أيام الجمع ساحة التحرير لا تكفي

أيام الجمع ساحة التحرير لا تكفي
لا يوجد في العراق مشاكل مجتمعية أو اقتصادية مستعصية يعجز عن حلها ، ولا حرب استنزاف ضروس يصعب إخمادها ، ولا أوبئة مستوطنة يتعذر مكافحتها ، ولا كوارث طبيعية يستحيل احتوائها ، لكي تشل الحياة ويتدهور الاقتصاد وتتعطل التنمية ويتوقف البناء الإنساني والحضاري ويحرم الشعب العراقي من أمنه وقوته وحقوقه وثرواته وفرص تقدمه وابسط متطلبات حياته اليومية طوال تسع سنوات عجاف دامية متواصلة بهذا الشكل المزري غير المسبوق في تاريخ العراق.
وحتى شماعة الاحتلال والإرهاب وفزاعة حزب البعث المزعومة والتدخلات الخارجية التي لطالما علق عليها تبعات تردي الأوضاع ، فهي جهات وإن شاركت فيلق القدس الإيراني وميليشيات الأحزاب المتنفذة في سفك الدم العراقي وتدمير البنى التحتية ، ولكنها لا تمتلك كل هذا التأثير المدمر على الواقع العراقي الحالي المرير ، حيث لا يمكن لهذه الجهات بأي حال من الأحوال أن يكون لها دور في تسييس القضاء أو افتعال الأزمات وتعطيل إقرار القوانين المهمة والملحة أو في عدم استكمال التشكيلة الوزارية ، أو أن يكون لها دور في المداهمات الليلية والاعتقالات العشوائية وتلفيق التهم الكيدية للأبرياء وامتهان إنسانيتهم داخل المعتقلات وتهريب عتات المجرمين من السجون ، ولا دور لها في استشراء الفساد وحماية المفسدين والتستر على المزورين ، أو لها دور في تفشي البطالة وتدني المستوى المعاشي والصحي والتربوي ، أو لها دور في حجب الخدمات والمحروقات ومفردات البطاقة التموينية عن المواطن ، أو دور في هدر ونهب المال العام بالصفقات والعقود والمشاريع الوهمية ، أو في إرهاق ميزانية الدولة باستحداث مناصب الترضية والايفادات والمنافع الاجتماعية والرواتب والمخصصات الفلكية للرئاسات الثلاث والنواب والوزراء والاستئثار بممتلكات الدولة ، وذلك لكون هذه السياسات والممارسات التعسفية الممنهجة التي امعنت ومازالت في تجويع وحرمان وتشريد وترهيب وترويع وتجهيل وفرقة الشعب العراقي وإعادته إلى العصور الوسطى وتدفع به الى التشضي وليس فقط إلى التقسيم هي حصراً من نتاج وسلطة الكتل المتحاصصة المتنفذة والمتسلطة على رقاب وأرزاق وامن العباد والعابثة بمقدرات ومستقبل البلاد ، وهذا واقع حال وحقيقة لا يمكن إنكارها والتنصل منها أو الالتفاف عليها بخلط الأوراق وتحميل الآخرين وزرها .
فهذه الكتل المتحاصصة هي أساس البلاء الذي حل بالعراق وهي السبب الوحيد لمعاناة شعبه ، فهي ومنذ ظهورها على المسرح السياسي بعد الاحتلال تخندقت مذهبيا وتبنت الخطاب الطائفي واستغلت مشاعر البسطاء الدينية وأشعلت فتنة طائفية راح ضحيتها أكثر من مليون شهيد مغدور وتشردت بسببها آلاف الاسر داخل وخارج العراق ، وذلك فقط بقصد بسط نفوذها وتعزيز سلطتها على حساب الوحدة الوطنية والدماء العراقية الزكية .
ثم عمد أصحاب القرار والمتنفذين في هذه الكتل المتحاصصة إلى تصفية وإقصاء ذوي الخبرة والكفاءة والاختصاص عن كافة دوائر ومؤسسات الدولة ، والى افرغ العراق من معظم علمائه ومفكريه واكاديمييه ومثقفيه وشعرائه وفنانيه ، ليحل محلهم كل من هو بالتاريخ وبالتجربة أمي جاهل ومتخلف دجال وفاسد سارق ومزور دعي من ذويهم وأهل ثقتهم ومحازبيهم ، وذلك للاستحواذ على كل مفاصل وموارد الدولة على حساب مبادئ العدالة وتكافؤ الفرص والتنمية وخدمة المواطن وبناء دولة المؤسسات .
كما عملت هذه الكتل المتحاصصة أيضا على تعطيل جميع عوامل الإنتاج الوطني ، فبسبب انعدام الاستقرار الأمني والسياسي المتعمد وغياب الرؤيا السياسية الاقتصادية الواضحة بالفطرة هاجرت رؤوس الأموال الوطنية خارج العراق ، وبحكم شحة الطاقة ( الكهرباء والمحروقات ) وحجب الدعم عنها ورفع أسعارها أرغمت المصانع والمشاريع الانتاجية المتوسطة والصغيرة ونواظم الري اللازمة للزراعة على خفض إنتاجها إلى العشر أو التوقف تماما عن الإنتاج ، ونتيجة لاستمرار حملات الاعتقال الدوري العشوائي وهاجس المخبر السري وتردي الوضع الأمني وحالات الإحباط اليومية المتكررة لدى المواطن في كل مفاصل حياته ، قيدت الأيدي العاملة أما بالحبس الشديد دون محاكمة أو بالهروب إلى الخارج من إرهاب الدولة وتخبط سياساتها ، وبكثرة قرارات منع التجوال وإغلاق المناطق وقطع الطرق وتعسف نقاط التفتيش وتقييد حركة الشاحنات داخل وخارج المدن تعطل دور عامل المواصلات في خدمة وتنشيط حركة التبادل التجاري بين المحافظات وجعل الكثير من أصحاب المهن والمحال التجارية يعزفون عن مزاولة نشاطهم ، وكل هذا بهدف تدمير الاقتصاد الوطني وتحويل العراق إلى سوق استهلاكية لسلع وبضائع دول جوار قطعت عن العراق أكثر من أربعين رافد مائي دون أن تعامل بالمثل كما هو العرف المتبع بين الدول ، بل على العكس فكل ما زادت دول الجوار في إلحاق الضرر بالعراق تعقد الكتل المتحاصصة معها المزيد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم .
هذه الكتل المتحاصصة تقنن مكاسبها الفئوية وتشرعن امتيازات أعضائها الشخصية وتشرع بتنفيذها بالتوافق في اقل من ثماني وأربعين ساعة ، في حين مشاريع القوانين المتضمنة مصلحة وطنية عليا وخدمة عامة للشعب وتضمن حقوق ومستقبل وحرية المواطن وتحفظ أمنه وكرامته ، فهذه تثار بشأنها الخلافات وتفتعل من حولها الأزمات لشهور وسنين طوال ثم تركن على رفوف مجلس النواب أو في إدراج مكاتب الحكومة أو ترحل إلى دورة برلمانية لاحقة من دون الالتفات إلى أهميتها وحاجة الشعب ومؤسسات الدولة إليها ، وذلك لكون أطماع ومصالح هذه الكتل دائما تتقاطع مع المصلحة العامة والتناسب بينهما بالضرورة يكون عكسياً . وفي نهاية الأمر وخلاصته لم تقدم هذه الكتل المتحاصصة يوما إلى الشعب العراقي ما يحتاجه من خدمات وفرص عمل وحياة كريمة أو تخفف عنه بعضا من معاناته أو تعوضه شيئا عن طول حرمانه ولن توفر له الأمن وترفع من مستواه المعاشي والصحي ، وإنما أغرقته في دوامة سحيقة من الدم والقمع والحرمان ليس لها قرار وأدخلته في حلقة مفرغة من فرص الرخاء والتقدم والازدهار ، واشغلته طوال تسع سنوات بكل ما هو تافه وعقيم لا يغني ولا يسمن من جوع ، تحالف وائتلاف ، توافق واستحقاق ، شراكة ومشاركة ، مؤتمر واجتماع ، فساد ونزاهة ، اجتثاث ومصالحة ، كتلة ومكون ، فدرالية وأقاليم ومناطق متنازع عليها ، دستورية هذا وعدم دستورية ذاك وهلم جرى ، وكل هذه المسميات والمصطلحات لم تغني ولا تعني الشعب العراقي لا من قريب ولا من بعيد .
وعليه فلقد آن الأوان وبات لزاماً على شعبنا العراقي المبتلى بنخبه المنتفعة والمتحاصصة الحاكمة ، بكل مكوناته القومية والدينية والمذهبية وشرائحه الاجتماعية وأطيافه السياسية أن يؤمن ويؤامن ويدرك ويعي جيدا ، بان استقرار العراق وازدهاره وخلاصه من ما هو فيه من تردي وقمع ومجازر ، مرهون بإزاحة هذه الكتل المتحاصصة عن السلطة وعن المشهد السياسي برمته بما فيها الكتل التي تدعي الإقصاء والتهميش ، لان مشاركة المقصر شكلا والسكوت عليه ضمنا هو عجز وتقصير بحد ذاته ، وإزاحة هذه الكتل لا يتم بخروج بضع مئات أيام الجمع إلى ساحة التحرير ، تارة للمطالبة بالخدمات وتارة للمطالبة بفرص عمل وتارة أخرى للمطالبة بإطلاق سراح المعتقلين وتارة للمطالبة بصرف رواتب ومستحقات العمال والموظفين ، فهذه مطالب فئوية لا تأتي بحل جذري ناجع شامل وناجح ، وإنما إزاحة هذه الكتل المتحاصصة المتغانمة يتم بتعبئة وحشد شعبي واسع ودائم يخرج إلى جميع شوارع وساحات المدن العراقية ، للمطالبة بقانون انتخابات جديد تكون فيه الناحية أو القضاء دائرة انتخابية والمرشحين فيها من أبنائها حصرا ، وذلك لغرز ممثلين حقيقيين عن الشعب العراقي وليس ممثلي أحزاب وأسر ونواد وصالونات ومنتدبين لجهات خارجية في العراق ، وهذه مسؤولية القوى الوطنية ومنظمات المجتمع المدني المستقلة ومؤسسات الإعلام الحر ليكون لنا ربيع كشعوب تونس ومصر واليمن وان شاء الله سوريا قريبا ، والأمم المتحدة والولايات المتحدة الامريكية تعرفان جيدا كيف تصاغ مثل هكذا قوانين انتخابات شفافة ونزيهة تعبر عن الإرادة الحقيقية للشعوب .
عامر الوادي – بغداد
/6/2012 Issue 4218 – Date 5 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4218 التاريخ 5»6»2012
AZPPPL