاً باتصال هاتفي جرى بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتن ونظيره الإيراني ، حيث يُعتقد أن موسكو نصحت طهران بضرورة تهدئة التوتر مع دول الجوار، وخاصة مع دول الخليج. فروسيا، التي تحاول الحفاظ على توازن دقيق في علاقاتها مع أطراف المنطقة، تدرك أن توسيع دائرة الصراع ليشمل دولاً ليست طرفاً فيه قد يؤدي إلى تداعيات إقليمية خطيرة، وربما يفتح الباب أمام ردود فعل دولية لا يمكن التحكم بمسارها. ولذلك قد يكون الاعتذار الإيراني جزءاً من محاولة لاحتواء موجة الغضب الدولي التي أعقبت تلك العمليات. لكن السؤال الجوهري يبقى مطروحاً: هل يمكن للاعتذار وحده أن يعيد الثقة؟

في العلاقات الدولية، الثقة لا تُبنى بالتصريحات السياسية، بل تُبنى بالسلوك المستمر والسياسات الواضحة. فالدول، خصوصاً تلك التي تعرضت لتهديدات مباشرة لأمنها، لا تقيس الأمور بميزان الكلمات، بل بميزان الأفعال والضمانات. ومن هنا، من الطبيعي أن تنظر دول الخليج إلى الاعتذار الإيراني بحذر سياسي. فقد ترحب به دبلوماسياً بوصفه خطوة إيجابية نحو خفض التوتر، لكنها في الوقت ذاته ستنتظر ما هو أبعد من ذلك: سياسات عملية تثبت أن مرحلة استهداف الجوار قد انتهت فعلاً. فالمنطقة اليوم تمر بمرحلة حساسة تتطلب قدراً كبيراً من المسؤولية السياسية. والتحديات الاقتصادية العالمية، وتقلبات أسواق الطاقة، وتزايد بؤر التوتر في الشرق الأوسط، كلها عوامل تجعل الاستقرار الإقليمي ضرورة مشتركة لجميع الدول. ولهذا فإن أي محاولة إعادة بناء الثقة بين إيران ودول الخليج لا يمكن أن تقوم على الاعتذارات وحدها، بل تحتاج إلى خطوات ملموسة: احترام واضح لسيادة الدول، ووقف أي أنشطة تهدد أمن الجوار، وبناء علاقات قائمة على المصالح المتبادلة بدلاً من منطق النفوذ والصراع بالوكالة.

لقد أثبتت تجارب المنطقة خلال العقود الماضية أن الأزمات قد تبدأ أحياناً بقرار سياسي محدود، لكنها سرعان ما تتوسع لتصبح أزمات إقليمية معقدة. ولهذا فإن الحكمة السياسية تقتضي أن تُغلق أبواب التصعيد قبل أن تُفتح أبواب الندم.

في النهاية، قد يكون الاعتذار الإيراني خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنه لا يمثل نهاية الطريق. إنه مجرد بداية محتملة لمسار جديد، يبقى نجاحه مرهوناً بما سيأتي بعد الكلمات. ففي السياسة، كما في التاريخ، الاعتذارات قد تفتح الباب للحوار، لكنها وحدها لا تصنع الثقة.