مروان ياسين الدليمي
1: (رغبة التراب في البكاء)
أنا الذي رأى الكذبة تمشي على عكازٍ من بخور،
وتتدلى من رقبتها سبحاتُ قمحٍ مسروق،
تضع على وجهها دهنًا برائحة الشهداء،
وتقول لنا: “انظروا، هذا الوطنُ في حنجرتي،
وهذا الجوعُ ينام في فمي مثل دعاءٍ مستجاب.”
كانت الكذبةُ تنحني أمام المذياع
وتغسل يديها بماء الأغاني الوطنية،
ثم تجففها بخريطةٍ مثقوبة مثل كيس الطحين،
وترقص للعساكر،
بينما الخوفُ يتسلل من أصابعنا
ويجلس القرفصاء عند أقدام الأرصفة.
في صباحٍ بلا ذاكرة،
سمعتُ الترابَ يشهق:
“كفى، لا أريد أن أبتلع كذبةً أخرى!”
كان وجهه ممتقعًا بلون المنفى،
تحت أظافره نبتت حجارة تشبه الأسنان،
وكانت الأشجار تتقيأ أوراقها
كلما مرّت الكذبةُ بثوبها الملطخ بالمواعيد الفارغة.
الكذبة ليست امرأةً،
لكنها تتعطر مثل عاشقة في أول الموعد،
تضع قليلاً من دم الأطفال خلف أذنيها،
وتضحكُ للكاميرا
كأنّ الموتَ مزحةٌ أنيقة
يمكن أن تُروى بعد العشاء.
لم أعد أفرّق بين الضباب ودموع الجدران،
بين صراخ الملاعق وأناشيد الجنازات،
كل شيء بات يلمع
كأنّ الزمنَ طُلي بمادة كيميائية
تُستعمل فقط لتنظيف الألسنة القذرة.
أنا رأيتُ الكذبة تُربّي قطّاً في صدرها،
كلما جاعت…
أرضعته من نَفَسِ الضحايا،
ثم نامت،
نامت كأنّ لا شيء حدث،
نامت كأنّ الغد سيولد نظيفًا من رحمِ ليلٍ مشؤوم.
2: (مائدة الكذب الدافئة)
كنت أجلس على مائدةٍ لا أعرف طعمها،
خبزها يشبه أكفّ الموتى،
وملحها يحترق قبل أن يلامس اللسان،
لكن الكذبة كانت تأكل بشهية،
تلوك الوقائع كما يُلوك لحمٌ متعفنٌ في وليمة نصرٍ مزيف،
وتنظّف أنيابها بعود قشٍّ من خندق قديم.
كل مساء،
تأتي بأناقتها المدببة،
تفتح التلفاز كما تفتح سكينًا،
وتقول بنبرة الأنبياء:
“أنقذناكم من أنياب الحقيقة،
اصغوا…
إنها الحرب، ونحن فيها،
أطهر من الطين بعد المطر.”
كان القمر حينها يختبئ تحت سجادةٍ مهترئة،
خائفًا من أن يرى وجهه ينعكس
في كأسٍ امتلأ بضحك المتواطئين،
والشوارع تتنفس عبر كمامات من الرماد،
كأنها مخلوقات عمياء
تحاول أن تتذوق صدى الصراخ.
الكذبة كانت تعرف كيف تحنو على نفسها،
تلبس حريرًا مطرزًا بجثث صغيرة،
وتحمل في حقيبتها صورًا لأبطالٍ بلا رؤوس،
وتهمس لنفسها:
“انظري كم أنا قوية…
حتى الشهداء وافقوا أن يكونوا جزءًا من سيرتي الذاتية.”
الزجاج في النوافذ
صار ينكسر من تلقاء نفسه،
كأنّه يخجل من انعكاسنا،
والهواء لا يدخل إلا محملاً برائحة الكلمات المريضة
التي تقال عند المايكروفونات بلهجةٍ محنطة،
كأنّ الصوت صار حفرة،
والكلمات، ترابًا يُهال علينا كل مساء.
كنت أرى الكذبة تُرَبّت على كتف المدفع،
تُقبّل البارود،
وتضع وردة في فوهة البندقية
فقط لتبدو الصورة شاعرية
قبل أن تضغط الزناد على وجه الحياة.
3 : (فصولُ الكذبة المتحوّلة)
في ربيعٍ لا يشبه الورود،
رأيت الكذبة تمشي حافية على أوراق التقارير الأمنية،
كل خطوةٍ منها كانت تمطر،
لكن المطر لم يكن ماء،
بل رسائل مفخخة كتبتها أصابع مرتعشة
داخل غرفةٍ تضحك فيها السجلات.
كانت الكذبة تغير جلدها كل موسم،
في الشتاء تصير بطانيةً دافئة
يغطي بها العسكرُ خيباتهم
قبل أن يناموا وهم يحتضنون أوهامهم،
وفي الخريف،
تتحول إلى ورقة صفراء
تسقط على الرصيف
وتُدهَس بأحذية المارة دون أن يشعروا بالخيانة.
أشهد أني شممتها ذات مساء،
حين مرّت بي كأنها عطرٌ فرنسيٌّ
وكنت أعلم أن مصدر الرائحة
كان دمًا مغسولًا بالمجاملات.
حين تتكلم الكذبة،
تنهض الأرصفة،
تنتعل أحذيةً عسكرية،
وتسير في طابورٍ من النعاس النظيف.
كل لافتةٍ تصفّق،
كل شجرةٍ تميل من الخجل،
كل طائرٍ يغيّر نبرته حتى لا يُتهم بالحنين.
الزمن في حضرة الكذبة يصير خزانة مغلقة،
تفوح منها رائحة الورق المبلول بالحقيقة،
لكن لا أحد يجرؤ على الفتح،
لا أحد…
حتى الزمن ذاته يكتفي بالتنهد،
كما يفعل الأبُ حين يرى أبناءه يكبرون في الخداع.
أما أنا،
فكنت أقف عند زاوية الغروب،
أراقب الكذبة وهي تمشط شعرها بمشطٍ من العظام،
وتغني بصوتٍ من مطاطٍ هشّ:
“أنا البلاد،
أنا الحكاية،
أنا بداية الضجيج.”
4: (الكذبة التي تعلمت الرقص )
في المساء،
تتأنق الكذبة مثل راقصة عجوز
تضع مساحيق من دمِ الوعود،
وتلتفّ بشالٍ محاك من صراخ المدن،
ثم تدور…
تدور كأنها ترقص فوق جماجمنا
وتنثر على الأرض رمادَ هزائمنا مطحونًا كالعطر.
الليلُ يتصبّب منه عرقٌ بارد،
ليس خوفًا،
بل لأن النجوم نفسها لم تعد تثق في إضاءتها،
ولم تعد تريد أن تشهد على حفلاتنا المدهونة بالذل،
على الكؤوس التي نرفعها لنشرب نخب خيبتنا.
الكذبة كانت تضحك،
تضحك بعيون المذيعين الذين يوزّعون ابتساماتٍ ملساء
مثل نقود زائفة،
تُصرف فقط في سوق الذعر.
أنا شممتُ الخوف ينبعث من الأحذية اللامعة
في ممرات المكاتب الرسمية،
وكان له طعم الأظافر المقضومة
حين ينتظر المرء نتيجةَ امتحانٍ لم يخضه.
الكذبة تسير في المدينة وبين يديها سلةُ تفاحٍ بلا لون،
توزعه على الحالمين،
وتقول: “كلوا… هذا وطنكم.”
ثم تنظر إليّ كمن يعرف تمامًا
أنني الوحيد الذي لن يُعضَّ.
في مرةٍ،
سمعتها تسعل،
كان سعالها يشبه انفجارًا صغيرًا في قاعة اجتماعات،
وكانت قطرات لعابها تسقط على أوراقٍ رسمية
فتذوب الحروف،
وتولد من رمادها بياناتٌ تُذاع عند منتصف الليل.
هكذا تفعل الكذبة،
تَسحَر اللغة،
تَلبَسُ الوقائعَ مثل ثوبٍ مسرحيٍّ
وتقف تحت الضوء قائلةً:
“أنا الحقيقة… لكن على طريقتي.”
5: (حين تضع الكذبةُ ساعةً في معصمها)
أخيرًا،
جلستُ معها وجهًا لوجه،
كانت الكذبة تضع ساعةً ذهبية
لا تشير إلى الوقت،
بل إلى عدد المرات التي صدّقناها فيها دون أن نسأل.
قالت لي وهي تمسح زجاج نظّارتها الشفافة:
“الحقيقة
رفاهية قديمة…
تمامًا كأغنيةٍ منسية
لا تبثها الإذاعات إلا في الفجر،
حين يكون النائمون أكثر من المستيقظين.”
رأيت على جدار غرفتها صورًا بالأسود والأبيض
لجنرالاتٍ يبتسمون،
لكن ابتساماتهم تتدلّى منها مسامير صغيرة
تخترق الوقت وتربطُه بالماضي.
الكذبة تعرف هندسةَ الضوء،
تعرف من أي زاوية يُلتقط التاريخ،
وكيف يمكن لكاميرا واحدة أن تمحو مدينةً من الذاكرة
وتزرع بدلاً منها قصةً قصيرةً
عن شجاعةٍ مصطنعة في تقريرٍ دوليٍّ ممهور.
سألتها:
“هل تنامين جيدًا؟”
أجابت ضاحكةً:
“أنام فوق وسادةٍ من الكلمات الناعمة،
وغطائي…
هو صمتُ الأغلبية.”
كنت أريد أن أبصق،
لكن فمي كان ممتلئًا بعباراتٍ شحنتها لي نشرات الأخبار،
ولم أعد أفرق بين ما أؤمن به،
وما تسرّب إلى دمّي من كثرة التكرار.
خرجتُ من عندها وفي عينيّ ارتجافٌ خفيف،
كأنّ الغبارَ صار نبيذًا
يُشرب على شرف الندم.
الريحُ في الخارج كانت تشهق مثل أرملة،
والنوافذ تناديني بأسماء لم أعد أذكرها.
كل شيء كان يقول:
“الكذبة نائمة…
لكنها ستصحو غدًا
أكثر نضارةً
وأقلّ خجلًا.”