أهم أسباب سقوط الموصل
إنشغال الجيش بمهمات ليست من واجباته – مقالات – سامي الزبيدي
يتفق المحلون العسكريون والخبراء الستراتيجيون إن أحد أهم أسباب سقوط الموصل بيد داعش في مطلع حزيران 2014 هو تكليف الجيش بواجبات الأمن الداخلي وبعض الواجبات الأخرى التي ليست من اختصاص الجيش ،صحيح إن واجب الأمن الداخلي ذكر في الكراسات والمراجع العسكرية كأحد الواجبات التي قد يكلف بها الجيش لظروف طارئة لكن بشرط أن لا يستمر هذا الواجب فترة طويلة بحيث ينشغل الجيش عن واجباته الأساسية وهي حماية تراب الوطن وحدوده وأراضيه ومياهه الإقليمية وسمائه من أي تهديد خارجي والدفاع عن سيادته واستقلاله ضد أي اعتداء تقوم به دولة أو عدة دول ، والمتابع لكل اللقاءات والمقابلات التلفزيونية والصحفية للقادة العسكريين في الموصل يندهش عندما يسمع من قائد عمليات الموصل السابق وقادة الفرق إن قواتهم كانت تقوم بمداهمات منازل المشتبه بهم وكانت تنفذ مذكرات قبض صادرة من القضاء المدني وتعتقل المواطنين وتحقق معهم وتنظم الملفات الأمنية لهم وتبقيهم في المعتقلات أشهر وسنين وكانت تتصدى للمتظاهرين وتمنعهم من التظاهر وتعتقل منظمي التظاهرات وكانت تنصب السيطرات وتنظم السير داخل المدينة وتحيل المدنيين المعتقلين بعد التحقيق معهم الى مديرية الاستخبارات العسكرية وكأنهم عسكريين فهل هذه هي واجبات الجيش ؟ وكانت قيادة العمليات الموصل تمنح بطاقات مرور( عدم تعرض ) للعجلات التي تنقل المنتجات النفطية ونقل الحصى والرمل ومواد البناء لعرض مرورها من السيطرات و تحجز العجلات التي لا تحمل هذه البطاقات وتفرض الغرامات وحتى الاتاوات على أصحاب المعامل والشركات خصوصاٌ شركات المقاولات والبناء وأصحاب ساحات وقوف العجلات ومحطات بيع الوقود وباختصار كانت هي الآمر والناهي والمستحوذة على سلطات وواجبات الحكومة المحلية في الموصل مستغلة الأوضاع الأمنية والصلاحيات التي أعطتها هي لنفسها ، وللأسف الشديد لم نسمع من القادة الميدانيين في الموصل سواء قائد العمليات وقادة الفرق تصوراتهم لمعركتهم في الدفاع عن الموصل وما هي خططهم واجراءتهم التي قاموا بها استعداداٌ لهذه المعركة ، وكيف تم توزيع قطعاتهم وما هي واجباتها ،وأين هي احتياطاتهم وما هو حجمها وما هي أسبقيات واجباتها ،وما هي الأهداف الحيوية ضمن قاطعهم و أين هي الأرض المهمة ، وما هي المحاور المحتملة التي من الممكن أن يستخدمها العدو لمهاجمة الموصل وما هو أخطرها ولماذا، وكيف هي جاهزية فرقهم وتشكيلاتهم للتصدي للعدو في كل محور خصوصاٌ بعد أن عرفوا من خلال القائد العسكري لداعش الذي اعتقلوه قبل الهجوم أماكن تحشد قوات داعش في الجزيرة وما هي خطته للهجوم على الموصل والتي لم يتخذوا أي إجراء بصددها. لقد صرف القادة العسكريون وقتاٌ وجهداٌ كبيرين لتنظيم ملفات ومتابعة أحداث أمنية مدنية ليست من واجباتهم كقادة عسكريين ولا من واجبات للجيش وكان الأولى بهم صرف هذا الوقت والجهد لإعداد قواطع فرقهم وألويتهم ولإعداد وتهيئة تشكيلاته وتدريبها وتكثيف استعداداتها لمجابة تهديدات داعش المحتملة بل التي أصبحت وشيكة،فما علاقة أحد قادة الفرق بإلقاء القبض على عدد من المطلوبين للقضاء حتى يجهز فوج مغاوير الفرقة بإمرة رائد ركن ومعه مقدم آخر وكل هذه القوة لتنفيذ مذكرات إلقاء القبض بحق خمسة أو ستة مطلوبين للقضاء فهل هذا هو واجب القائد وواجب الجيش ؟ إن تنفيذ مذكرات القبض على المطلوبين للقضاء هو من واجبات الشرطة المحلية وليس من واجب قوات الجيش ، ثم يتحدث هذا القائد عن إلقاء القبض على مهرب للنفط وقيامه بالتحقيق معه ثم أرسله إلى مديرية الاستخبارات العسكرية في بغداد وأنا أسأل هذا القائد هل هذه هي السياقات العسكرية للتعامل مع المدنيين وان كانوا مهربين أو مخربين ؟ كان على القائد أن يأمر ضابط استخبارات الفرقة بإجراء تحقيق أولي بسيط معه لا يستغرق عدة دقائق وإرساله فوراٌ إلى قيادة العمليات لأنها هي مرجعه وليس مديرية الاستخبارات فكيف لا يعرف هذا القائد سلسلة مراجعه ،ثم يتحدث عن اعتقال مقاول لديه شركة للمقاولات والإعمال ويحتجزه في الفرقة ليحقق معه وبنفس الأسلوب يتجاوز مرجعه ويرسله مباشرةٌ إلى مديرية الاستخبارات العسكرية متجاوزاٌ مقره ومرجعه الأعلى وكل هذا ليس من واجبه، علماٌ أن المدنيين يرسلون إلى جهات أمنية مدنية وليست مديرية الاستخبارات العسكرية أيها القائد، ثم ما علاقة قائد عمليات الموصل بتزويد العجلات المدنية بأوراق عدم تعرض ليسمح لها بالمرور من السيطرات وهي تنقل الرمل والحصى لمشاريع مدنية أو تنقل المشتقات النفطية فهل من واجبات الجيش إصدار موافقات للعجلات المدنية أم إن هذا من واجبات الحكومة المحلية والأجهزة الأمنية في الموصل ،وما علاقة قائد العمليات بمنح عجلات مدنية تنقل السماد الكيماوي للمزارعين بموافقات للمرور من السيطرات وهذه هي الأخرى ليست من واجبات الجيش ،والملفت للنظر ان هذه الأعمال والإجراءات لا تخص قائد محدد بل يشترك فيها جميع القادة والآمرين وكل هذه الأمور والقضايا التي ذكرت وصرف الوقت والجهد الكبيرين في متابعتها والتحقيق فيها واتخاذ الإجراءات بصددها هي ليست من واجبات القادة ولا من واجبات الجيش و كان الأولى بالقادة الميدانيين صرف هذا الوقت والجهد الكبيرين لإعداد خططهم و لتنظيم قوطع فرقهم الدفاعية وإعداد وتهيئة قواتهم وتدريبها على واجباتها الدفاعية لحماية الموصل وأهل الموصل . والغريب في الأمر إن جميع القادة وخلال مقابلاتهم ولقاءاتهم لم يتطرقوا إلى واجباتهم الأساسية كقادة في الجيش مكلفين بالدفاع عن مدينة الموصل ،فلم يذكروا ما هي خططهم للدفاع عن مدينة الموصل وما هي إجراءاتهم التي قاموا بها لضمان نجاح هذه الخطط ؟ وأين ركزوا دفاعاتهم ولماذا؟ وما هو احتياطهم من القوات وما هو حجمه وما هي أسبقيات واجبات هذا الاحتياط ؟ وأين هي مقراتهم الجوالة التي يستطيعون من خلالها إدارة معركتهم بنجاح؟ وما هو التنسيق الذي قاموا به مع الفرق المجاورة ؟ وما هو التنسيق مع قوات الشرطة الأجهزة الأمنية الأخرى الموجودة ضمن قاطعهم ؟ وما هي المعاضل التي واجهتهم وطلبوا من القيادات الأعلى المساعدة في تذليلها؟
لقد انشغل قائد عمليات الموصل وقادة الفرق وآمري الألوية والوحدات وحتى الضباط والمقاتلين بأمور ليست من اختصاص الجيش وأقحموا أنفسهم وضباطهم وجنودهم فيها تاركين واجباتهم الأساسية في الدفاع عن الموصل والتصدي لمحاولات داعش التي باتت واضحة ووشيكة للسيطرة على المدينة كما ورد في أقوالهم ، وكل ذلك كان بهدف الحصول على المكاسب المالية من خلال العمولات والأتوات التي يفرضونها على متعهدي نقل المنتجات النفطية والمقاولين وأصحاب الشركات والمواطنين وهي مبالغ كبيرة جداٌ كانت ترسل حصص منها إلى بغداد لمسؤولين وضباط كبار وبذلك ترك هؤلاء القادة وضباطهم وقطعاتهم واجباتهم الرئيسية المهمة في الدفاع عن الموصل و حماية تراب الوطن وحماية أبناء الشعب وانشغلوا بالأمور المادية والعمل مع المهربين والمقاولين الذين كانوا يعملون مع الطرفين داعش والقوات العسكرية وبذلك انفرط عقد الضبط العسكري لان القادة والآمرين باتوا لا يستطيعون محاسبة منتسبيهم لان هؤلاء المنتسبين أصبحوا على دراية بفساد قادتهم وضباطهم وبأعمالهم التي لا تمت لواجباتهم العسكرية بصلة وعندما تفقد القطعات العسكرية الضبط والنظام والالتزام بالواجبات العسكرية وهي أهم مقومات عمل القوات المسلحة ومصدر قوتها وهيبتها ومنعتها ينتهي كل شيء وتصبح هذه القوات أشبه بالأجهزة المدنية كل يعمل على هواه فلا التزام بالأوامر ولا اهتمام بالواجبات ولا خوف من الحساب ولا حرص على الأسلحة والمعدات والتجهيزات ولا اهتمام بأمن القطعات التي اخترقتها داعش بواسطة الأموال والعمولات التي تدفع لمنتسبي السيطرات من ضباط ومراتب وللقادة العسكريين مقابل عبور الأسلحة والنفط المهرب وكل شئ ومقابل غض النظر عما تعد له داعش وما تخطط له حتى باتت السيطرات تؤجر وتباع بمبالغ خيالية كما بيعت المناصب القيادية لهؤلاء القادة الفاشلين والفاسدين من قادة كبار وسياسيين فاسدين مثلهم فتركوا واجباتهم وركضوا وراء الدفاتر الخضر والأرصدة الكبيرة في البنوك وشراء العقارات والمزارع والبيوت الفارهة والفلل الفخمة في لبنان وتركيا ودول أوربا فتسببوا في أكبر كارثة حلت بالوطن وأكبر مأساة نزلت على الشعب العراقي بعد أن سمحوا لداعش باحتلال الموصل وصلاح الدين في ساعات فقط وما تبع ذلك من تداعيات خطرة كنزوح المواطنين عن مدنهم وارتكاب الجرائم الكبرى في بادوش وسبايكروسنجار وسهل نينوى وغيرها واستمرار العمليات العسكرية لقواتنا المسلحة لاسترجاع المناطق التي احتلتها داعش وما تسببه هذه العمليات من تضحيات بشرية وخسائر مادية كبيرة كان العراق في غنى عنها لولا خيانة وخذلان القادة العسكريين الفاشلين والفاسدين والسياسيين الفاشلين وإشغالهم قوات الجيش بواجبات وأعمال ليست من اختصاصه تاركين واجباته الأساسية في الدفاع عن أرض الوطن وحماية حدوده وصيانة استقلاله وسيادته فانسحبت ثلاث فرق بكامل أسلحتها الثقيلة وأعتدتها ومعداتها وتجهيزاتها وآلياتها وبأعدادها الكبيرة من المقاتلين التي قاربت الثلاثين ألف مقاتل أمام بضعة مئات من الدواعش يستقلون عجلات خفيفة ومسلحين بأسلحة خفيفة ومتوسطة فكانت الهزيمة المذلة التي ستبقى وصمة عار في جبين كل من تسبب بها. { خبير عسكري وستراتيجي



















