
أنوار اللـه الخالدة
تمثل سيرة وتراث أهل بيت النبي محمد (صلى الله عليه وآله) – وهم ابنته فاطمة الزهراء، وابن عمه علي بن أبي طالب، وأسباطه الحسن والحسين (عليهم السلام أجمعين) ومن تبعهم من الأئمة المعصومين – نبراساً يضيء طريق الهداية للإنسانية جمعاء. ليس هذا التراث مجرد صفحات من التاريخ، بل هو منهج حيوي متكامل في تبليغ الرسالة السماوية، قائم على أسس العلم والحكمة، والمحبة والرحمة، والسلام والعدل.
لقد اعتمدوا أهل البيت (عليهم السلام) في تبليغهم لرسالة الإسلام على منهجية واضحة، ومنها على أساس العلم والمعرفة فلقد كانوا أهل البيت (عليهم السلام) مرجعية علمية للأمة، يستندون في ذلك إلى كونهم ورثة علم النبي (صلى الله عليه وآله) وخزانة حكمته. فقد ورد في العديد من المصادر التاريخية والحديثية الموثقة، كصحيح البخاري ومسلم، قول الرسول (صلى الله عليه وآله): «إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، لن يفترقا حتى يردا علي الحوض». هذا الحديث يؤسس لضرورة الرجوع إلى أهل البيت كمصدر تفسير وتفصيل للقرآن الكريم، وضمانة من الضلال. فنهجهم في التبليغ كان قائماً على إشاعة المعرفة النقية وإقامة الحجة بالحكمة والموعظة الحسنة.
أما فيما يخص الأخلاق والقدوة العملية فإنه لم يكن تبليغهم قاصراً على الكلام، بل تجسد في سلوكهم العملي نموذجاً أخلاقياً رفيعاً. فسيرة الإمام علي (عليه السلام) في عدله، والإمام الحسن (عليه السلام) في حلمه وصفحه، والإمام الحسين (عليه السلام) في تضحيته في كربلاء لإحياء القيم الإسلامية، كلها نماذج عملية لترجمة مبادئ الإسلام المحمدي العلوي إلى واقع ملموس. لقد جسدوا قول الله تعالى: «ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» (النحل: 125).
دعوة بالسيوف
أما من ناحية المحبة والسلام فمن قلب هذا المنهج نبضت رسالة المحبة والسلام للعالمين. لم ينشروا دعوتهم بالسيف أو بالإكراه بل بالقلوب المفتوحة والحوار الهادئ. كانت مجالسهم ملاذاً للقلوب المتعطشة للحق، ومدرسة لتخريج الدعاة إلى الخير والفضيلة. لقد قدموا الإسلام دين رحمة، كما وصفه القرآن: «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ» (الأنبياء: 107). وكانت وصية الإمام علي (عليه السلام) لمالك الأشتر حين ولاه مصر: «وأشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبة لهم، واللطف بهم»، خير دليل على أن حكمهم كان قائماً على أساس الرحمة والمحبة. ومن ناحية العدل الاجتماعي سعوا إلى إقامة مجتمع تسوده قيم العدل والمساواة، حيث لا يُظلم أحد، ويُكفل للجميع حقوقهم. خطب الإمام علي (عليه السلام) ورسائله، المدونة في مصادر مثل «نهج البلاغة»، تشكل تراثاً غنياً في الحكم الرشيد والقضاء العادل، الذي يضمن كرامة الإنسان بغض النظر عن دينه أو عرقه. إن تراث أهل بيت الرسول (صلى الله عليه وآله) هو كنز إنساني عظيم، يقدم منهجاً متكاملاً لبناء الحضارة الإنسانية على أسس متينة من الإيمان والأخلاق والمعرفة والمحبة والسلام. فهم جسدوا الإسلام في أبهى صوره ودعوا إليه بالحكمة والموعظة الحسنة، معتبرين أن رسالة الإسلام الخالدة هي رسالة محبة وسلام إلى العالم أجمع تهدف إلى سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة. والاهتمام بدراسة هذا التراث واستلهام دروسه هو سبيل لتجديد الخطاب الديني الوسطي، وبناء جسور التفاهم والتعايش بين بني البشر.
حسين وناس الخزاعي – السماوة


















