أطلال متحف التاريخ الطبيعي في درة الخليج تحكي قصة الخراب

أطلال متحف التاريخ الطبيعي في درة الخليج تحكي قصة الخراب
المشردون يستحوذون على أهم متاحف البصرة
باسم حسين غلب
فقدت البصرة بسبب احداث 2003 صرحاً علمياً حضارياً متحف التاريخ الطبيعي .، كان البصريون وخصوصاً طلبة المدارس والباحثين والمهتمين بالطبيعة وبكائناتها البحرية والبرية .، كانت الزيارة الواحدة للمتحف ترغم الناس على تكرار زيارتهم لعشرات المرات.، كان الآباء عادة ً ما يصطحبون أبناءهم لزيارة المتحف ليشاهدوا عن قرب كائنات بحرية عملاقة حوت ووحوش كاسرة الخنازير وطيور مهاجرة، تحوم حول بركة المياه في احدى قاعات المتحف الأهوار ، يستمتع بمشاهدتها الصغار والكبار.، استمر الحال حتى مطلع نيسان من عام 2003، في هذا التاريخ اصبح كل شيء مباح للسراق، بما فيها عظام اسماك المتحف وريش الطيور المحنطة .، تعرض المتحف للنهب وبعدها للحرق ثم تحول الى سكن لعدد من العوائل، لأهمية ومكانة هذا الصرح العلمي الثقافي نتوقف عند المحاور التالية التي نرجو ان تكون بداية لتحريك الجهود التي تبذل إعادة المتحف من جديد ليفتح ابوابه امام عشاق الطبيعة والباحثين في مجالها.
تأسيس المتحف
تأسس متحف التاريخ الطبيعي التابع الى جامعة البصرة مطلع سبعينيات القرن الماضي واستمر عمل المتحف حتى عام 2003، وهو العام الذي اجتاحت فيه قوات الاحتلال الأمريكي والقوات المتحالفة معها العراق، في هذا التاريخ توقف عمل المتحف بشكل نهائي بعد ان تعرض للسلب والنهب، أما البناية او بالأخرى ما تبقى من بناية المتحف فقد استولت عليها بعض العوائل .
الموقع
يقع متحف التاريخ الطبيعي على كورنيش شط العرب، فهو على مقربة من اهم وابرز فنادق البصرة السياحية شيراتون ، كما لا يبعد عن تمثال الشاعر البصري بدر شاكر السياب سوى خطوات قليلة.، أما بناية البنك المركزي العراقي فهي الأخرى قريبة جداً من مكان المتحف، حيث لا يفصلها سوى شارع صغير يؤدي الى شارع الوطن وسط العشار.
مساحته
تبلغ مساحة المتحف حوالي اكثر من 500 م 2 وكانت اغلب الغرف عبارة عن قاعات استخدمت فيما بعد لعرض بيئة الاهوار وقاعة للحوت وغير ذلك.
الطابع المعماري
لا يختلف الطابع المعماري لبناية المتحف التاريخ الطبيعي عن اية بناية تراثية بصرية أخرى، فالطريقة التي شيد بها المتحف الذي كان مقراً سابقاً لإحدى الشركات الأجنبية هي نفسها التي شيدت بها قصور الشيخ خزعل والشمخاني والوالي و آل النقيب والمناصير وغيرها من البيوت التراثية الموجودة في محلة الباشا، حيث كانت جميعها مبنية بطريقة الشناشيل، حيث يمتاز هذا الطراز من البناء بضخامته وبكثرة النقوش في السقوف والجدران، كما وتمتاز بكثرة الأقواس على الأبواب الداخلية والخارجية وكذلك التي تعتلي شبابيك الغرف الداخلية أو تلك المطلة على الخارج.، أما سقف البناية فكان من اعمدة الخشب الجندل المغطى بالحصير المصنوع من القصب.
مقر سابق لشركة
قبل أن تتحول الى متحف للتاريخ الطبيعي تابع لجامعة البصرة مطلع سبعينيات القرن الماضي، كانت البناية عبارة عن مقر لشركة انكَليزية كرمنكزي وهي متخصصة في مجال الاستيراد والتصدير، كانت البناية عبارة عن قلعة كبيرة.
الكوادر العاملة
بدأ المتحف العمل بكوادر قليلة، حيث لم يكن موظفين بأعداد كافية، كان من بين العاملين آنذاك الدكتور خليل ابراهيم، وقد عمل بشكل مؤقت بالمتحف وعبد الرضا بتور وفاضل فرج الجبوري وياسين ابراهيم خميس وجميعهم كانوا يعملون في مجال تحنيط الطيور، ثم عينت بعد ذلك اربع موظفات هن عائدة جابرو مسيحية ، معاني الشمري وأمل موزان وأمل الناصري.
الخبراء
عمل في متحف التاريخ الطبيعي عدداً من الخبراء العرب والأجانب من بينهم خبير ألماني متخصص في مجال تحنيط الأسماك، وكانت أول سمكة تم تحنيطها كانت من نوع الشبوط التي تتميز بوجود البقع النقط السوداء التي تميزها، وهذا النوع من الأسماك يعتبر من الأنواع النادرة التي تدخل مياه شط العرب.، أيضاً من الخبراء الأجانب الذين عملوا في المتحف المسترميرزا وكان يعمل في وقت من الأوقات مديراً لمتاحف لاهور الباكستانية، وكان عمله يقتصر على التحنيط وقد استمر في عمله لمدة عام واحد فقط 1972 1973 .، بعد ذلك وفي سنة 1974 عمل الخبير المصري معوض محمد محسن » ابو فاتن وهو خبير في الكائنات البحرية وخاصة تلك الموجودة في البحر الأحمر، وكانت لدية معلومات كبيرة اغنت العاملين العراقيين.، كما عمل في المتحف في وقت من الأوقات احد الخبراء الروس.
الدورات التدريبية
أقيمت في متحف التاريخ الطبيعي العديد من الدورات التدريبية للمعلمين والمعلمات، وكانت تقام في العام الدراسي الواحد دورتين تدريبيتين يتلقى المتدربون معلومات عن طبيعة وبيئة الطيور والأسماك والكائنات البحرية الأخرى، وكان الهدف من تلك الدورات هي زيادة معلومات المعلمين لينقلوها بدورهم الى التلاميذ.، بعد ذلك اخذ المتحف يستقطب زواراً من المحافظات الجنوبية المجاورة للبصرة وقد وصل معدل المدارس التي تزور المتحف من مدارس المحافظات المجاورة الى عشر مدارس اسبوعياً، حيث كانت تأتي على شكل دفعات.، كما أحذت بعض الاتحادات والنقابات تتوافد على المتحف الى ان وقعت حادثة سقوط سقف احد اركان المتحف .
قاعات المتحف
كان في المتحف عدة قاعات أهمها
قاعة للأسماك البحرية كان قسم من هذه القاعة مخصص للأسماك الغضروفية.
قاعة الحوت وهي من اكبر القاعات كانت تظم حوتاً مصنوعاً من الحديد والبورك طوله أكثر من 12 م، وبعد ان امسك بحوت أم قصر وضعت عظام الأخير في المتحف، وسمي بحوت ام قصر من عامة الناس وهي بالتأكيد تسمية خاطئة، لأن الحوت امسك به في الخور وليس في ام قصر كما يضن البعض، لكنه سحب الى هناك ومنها جاءت التسمية، كان ذلك في سنة 1976.
قاعة الأهوار ويبلغ طولها 12 متراً، وتحتوي على مجسمات لحيوانات مختلفة مثل الخنزير وغيره وانواع مختلفة من الطيور السابحة والخواضة كالقلق والبجعة وغيرها.، كانت قاعة الأهوار تظم ايضاً نباتات الخويصة والبردي والجولان وهي نباتات مجففة.، كما كانت فيها ايضاَ مستنقع صغير تحيط به بعض الطيور وكانت تلك الطيور، موضوعة أما بشكل طائر أو واقفة على تلك البركة لإعطاء صورة توضيحية أكثر لزوار المتحف.
لوحات فنية
بهدف زيادة في معلومات الزائرين للمتحف ولتعريفهم أكثر بالبيئة وبالكائنات الحية الأخرى الموجودة في الطبيعة، ساهم عدد من فناني البصرة التشكيليين برسم لوحات فنية تمثل انواع مختلفة من الأسماك الغضروفية واعماق البحار،وقد علقت تلك اللوحات في أروقة المتحف لتضيف له جمالية أخرى اضافية لما يحتوية من مجسمات مختلفة.
قريباً من الموت بعيداً عنه
ذات يوم وبينما كان يتفقد المكان صعق خبير روسي عندما شاهد افاع موضوعة في قناعي زجاجية لازال على قيد الحياة، كانت افاع بحرية من النوع القاتل، حيث وصف ذلك الخبير سمية تلك الأفاعي على ان الشخص الذي يتعرض للدغة من لدغاتها لا يمكنه العيش لهذه المسافة واشار بيده الى باب المتحف .
حادثة سقوط السقف
ذات يوم وسنة 1976 تحديداً وبعد ان انهت احدى الدورات التي يقيمها المتحف لمعلمي ومعلمات وكان عددهم في ذلك اليوم اربعون معلماً ومعلمة من الكوادر التعليمية في البصرة، سمع العاملون في المتحف دوي هائل، صادف انهيار احد سقوف البناية الممر وجود الموظفين في غرفة الإدارة وقسم آخر منهم في غرفة أخرى، تناثر التراث على رؤوس الموجودين وعمت العتمة المكان.، بعد دقائق انجلى الغبار وانكشفت السماء للموظفين المحاصرين، استطاع البعض الفرار من الباب الخلفي، اما المحاصرون في غرفة الإدارة فما كان عليهم إلا ان يحتموا بأروقة الغرفة لبعض الوقت خشية سقوط المزيد من جدران وسقوف القاعات والغرفة بسبب كثرة التشققات الموجودة في البناية وعدم وجود صيانة في تلك الفترة.، بعد أن بادر أحدهم عبد الرضا بتور الى سحب جهاز التكييف،واصبح من السهل رؤية من في الخارج، راح يندي بأعلى صوته، صادف في تلك اللحظة مرور بائع النفط، بعد ان سمع البائع طلب النجدة، راح هو الآخر يحث الناس الموجودين في الشارع على مساعدة الموظفين المحاصرين.، كان في الغرفة المحاصرة ثلاث اشخاص عبد الرضا وسميرة ونوري .، جاء المسعفون بسلم وانزلوه الى الغرفة من خلال فتحة جهاز التكييف، خرج الجميع بسلام قبل ان يصل رئيس الجامعة د.خشاب بدقائق.
حرق ثم تهديم ثم استيلاء
من افرازات احتلال العراق من قبل القوات الأمريكية والقوات المتحالفة معها عام 2003 تخريب وتدمير الصروح العلمية والثقافية في العراق، لهذا كانت حادثة حرق المكتبة المركزية الشهير وكذلك تعرض مكتبة جامعة البصرة للنهب والحرق ايضاً من افرازات ذلك الاحتلال البغيضكما تعرض متحف التاريخ الطبيعي كغيره من الصروح العلمية الأخرى لعمليات تدمير ممنهجه، فكانت البداية قيام بعض المندسين يساعدهم بعض الجهلة بإتلاف وتدمير ونهب محتويات المتحف ، وبعد ان انتهت المرحلة الأولى، اضرمت النيران في محتوياته أو بالأحرى في ما تبقى من محتويات المتحف وهي عبارة عن انقاض، وبعد التهمت النيران جميع محتويات المتحف جاءت المرحلة الثالثة من عملية التدمير الذي تعرض له هذا الصرح الثقافي العريق، حيث قام بعض الشباب بتهديم اجزاء واسعة من البناية وقاموا بنقل طابوق بناية المتحف الى مكان آخر تحت مرأى ومسمع الجميع، حيث لم يكن أحد يجرؤا على اعتراض السراق والمخربين من القيام بأي عمل مخالف للقانون والمنطق والعقل، كي يجنب نفسه ردة الفعل التي تصل في غالب الأحيان الى القتل بسبب غياب السلطة واختفاء رجل القانون .
استهداف المتحف لم يتوقف بل تواصل لتكون آخر حلقة من حلقات استهداف هذا الصرح العلمي تتمثل باستيلاء بعض العوائل على ارض المتحف.، اصدرت الحكومتين المحلية والمركزية اكثر من قرار بشأن اخلاء المبان العائدة للدولة وتعويض العوائل بمبالغ مالية معقولة، إلا ان تلك القرارات لم تلق آذان صاغية وبقيت العوائل تشغل العديد من دوائر ومؤسسات الدولة، ومنها البناية موضع بحثنا هذا.
/4/2012 Issue 4181 – Date 23 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4181 التاريخ 23»4»2012
AZP09