

عبد الحسين شعبان يفتح أبواب ونوافذ الغرفة 46
أبو نضال .. تشريح الجثة بعد مواراتها الثرى
هل إنتحر الزعيم الفلسطيني أم نحروه؟ سؤال بإنتظار جهود باحث منصف ومتجرّد
أحمد عبد المجيد
ما من مرة زار فيها المفكر والباحث البارز عبد الحسين شعبان بغداد، إلا وحمـــــل الينا منجزاً أو اكثر من ابداعه الفــــكري، وفــي زيارته الأخيرة (5 أيار الجاري)، أتحفنا بكتابين جديدين الأول (الزمن والنخب – في انطولوجيا الثقافة العربية). وهو كتاب يزهو بعنوانه ويتقد بنخبه، على حد وصف الدكتورة الهام كلاب، والثاني (الغرفة 46 سرديات الإرهاب – خفايا وخبايا)، وهو ما سأتناوله في هذا التقريظ الذي لا يخلو من إشارات او ملاحظات سجلتها بعد القراءة الأولية .
لقد شدني محتوى الكتاب، لانه يتناول سيرة شخصية فلسطينية إشكالية، وصفت باللغز في الحياة والممات ، حيث (نحر) في بغداد يوم 17 آب 2002 واعلن طارق عزيز ان أبا نضال (انتحر) بأربع رصاصات اطلقها على نفسه في شقته بمنطقة الكرادة ببغداد. وافترضت مصادر فلسطينية انه قتل بناء على أوامر الرئيس الراحل صدام حسين ، وسط نفي السلطات العراقية ذلك وإصرارها على انتحاره.
وبرغم كثرة المصادر التي تناولت حياة الرجل، المولود في مدينة يافا في 16 آيارعام 1937 (ذات سنة ولادة الرئيس صدام حسين بتكريت)، فان قليلاً أو نادراً منها انصفته أو تحدثت، ولو يسيراً عن سجاياه، وانصبت المؤلفات بدءاً من كتاب البريطاني باتريك سيل (البندقية المستأجرة) وانتهاء بكتاب العراقي الدكتور عبد الحسين شعبان، على التشديد على سرد اعماله الإرهابية . فالجميع اسبغوا عليه وصف (اقسى القادة الفلسطينيين السياسيين وأشدهم وحشية). وزعمت مجلة دير شبيغل الألمانية ان أبا نضال وصف نفسه (انا روح الشر التي تتحرك في ظلمات الليل مسببة الكوابيس)، وكتبت جريدة الغارديان البريطانية بعد اعلان مصرع ابي نضال (انه المواطن الذي تحول الى مختل عقلياً، خدم نفسه فقط، وان دوافعه الشخصية هي التي أودت به الى الجريمة الشنعاء).
والحق فان كل انسان يولد مجرداً من مظاهر الشرور، لكن الظروف المحيطة به قد تحوله الى طينة أخرى. ولا يشذ أبو نضال (نضال هو ابنه الوحيد من زوجته هيام البيطار)، عن هذه القاعدة التي اسهب في تاكيدها فقهاء علم النفس والاجتماع، ولاسيما الماركسيون منهم. فوالد صبري خليل البنا ، وهذا هو اسمه الثلاثي ، الحاج خليل كان تاجراً ثرياً ومالكاً لستة آلاف فدان من بساتين الحمضيات بين مدينتي يافا والمجدل، ووالدته سورية من الطائفة العلوية ، وقد طردت قوات الاحتلال الإسرائيلي عام 1948 عائلة البنا بأكملها، الى الضفة الغربية، قبل ان تنتقل الى الأردن، وهناك عرف صبري البنا الجوع والاذلال والتشرد. واضطر الى العمل في مهن مختلفة، وقيل انه اطلع على أفكار حزب البعث فسارع الى الانضمام اليه، وفي الوقت ذاته كان يتابع تحصيله الدراسي باصرار وعناد ، ودرس الهندسة في القاهرة، لكنه لم يتابع دراسته بسبب انغماسه بالعمل السياسي. وعمل صبري ، الذي صار يكنى بأبي نضال، في السعودية ، وهناك تواصل مع ابناء وطنه وانشأ مجموعته الأولى ، وعاد الى الاردن . ويلاحظ ان معظم قادة العمل الفلسطيني وفي طليعتهم ياسر عرفات (ابو عمار) ، امضوا سنوات شبابهم بالعمل في مجالات مختلفة بدول الخليج العربي.
وتحت ضغط عوامل ذاتية وموضوعية تبلورت شخصية (أبو نضال) وتشبعت بالهم الفلسطيني ، فمن جهة نشأته الصعبة والضاغطة ، ومن جهة ثانية جو المد القومي الذي ساد البلدان العربية ، وانغماس السواد الأعظم من الشباب بتداعيات حرب 1948 والاحتلال الإسرائيلي والهزائم العربية في 1967 على مسرح العمليات ، وفي العقود التالية ، على مسرح الدبلوماسية الدولية ومجمل القضايا السياسية المرتبطة بفلسطين ، أدت الى سطوع تيارات سياسية تبدو غير منطقية، لكنها واقعية بلا مخارج ، تمثلت بما يعرف بـ(العنف الثوري) ، الذي هز العالم بأسره . ومن الواجب التذكير ان هذه الصرعة السياسية الطاغية، تزامنت مع اصداء كبرى رافقت عمليات بايدر ماينهوف، والجيش الأحمر ، والالوية الحمراء، والجيش الايرلندي السري وغيرها، وقد استنسخ شيوعيو العراق تجربة الكفاح المسلح بالانشقاق تحت خيمة عزيز الحاج في تنظيم ما عرف بالقيادة المركزية وبدء عمليات مسلحة في الاهوار أواخر عقد الستينات. وقد توزعت هذه النماذج على أجزاء من بلدان العالم، واعتمدت العنف ، الذي تحول الى إرهاب بالمنطق الغربي الأمريكي والإسرائيلي ، باعتباره نظرية عمل وليس وسيلة فقط، كما يرى الدكتور شعبان (ص10).
اعتمد المؤلف على مصدرين رئيسين في رفد كتابه بالمعلومات عن ابي نضال، الأول وثائقي بحثي يتمثل بكتاب باتريك سيل، والثاني شفاهي يتلخص بالمقابلة السرية الطويلة المرجأة التي أجراها شعبان مع المنشق عن جماعة ابي نضال ، مساعده الأبرز عاطف أبو بكر، الذي وصفه سيل بأمهر الرجال الذين قابلتهم في الحركة الفلسطينية ، وهو وصف يبدولي مبالغاً فيه ، يكشف انتهازية الصحفي، عندما ينوي تمجيد شخصية، كانت موضع لقاءاته ومصدر معلوماته أو صيده.
اسباب منطقية
وهذا المصدران ، برغم بعض التحفظات ، مهمان بالنسبة للمؤلف، لاسباب تبدو منطقية عملية، اذا عرفنا ان عاطف أبو بكر تحول الى العدو اللدود لابي نضال والشخص الوحيد المستعد او المتطوع لكشف خفايا وخبايا منظمته ودوره في العمليات المسلحة التي ضرب بها أبو نضال قيادات من الصف الأول في الحركة الفلسطينية ودول ومنشآت إسرائيلية أو ضالعة بالتعاون مع تل ابيب، ثم دفعت دولاً عربية عدة الى مهادنته تحت ذريعة (دفع الشر).
وكانت ثمة أسباب ودواع أرجأت اطلاق أسرار الغرفة 46 التي أجرى فيها شعبان حواره الطويل مع أبي بكر، بينها أمنية وشخصية وموضوعية، أسهب في تبيانها في القسم الأول من الكتاب تحت عنوان (البدايات)، وقبلها في (عوضاً عن المقدمة – كتاب بعد ربع قرن) ص9. وأنا أشاطره في كل تلك الأسباب التي أعاقت اطلاق معلومات مهمة وغير مسبوقة – ربما – عن شخصية ابي نضال وجماعته ، التي تأسست للمرة الأولى في العراق اثر خلافات عقائدية وكارزمية مع ياسر عرفات. ففي أيلول 1970 تم تعيين ابي نضال مديراً لمكتب منظمة التحرير وممثلاً للحركة في العراق. وقد عولت منظمة التحرير وحركة فتح على هذه الساحة ، باعتبارها مصدر السلاح القادم من الصين ودول المجموعة الشيوعية. وكانت معظم معسكرات التدريب الفلسطينية فيها.
استثمار الفرصة
لقد حرم الدكتور شعبان قراءه من تلك المعلومات باخفائه تسجيل المقابلة مع ابي بكر نحو ربع قرن، فيما استثمر كتاب صحفيون أخرون الفرصة، فاجروا حوارات لاتقل أهمية عما ورد في حوار شعبان، منهم السورية – الفرنسية حميدة نعنع عام 1989 والكويتي جاسم الصقر رئيس تحرير جريدة القبس عام 1985 واللبناني شربل داغر في الحياة اللندنية عام 2002 ثم اجرى التلفزيون العربي لصاحبه عزمي بشارة حواراً مطولاً مع المنشق ابي بكر في 5 تشرين الثاني 2017 وقبلها فعلت قناة الحوار عام 2011 ولم تختلف اقوال ابي بكر الهجومية في جميع اللقاءات ، لكنها أدت وظيفة واحدة هي ايقاظ ذاكرة عائلات الضحايا.
وعلى ذكر حوار نعنع في صحيفة (ليبراسيون) الفرنسية مع ابي نضال. فاني رافقتها أواخر الثمانينات من القرن الماضي الى منزل إقامة الرئيس ياسر عرفات في منطقة الجادرية ببغداد، وكانت متهيبة ومتوجسة من احتمال مواجهتها بالعتب إزاء لقائها الصحفي المذكور مع ابي نضال. لكن عرفات استقبلها بالأحضان وبدد خشيتها ولم يرد ذكر المقابلة بتاتاً في حديثه الينا. وقد اكبرت في الرئيس الراحل روح الزعامة والحضور الطاغي اللذين يحملهما ، وكتبت معجباً، في عمودي اليومي بجريدة القادسية، ورأيت ان الفرق بين عرفات وسواه من قادة فلسطين يكمن في تجاوزه الخلافات وقدرته على احتواء الخصوم. ولذلك غالباً ما كنا نراه يحرص على تقبيل الرؤساء والزعماء العرب نظرائه، بحرية باعثاً الامل والرجاء في نفوسهم.
وليس صعباً على المتابع ان يكشف طابع التشويق الذي تتسم به كتابات الدكتور شعبان. ولعله توج هذه الصفة بكتاب الغرفة 46 بما أمده من اضاءات بحثية معززة بشهادات حية قدمها من واقع تجربته بفصائل منظمة التحرير وعمله في جهازها الإعلامي في لبنان، في عقد السبعينات والثمانينات ، وقد وقعت في أسر هذا الأسلوب بسبب عامل إضافي يتعلق بحيثيات شخصية ابي نضال التي كان بعض الصحفيين في بغداد يعرف مكان اقامته بمحيط ساحة المسبح ، حيث توجد في ركنها بناية بسيطة من طابقين كان يحتل احدى شققها ، فيما يقع في أسفلها محل راق اسمه طماطة لبيع ألبسة رجالية فاخرة، صناعة ماركات عالمية.
ان من حق الدكتور شعبان ان يسبغ على المنشق عاطف ابي بكر، شتى الأوصاف ، لكني لا أميل الى روايات يدلي بها مثل هذا النفر ولي أسبابي الخاصة:
اولاً: ان أبا بكر، كاره متعارض مع ابي نضال ، ولابد من الحذر من الركون التام الى ارائه.
ثانياً: ان الروايات الواردة في حديث ابي بكر تخضع لمزاج متحول قوامه انه يبدو مستفيداً من الانشقاق وعائداً بامتيازات من الرئيس ياسر عرفات في اعقاب ذلك حيث أوفد سفيراً الى دول شرقية عدة.
ثالثاً: انه لا يجوز ان نتحدث بشكل مطلق عن نصف الكأس الفارغ، متناسين الجزء المليان منه، وعلى سبيل المثال ان جماعة ابي نضال انبثقت في ظل تراجع عربي واحباط شعبي ناجم عن الصراعات العربية العربية والفلسطينية الفلسطينية وما بينهما. وكذلك ان شخصية ابي نضال تتمتع بمؤهلات واهتمامات تحدث عنها بعض الذين التقوه ومنها احاطته الواسعة باسباب النكسات والتراجعات الفلسطينية ، فهو يقول مثلاً (الحقيقة لا أنا ولا رفاقي انشقوا عن حركة فتح، انما نحن قد طردنا بقرارات تعسفية فاشية والقضية ترجمتها في العربية هنا هي الحكم المطلق).
ولا يصعب على حاذق ادراك ان وراء انشقاق ابي نضال أيضاً، جهة تدفع به الى تشظية الفصائل الفلسطينية، ولاسيما حركة فتح بعد خلاف بغداد مع ياسر عرفات ، وبعد دخول الحرب العراقية الإيرانية كعامل ضغط على الرئيس الفلسطيني الذي أعلن التأييد للثورة الإسلامية في ايران بعد اندلاعها في شباط 1979 في وقت توهمت بغداد ومعظم عواصم الخليج ان الامام الخميني ينوي شراً بها عبر مفهوم (تصدير الثورة). وانا أميل الى ان المخابرات العراقية، ابان مجدها في السبعينات، هي التي صنعت ظاهرة ابي نضال. فقد أمدته بالاحتياجات والمستلزمات ولاسيما المال ، لكن وظفته لاغراضها في خضم احداث لبنان والجفاء مع عرفات. وكنت قد تحدثت عن رفيق آخر له هو أبو العباس (محمد عباس) الذي اقام في بغداد منذ الثمانينات حتى وقوعه أسيراً بيد القوات الامريكية المحتلة، ووفاته في سجن كروبر أو سجن المطار عام 2004 في ظروف غامضة. وأشرت الى جانب من حياته غير النضالية واتجاهها الى التحول لرجل اعمال صاحب مزرعة كبيرة بمنطقة البوعيثة ، في كتابي (هذا نصيبي من التضامن – بعض ما يمكن قوله)، الصادر في بيروت عام 2020. وقد نوه اليه الدكتور شعبان في كتابه (ص 159).
وفي اطار الكأس الملآن، فان بعض الحوارات الصحفية اشارت الى مهارات ثقافية يتحلى بها أبو نضال وذكرت (انه يعزف العود ويعشق فيروز ويقرأ المتنبي وان سنحت له الظروف فانه يتابع السينما).
أما تحفظي الأشد على روايات ابي بكر فانه ينصب على كثرة الهجوم الشخصي ومحاولة تبشيع صورة الرجل، دون (ذكر محاسن موتاكم)، ووصل ذلك الى الطعن بسلوكه الفردي وفي تصويره بالمجنون والمجرم والسارق والكاذب والمتاجر بالقضية وقاتل رفاقه، وغير ذلك من أقذع الاوصاف للفترة الممتدة من 1974 حتى 1981. فقد قال في حواره مع شعبان ان أبا نضال (لم يكن يتحلى بالحد الأدنى من الشجاعة ولاسيما عند مواجهة المخاطر)، وأرد عليه بالقول ان (شخصاً شغلت اعماله العنفية العالم لمدة ربع قرن، لا يمكن إلا ان يكون شجاعاً أو اقتحامياً أو جريئاً). كما وصف أبو بكر موقف ابي نضال إزاء المرأة بالمتخلف، وارد عليه بالتساؤل (كيف بمستطاع رجل انصرف الى مشاغل العمليات السرية ان يضع المرأة ضمن اهتماماته العاطفية؟).
جذور التنوع
ويجهل أبو بكر جذور التنوع في قراءات ابي نضال ، عندما يزعم (انه يقرأ كوكتيل ويتحول الى رجل صاحب برنامج إصلاحي وحينما يجلس مع شيعي يتحول الى حليف لحزب الله وايران)، واني اعزو ذلك الى انحداره من ام علوية احاطته ، بالتأكيد، بالمعرفة الفطرية لموروثها كأي أم . أما الزعم بانه اذ يجلس مع شخص قومي فتراه قومياً اكثر منه، فلأن جذور الرجل الأيديولوجية ذات امتدادات عربية شكلت قضية فلسطين ، مركز الرحى فيها. وأرى ان أي منصف يتصدى لحياة وكفاح ابي نضال لابد ان يقتنع بانه وليد بيئته العائلية والمناطقية ومخرجات ظروفه وتوجهاته التي كانت ملتهبة وتبحث عن منقذ. ولعله كابد كثيراً من اجل ان يكون هو هذا المنقذ ويحقق الشعارات الجذابة بشأن عدالة القضية ونبلها. (انظر من 56 وما يليها). ومع ذلك فان الباحث الحاذق يستطيع ان يفرز الغث من السمين ويقارب المعطيات الواردة في احاديث وروايات عاطف ابي بكر، الذي تولى سفارات فلسطين في كل من براغ وبلغراد وبودابست ، ويضع تحت معظم سطورها خطوطاً حمراء وسوداء.
يبقى أمامنا حقيقة، ربما غفل بعض المؤرخين المحللين استنباطها. فيما يخص مصرع ابي نضال في بغداد، بعد سنوات طويلة من الترحال والتنقل والهجرة التي تمليها الظروف والانواء العربية. وبرغم ان أبا نضال عاش بآليات حكم ورعاية ليبية واسعة بما لم يحصل عليه قيادي فلسطيني آخر، فان عودته الى العراق، وانتظاره المصير المثير للجدل ، يدعو الى سؤال يتعلق بما أحاط الحكم العراقي من مآلات عشية سقوطه ودخول قوات الاحتلال الأمريكي البريطاني الى البلاد . السؤال هو { هل انتحر أبو نضال ام نحروه؟
– اننا بانتظار باحث منصف ومتجرد يميط اللثام عن خبايا وخفايا هذه النتيجة المؤسفة التي ينتهي اليها ، عادة، طالبو حقوق شعوبهم، في عالم يتقاسمه الظـــــــالمون والشياطين ومضللو الرأي العام.
ويســـــــجل للدكتور شعـــــــبان، انه فتح ملف ابي نضال، وأجاب عن بعض الأسئلة العالـــــــقة، ومنها الفرق بين عملياته العنفية التي توسم بالإرهاب وعمليات الفصائل الفلسطـــــــينية التي يعدها القانون الدولي مقاومة مشروعة ضد الاحتلال. وقد حرص شعبان على تأكيد هذا الهدف لي في جلسة توديعه بفندق فلسطين مريديان قبل ساعات من عودته لبيروت ظهر الاثنين الماضي.


















