ألفاظ وتراكيب قرآنية في شعر السيًاب ) – 4 –
لوحات مزخرفة بأبهى الألوان
زاهد الحمزاوي
وتناول الشاعر قصية ( ثمود ) كما وجدت في القران الكريم قوله تعالى (( وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ ), حتى إن الصيغة النحوية التي استعملها القرآن استعملها الشعر كما هي , وهي لفظة ( الوادِ ) التي حذفت فيها الياء .
وذلك في قصيدته ( أنشودة المطر ) فقال :
أكاد أسمع العراق يذْخرُ الرعودْ
ويخزن البروق في السّهول والجبالْ ،
حتى إِذا ما فضَّ عنها ختمها الرّجالْ
لم تترك الرياح من ثمودْ
في الوادِ من أثرْ .
وفي قول السياب : ( جيكور والمدينة ) :
وفي كل مستشفيات المجانين
في كل مبغى لعشتار
يطلعن أزهارهن الهجينة
مصابيح لم يسرج الزيت فيها وتمسسه نار
وفي كل مقهى وسجن ومبغى و دار
دمي ذلك الماء هل تشربونه
ولحمي هو الخبز لو تأكلونه
وتموز تبكيه لاة الحزينة
ترفع بالنواح صوتها مع السّحر
نجده استفاد من الفاظ وتركيبة الاية القرآنية , كما في قوله تعالى ( يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) , فقال السيًاب موظفا تلك التركيبة (مصابيح لم يسرج الزيت فيها وتمسسه نار ) .وفي اتجاه اخر يعد استكمالا لمنهجيته القرآنية نجد السيًاب في يوم جديد وفي صباح جديد , ذلك الصباح الذي لا يعرف الشاعر ماذا يحمل له , أصباح مليء بالألم أم الحزن والأسى , فها هو الشاعر في صياغة يودعها في فضاء الابداع الشعري مع الإفصاح من خلال ذلك عن أحاسيسه ومشاعره وعواطفه إزاء التجارب و الأحداث والوقائع بمعايير الخيال بوصفه فنانا يضع بصماته على لوحة مزخرفة بأبهى الألوان , ليخرج لفظة صباحه الجديد من منهل القرآن فيقول في قصيدته الفرار :
لو غنوة لو ضمة لو عناق
لسعفة خضراء أو برعم
في أرضي السكرى برؤيا غد
إنا مع الصبح على موعد
رغم الدجى يا عراق
ريف وراء الشطّ بين النخيل
يغفو على حلم طويل طويل
وتركيب جملة (إنا مع الصبح على موعد ) قد إنتقاها الشاعر بصورة رائعة من قوله تعالى ( إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيب . فالموعد هو الصباح ، لكنه أختلف في القران ،فمعنى “الصبح” في القرآن وارد على وجه التعميم بترقب العذاب والتهديد للكفار، بينما “الصبح” عند الشاعر هو رمز تفاؤل وخير.
ويقول الشاعر:في قصيدته ( اذكريني ) :
قبس من نور قلبي مشرق في ناظريك
وهما نبعا لمنى إن المنى في مقلتيك
فاذكريني واذكري قلبا بكى بين يديك
قبس من نور قلبي مشرق في ناظريك
هذا القبس يذكرنا بقوله تعالى ( انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ منْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ ) والاستعمال القرآني أختلف من حيث صياغة المعنى وان توحدت الالفاظ , فالقرآن فيتحدث على لسان المنافقين وهم يخاطبون المؤمنين ،أمًا الشاعر فإنًه يذكر هذا الشيء في معرض الغزل فقبس النور من قلبه يشرق في عينيها.كذلك انتفع السيًاب بسبب الاطلاع الواسع على مغزى الآيات القرآنية , مما جعلت عنده سعة في الفكر , وهذا انجده في قصيدته (من رؤيا فوكاي ) حيث يقول:
تلك الرواسي كمحط النهار على
اقصى ذراها وكم مرت بها الظلم
لو أودع الله إياها أمانته
لنالهن على استدعائه اندم
ضمن الشاعر السيًاب فكرة الامانة التي عرضها الله على الإنسان في قوله تعالى ( إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ) .
وقوله في قصيدته (أغنية من شهر آب) فقال :
خبزي تشنق نيرانه
والسنة تأكل جوعانة
من هذا العزاء..
وهو هنا يتحدث عن مفهوم الغيبة عند بني البشر ومثل ذلك بالخبز الذي تحرقه ألسنة النار , وهذا مايوافق قوله تعالى( وَلَايَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ ).وفي قصيدته ( أبن الشهيد ) يذكر تركيبة ( وتنفس الغد ) , وهي إشارة الى بداية يوم جديد , ليصور بداية يوم جديد لكنه ملئه الاسى والحزن , والشاعر أستعمل لفظة تخالف اللفظة القرآنية من حيث اللفظ والصوت ولكنها توحي بتوحد المعنى العام بيوم جديد وقد أشار القران الى ذلك بقوله تعالى ( وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ , إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ).
وهذا مانجده بوضوح في قصيدة الشاعر فقال :
لكن لمحا منه شع و فض أختام الحدود
وأضاء وجه الفوضويين بالدم والصديد
وكأن في أفق العروبة منه خيطا من رغاب
وتنفس الغد في اليتيم ومد في عينيه شمسه
وفي قصيدة أخرى أراد الشاعر أن يكون حاجز للصوت لا يسمع , فاستعان بلفظة ( وقرتْ آذان من يسمعونه ) , وهذه اللفظة أستعملها القران الذي خاطب قوما وكيف أنهم لم يسمعوا خطابهم فقال ( وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا ), لذلك نجد نفس المعنى استعمله الشاعر في قصيدته ( المساء الأخير):
تمنيت لو يهوي إلى الأرض من عل
ألا وقرت آذان من يسمعونه
بأشلاء قلب في ضلوعي مقتل
وفي قصيدة ( خذيني ) التي قال فيها :
خذيني أكن في دجاك الضياء
و لا تتركيني لليل القفار
إذا شئت أن لا تكوني لناري
وقودا فكوني حريقا
إذا شئت أن تخلصي من إساري
نسج الشاعر في قصيدته وبين كلماته لفكرة معينة تناولها القران , وهي وقود النار التي يكون البشر جزءا منها , فالسيًاب هنا يخاطب تلك المرآة المجهولة الا تكون وقودا لناره المشتعلة في قلبيه , وهذا ماتناوله القران وجسده في قوله تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ ).ولفظة ( أجاج ) وهي شدة الملوحة التي أستعملها القران الكريم لتكون فاصلا بين شيئين في قوله تعالى ( وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا ) استطاع الشاعر وبطريقة فنان حاذق ان يضمن في طيات شعره تلك اللفظة وهو يتحدث عن ( خصلات الشَعر ) ليرسم لنا كيف كانت شقراء جميلة وغزاها الشيب , وبدلا من ان يستعين بمرارة الزمن وقسوته التي كانت سببا في ذلك فأنه استعان بتلك اللفظة لكي يتغير لونه , وبذلك كون لك صورة جميلة بأطار متضمن للفظة من لفاظ القران , ونجد ذلك في قصيدته ( رحل النهار ) التي قال فيها :
خصلات شعرك لم يصنها سندباد من الدمار
شربت أجاج الماء حتى شاب أشقرها و غار
و رسائل الحب الكثار
مبتلة بالماء منطمس بها ألق الوعود
و جلست تنتظرين هائمة الخواطر في دوار
سيعود لا غرق السفين من المحيط إلى القرار
سيعود لا حجزته صارخة العواصف في إسار
يا سندباد أما تعود ؟
كاد الشباب يزول تنطفئ الزنابق في الخدود
فمتى تعود
























