
أزمة السكن في الدول النامية – محمود الفلاحي
يشهد العراق ازمة سكن قوية وكبيرة لانه في اعوام 1960 و1970 كانت هناك حملات كبيرة قامت بها دوائر البلدية والجمعيات الاسكانية لتوزيع الاراضي على الموطنين مقسمة على شرائح المجتمع من ناحية المهنية او على اساس دوائر الدولة وقام في حينها المصرف العقاري بتسليف المواطنين على دفعات حسب مراحل البناء والحق يقال ان اكثر المجمعات السكنية في القطر كان الفضل في بنائها لجمعيات الاسكان والى المصرف العقاري حيث كان الموظف او المواطن يحصل على قطعة ارض لان شروط توزيع الاراضي عن طريق الجمعيات لايتم بيع قطعة الارض الا بعد البناء لذلك حرص المواطنون على بناء الارض فانتشرت احياء في مناطق عدة سميت تلك الاحياء باسماء الجمعيات التي قامت بتوزيع الاراضي على منتسبيها كجمعية المهندسين وجمعية المحامين والاطباء والخطوط الجوية والبنوك وغيرها من الجمعيات ان موضوعنا اليوم هو موضوع ازمة السكن تنزع معظم الحكومات والمجالس المحلية الى مراعاة المستويات الغربية بافراط في البناء بدلا” من اقامة مساكن تتناسب مع الفقراء فتستخدم مواد البناء والوسائل الغالية وتمثل معظم مشروعات الاسكان العامة في العالم الثالث نموذجا” اخر للتكنلوجيا غير الملائمة والحق ان بلدانا قليلة بالنفط تستطيع فعلا” ان توفر لسكان مدنها جمعيات مساكن غربية الطراز اما في بقية البلدان فان التكاليف الباهضة المترتبة على مثل هذا الاختيار تعني بناء نسبة ضئيلة من هذه المساكن لايتحمل نفقاتها لا اصحاب الامتيازات ومسؤلو الحكومة والعمال مرتفعو الاجور اظهرت دراسة اجراها البنك الدولي في 6 مدن نامية ان نسبة عالية من عائلات المدن لاتملك ما يتيح لها لن تشتري بنظام التقسيط او ان تستاجر حتى ارخص الوحدات السكنية الحكومية وتراوحت هذه النسبة من العائلات بين 35بالمئة من سكان هونك كونك و47 بالمئة من سكان بوغوتا و55 بالمئة من سكان مكسيكو ستي وثلثي سكان مدن مدراس واحمد اباد ونايروبي تساوي تكاليف الاسكان الحديث في مدن العالم الثالث حاليا” تكاليف مثيلاتها في بعض عواصم الغرب او تفوقها قد يدفع العامل الابيجاني الاجير ما يدفعة مستاجر في مساكن البلدة في بريطانيا مع ان دخل الاول لايتجاوز ربع دخل الاخير يسهم تصاعد اسعار الاراضي في رفع تكاليف الاسكان فقد ارتفعت اسعار الاراضي في بعض المناطق 1300 بالمئة بين عامي 1950 و 1965 كما ارتفعت اسعار الاراضي في طهران وسيؤل بضعف معدل تزايد اسعار الاستهلاك وبثلاثة اضعافه في مكسيكو ستي وبخمسة اضعاف في جامايكا ومن السهل جدا” ان تتضاعف اسعار الاراضي اربع مرات بمجرد مد الخدمات العامة من طرق ومياه وكهرباء الى اي منطقة جديدة وحالما يصبح المكان قابلا” للسكن تعجز جماهير المدن من تحمل تكايلف العيش فيه ولقد تضخمت اسعار الاراضي بسبب المضاربين المستفيدين من تزايد الطلب بفعل السيل المتواصل من المهاجرين الباحثين عن السكن والذين يقودون معركة غير متكافئة مع الشركات الوطنية والعالمية والفنادق والبنوك على الاراضي القريبة من وسط المدن وبما ان الوظائف تتركز عادة حول وسط المدينة فان الفقراء يبعدون شيئأ فشيئأ عن المواقع التي تتوافر فيها فرص العمل وهكذا تتناقص فرصهم في العمل او يضطرون الى انفاق نسبة متزايدة من رواتبهم على وسائل الانتقال سيؤدي تاميم اراضي المدن الى تجنب التضخم المفرط في اسعار الاراضي الذي يجعل المالكين في المدن اصحاب ملايين ليس بعضل مشروعاتهم انها بسبب الوضع الاقتصادي في بلدانهم ويمكن بعد ذلك توزيع الاراضي على الصالح العام وليس على اساس من يدفع اكثر الا ان الاصلاح في مجال اراضي المدن لايشمل بندا” من خطط معظم حكومات العالم الثالث ربما لان المضاربة بالاراضي تعد من اكثر الاعمال الاضافية ربحا” بالنسبة للعديد من كبار الموظفين ورجال السياسة ان الحكومات الوطنية وكمجالس البلديات هي التي خلقت مشكلة الاحياء الفقيرة بالدرجة الاولى لانها لم توجه الاستثمار نحو المناطق الريفية لابقاء السكان في قراهم كما انها فشلت في الاستثمار في ايجاد فرص العمل في المدن لتوفير دخل مناسب لسكانها فضلا” عن ذلك فقد انفقت الاموال القليلة المتاحه لها على الاسكان باهض التكاليف ان المهاجرين يهاجرون والافراد يستولون على الاراضي بوضع اليد استجابة للظروف التي خلقها حكامهم فلا بد لهم من البقاء مما يتطلب مكانة للعيش ولكن حكومات عديدة عجزت عن ادراك الاسباب الكامنة وراء الانشاءات المقامة دون ترخيص وتعاملت معها على انها نوع من السلوك الشاذ او جريمة اسكانية او من يؤذي العين تسهل ازالته اذا ما امكن بتعبئة عدد كافي من الجرافات ورجال الشرطة لقد فضلت بعض الحكومات التي لم تكتفي باهمالهم ان تطاردهم وتضطهد فقراء الريف الذين نصبوا خيامهم خارج اسوار المدينة او في شوارعها وكانهم جيش يحاصرها او مجموعة من المتسللين اختارت حكومات عديدة ان تزيل الاعراض بدلا” من ازالة الاسباب فقد سويت الاحياء الفقيرة بالاراضي في المانيا وكولومبيا ونايروبي وفي الهند على يد شن سانجاي ابن انديرا غاندي حربا” على سكان الاحياء الفقيرة والشوارع سجل الكاتب البريطاني ديفد سلبون في تقرير له انه ابتدا” من اذار عام 1976 اعتقل 75000 شحاذ ومتسول في بومباي في حملة اعتقالات واسعة وارغم بعضهم على الرحيل الى معسكرات عمل الزامي مصمم لتوجيه اقوياء البنية نحو حياة احترام الذات والكرامة واعادة التاهيل وعينت حكومة ولاية مهارا اشتر قوة خاصة من الشرطة لحراسة الاراضي الخالية من ضوع اليد وهدم الاكواخ المقامة عليها وبدأت دلهي حملة لازالة التجاوزات وهدم المنشات المقامة دون ترخيص وسوت بالارض شوارع دلهي القديمة واسواقها المكتظة بالسكان ونقلتهم الى اماكن بعيدة عن المدينة تاركة اياهم بلاكهرباء ولاماء ولامجاري ولاوسائل نقل او وضائف استمد برنامج الهدم في ساحل العاج وحيه من دوافع جديرة بالمثابرة كانت تستهدف تحسين ظروف الاسكان غير ان اثارة طانت معاكسة تماما” وتحولت اللجان الانيقة الى مواطن الاغربان في غرب افريقيا اذ تنعكس ظلال بنايات حي بلانو المحاكي لمنهاتن على خلفية السماء وتتردد اصداء ابواق البيجو والمارسيدس واللفاروميو في شوارعها وتبيع البوتيكات الفرنسية احدث الازياء الباريسية ان ابي جان شأنها شان كلكتا بدعة اصطناعية وقد وقع عليها الاختيار كمرفأ ومحطة تنتهي عندها سكك حديد النيجر الممتدة من نيوربي الى بوكي والتي حملت منتجات امبراطورية مترامية الاطراف لم يقع الاختيار على ابي جان بفضل قدرتها على استيعاب عاصمة كبرى لم يكن احد ليتصور هذا النمو الهائل لسكانها من 85000 ع ام 1948 الى 250000 عام 1963 ثم اكثر من مليون في السبعينات وقد ادى امتدادها الان عبر الجزر والبحيرات الى اختلال شديد في توزيع الوظائف والمساكن ولم يفلح حزام الغابة المحمية الخضراء في وقف هذا النمو حيث امتد البناء العشوائي فيها وراءه الى ابويو حيث تبدوا على المدينة غير الرسمية كل امارات التفوق في المساحة على شقيقتها المدينة الرسمية في المستقبل والقاطن في ابويو قد يعيش على مسافة 10 اميال من مقر عمله في فريدي الامر الذي يضطره الى استخدام ثلاث حافلات غالية يقف فيها لمدة ساعتين او ثلاث ساعات يوميا” وتعد اختناقات المرور مشكلة مزمنة حيث يوجد في ابي جان 70 بالمئة من اجمالي عدد السيارات في ساحل العاج كلها و13 بالمئة فقط من سكانها هكذا تصبح مدن البلدان الفقيرة تعاني قبل اوانها انها من مصائب الانتقال الى العمل المألوف في البلدان الغنية كانت الاراضي خاضعة ذات يوم للنظام القبلي فكانت تابعة لقبيلة ابري يه ولم يكن من المقبول ان تنمو عاصمة تبعا” لنزوات شيوخ القبائل وهكذا تم شراء اراضي القبيلة منذ زمن طويل ولم تسفر هذه الخطوة عن التحكم المتوقع في توسع المدينة فبدأت مجموعات صغيرة من الاكواخ تظهر في اسوأ الاماكن من حيث المظنر والصحة ونشأ حي ماركوري المزدهر فوق مستنقع تغرق الفيضانات الممرات المؤدية اليه باستمرار وترفض سيارات الاجرة المغامرة بدخول برك الوحل في الطريق المؤدي اليه بنا عدد قليل من المساكن على الطراز التقليدي من الطين فوق شبكة من القصب وتبدو معظم البيوت كصورة باهته متخلفة عن فن كورت شويتز المعتمد على المخلفات والنفايات فنرى الواح الخشب الرمادية المدعومة لقطع من الصاج المموج وبقايا صناديق الخشب التي لاتزال تحمل عناوين وجهتها وغيرها من المواد وهنا يعيش العزاب والاسر في مساكن من غرفة واحدة تشترك في فناء واحد والى جوارها تتناثر اكواخ صغيرة مصنوعة من الصاج مزينة بلبلاب وردي اللون يبدوا انها مقتصرة على النساء بدفع معضم السكان الايجارات لصغار الملاكين الذين اقاموا هذه الاكواخ ولايحمل هؤلاء الملاكون سند ملكية وليس لهم الحق في احتلال المنطقة ولا في تقاضي الايجارات عن مساكنها والسكان هنا ضحية الاستغلال ولاشي يؤمن لهم المسكن وان مثل هذه الحالات موجودة بالقطر العراقي في الابنية والعقارات المنشأة على الاراضي الزراعية واو الاراضي التي تعود الى الدولة او الى الاشخاص المالكين لايعرف مصيرهم او ان ابناءهم يقيمون في الخارج كذلك بعض الطوائف الدينية اتبعت ابي جان سياسة انشاء اعداد كبيرة من المساكن التي تحاكي الانماط الغربية ولكن نظرا” للتكاليف الباهظة لايوجد بصيص امل في تسكين قاطني الاكواخ ناهيك عن استيعاب سيل المهاجرين الجدد الذين ياتون بمعدل 200 شخص يوميا” ومن اجل توفير مساحات لبناء عقارات جديدة تهدم مساكن عشوائية لجرافات ويطرد سكانها بتدبير امورهم بانفسهم وتم هدم عدد من المساكن وظل قسم من الاراضي الفارغة والواقع ان سكان الاكواخ والعشوائيات ليست لهم الاولوية في الاسكان لانهم لايملكون سند ملكية رسميا للاراضي التي يحتلونها وهم كغيرهم احرار في التقدم بطلب الحصول على شقة او دار جديدة غير ان القليل منهم يستطيع تحمل عبء الايجارات ويعد مصير بوربويا نموذجا” لحكايات الاحياء الفقيرة الحزينة في العالم الثالث وكانت عبارة عن قرية لصيد الاسماك .
{ محام واعلامي
















