إكمال الوكالة

إكمال الوكالة

كانت تجلس هناك  تنتظر احدهم على ما يبدو  عجوز في خريف العمر ربما تكون بلغت من العمر قرناً أو يزيد  تطالع بعينيها الغائرتين المراجعين الذين كانت عيون اغلبهم مسمرة على صغر حجمها وتجاعيد وجهها الغريبة وانحناءة ظهرها رغم جلوسها على الكرسي المدولب .

تقدمت نحوها يدفعني الفضول كي اعرف كم هو عمرها و تفاصيل عن حياتها  كان نظرها لا يزال على ما يبدو بأحسن حال حينما تنبهت لي وأنا مقبل نحوها من بعيدوذاكرتها ووعيها هما الآخران على ما يرام  أطرقت نظرها نحوي تتابع خطواتي حتى وصلت إليها  ألقيت التحية عليها فردت التحية بابتسامة تكسرت تفاصيلها مع تجاعيد وجهها المتشابكة  وقفت بالقرب منها وأردت أن اسألها عن عمرها سبقتني هي بأية من القرآن الكريم بصوتها الخافت المخشوشن :

– “ومنكم من يرد إلى أرذل العمر” وأتبعت : وها أنا كما ترى يا ولدي ردني الله إلى أرذل العمر .

جعلتني التزم الصمت خجلاً منها بسبب أنها أدركت أني متعجب من عمرها وحالها فأطرقت رأسي للأرض خجلاً و هممت بالابتعاد عنها لكنها فاجأتني بطلبها أن أبقى بقربها حتى تعود حفيدتها التي جلبتها إلى المحكمة لعمل توكيل لغرض مراجعة دوائر الحكومة ومؤسساتها لإدارة شؤونها المالية كونها عجوزاً طاعنة بالسن ولا تستطيع على تحمل مشقة المراجعات وروتين الدوائر ……

فسألتها إن كانت تريد شيئاً كالماء مثلاً أو فيما إذا كانت تشعر بالجوع أو أي شيء أخر فأجابت أنها تريد سيجارة  فأخرجت علية السكائر من جيبي وسحبت سيكارة منها وأشعلتها وناولتها إياها فراحت تشهق الدخان بشراهة تدل على أنها محرومة من السجائر منذ زمن وقالت :

– لو إن حفيدتي تراك تعطيني سيجارة لقامت الدنيا ولم تقعد بعدها  وضحكت وأتبعت :

– يا ولدي كانت الحياة أيام زمان أحلى رغم بساطتها …. وسكتت برهة ثم أتبعت :

– نعيش في بيوت من الطين بلا كهرباء ولكننا كنا مرتاحين  صحيح أن الطعام شحيح والخبز اسود ومر ومصنوع من الشعير إلا انه ألذ وأشهى من خبز هذه الأيام يا ولدي … وأتبعت:

– أيام زمان على أول عهدي مذ بدأت أفطن كان الدينار له شأن “على حد تعبيرها ” جان الدينار يحجي ” وقليلون هم من يملكون ديناراً أو عدة دنانير في القرية وأتبعت :

– الحياة كانت بسيطة يا ولدي …

عبارة كررتها كثيراً وهي تروي لي قصة حياتها التي رحت أنصت لها بأذان مصغية لسبب ما أجهله ؟ قد يكون أني أنحدر من عائلة ريفية عاشت ذات التفاصيل التي ترويها لي العجوز أو لكوني أعيش في الوقت الحاضر في القرية أو بالأحرى ما تبقى من ملامح القرية التي طغى على نمط الحياة فيها الحداثة هذه الأيام ولم يتبق منها سوى ذكريات تعيش في مخيلتي عن حياة القرية عندما كنت ازور بيت جدي قادماً مع عائلتي من مدينة ” بغداد ” التي كنا نسكنها قبل انتقالنا للعيش في قضاء ” بلدروز” …..

وأتبعت :

– تزوجت في السنة التي توفي فيها الملك ” غازي ” من زوجي رحمه الله وهو ابن عمي وأتبعت : يا ولدي أذكر انه يوم مات الملك غازي في “سوسرا” بحادث سير رحن النساء يخرجن من بيوتهن ويتجمعن لاطمات يرددن هوسه ” يا سوسرا أنريد النعش ” وبعده توج الوصي “عبد الاله ” ملكاً على العراق كون ابنه “فيصل ” كان لا يزال صغيراً حينها …. وأتبعت بلهجتها العامية الدارجة ” أيام الملوك جان خير والدنيا تضحك ومن راحوا جت المصايب ….

فقلت لها يا أمي :

– كم عمرك ؟

وأجابت بعد أن تنهدت وقلبت بصرها ذات اليمين وذات الشمال :

– أنا ! لا اعلم بالضبط وأتبعت :

– بالجنسية أنا مواليد 1925 ولكني اكبر من ذلك لأني يا ولدي وعيت على ثورة العشرين وأنا أفهم وأعي الأمور وتقريباً كنت بعمر عشر سنوات حينها وأتبعت :

– قاد الثورة “شعلان أبو الجون ” في الجنوب وشيخ بني تميم ” حميد الحسن ” هنا في محافظة ديالى حتى أن الانكليز رموا على قرانا ” الدان ” أي القنابل من الطائرات يا ولدي وهرب الناس نحو تلال تدعـــــــى ” الخيط ” وأتبعت باللهجة العامية ” مرت علينا مصايب يا وليدي “

فقلت لها أطال الله عمرك يا أمي !

فقالت :

– لا يا ولدي أدعو من الله آن يقبض روحي فما عدت راغبة بهذه الدنيا .

– لماذا يا أمي هل يضايقك احد ؟

– لا يا ولدي ولكن مات جميع أولادي وبناتي ولم أمت ! ولم يبق لي سوى حفيدتي ترعاني وهي من سترثني بعد أن يقبض الله أمانته إن شاء الله .

فقلت لها :

– يا أمي أنا ولدك وأنا حاضر لأي خدمة تطلبيها مني  سأكون بمثابة ابنك .

فردت والحزن يلف ملامح وجهها :

– سلمت يا ولدي  حماك الله…..

فأقبلت سيدة نحونا من داخل المحكمة بعمر الأربعين من العمر لما رأتها مقبلة قالت لي

– هذه هي حفيدتي يا بني !

دهشت كونها كانت هي الأخرى كبيرة بالسن وهي حفيدتها فتبسمت وقلت لها ممازحاً إياها

– أطال الله عمرك يا أمي أن حفيدتك تقاربك عمراً !

– فضحكت هي وحفيدتها …

قالت لها حفيدتها هيا بنا لنعود للمنزل فقد أكملت الوكالة وها هي … هيا بنا وراحت تدفع الكرسي المدولب خارجتين من باب المحكمة.

حسام خوام ال يحيى- ديالى