يا لصبر العراقيين – مقالات – سامي الزبيدي
أجزم قاطعاٌ بعدم وجود أي شعب على وجه هذه المعمورة صبر وتحمل مثلما صبر شعب العراق فخلال سنين عجاف طويلة قاربت النصف قرن تحمل العراق والعراقيون من الحروب والمآسي والمحن ما لم يتحمله أي بلد وأي شعب, وهل شهد أي بلد في العالم حرباٌ حديثة بعد الحرب العالمية الأولى استمرت ثماني سنوات غير الحرب الإيرانية _ العراقية و التي استخدمت فيها أحدث الأسلحة الفتاكة فتسببت في خسائر بشرية ومادية كبيرة جداٌ وصلت قرابة المليون شهيد من العراقيين ناهيك عن تداعياتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ,وهل تعرض بلد في العالم إلى حملة عسكرية دولية شاركت فيها أكثر من ثلاثين دولة في مقدمتها أكبر قوتين في العالم أمريكا وبريطانيا مثلما تعرض له العراق بعد غزوه للكويت عام 1990 فدمرت بالإضافة إلى قواته المسلحة كل بناه التحتية ومشاريعه الخدمية وأهمها محطات الكهرباء والماء والجسور والمستشفيات ومخازن الحبوب والأغذية والمشاريع الصناعية والزراعية الكبرى وحتى مؤسساته الثقافية والعلمية إضافة إلى التدمير الكبير الذي لحق بالمدن والدور السكنية ,وهل تعرض شعب مثل شعب العراق إلى حصار ظالم قامت به الأمم المتحدة وهيئاتها ومنظماتها تحت ضغط أمريكا استمر ثلاثة عشر عاماٌ منعت بموجبه عنه الغذاء والدواء وكل مستلزمات الحياة وتسبب في كارثة إنسانية كبرى طالت بالذات أطفاله بعد منع الحليب والمواد الغذائية عنهم أما باقي فئات الشعب فحدث ولا حرج وصبرنا على هذا الحصار كل هذه السنين, أكلنا خبزاٌ دخلت فيه مواد لا أستطيع ذكرها لبشاعتها ,لبسنا بالات الغرب بعد أن عجزنا عن شراء الملابس ,استخدمنا صناعات القرن التاسع عشر لتلبية احتياجاتنا اليومية ,ابتكرنا وسائل وأساليب بدائية لكي نستمر في الحياة وفوق هذا البلاء والحصار والدمار والضعف تعرضنا لغزو بربري همجي قامت به أمريكا وحلفائها من كل دول العالم عام 2003 فأتت على ما تبقى من بنى تحتية وما تم تأهيله وبنائه خلال مدة الحصار من مستلزمات الحياة ووسائل العيش فدمروا كل شيء على سطح الأرض وما تحتها من مؤسسات وطرق وجسور ومشاريع خدمية وصحية ومعامل ومصانع وجامعات ومدارس وحتى المتاحف والمكتبات ودور العلم ليوقفوا المسيرة العلمية والثقافية للبلد بعد أن أوقفوا كل أشكال الحياة فيه ,هؤلاء الغزاة الذين جاءوا فاتحين محررين كما ادعوا دون تفويض من مجلس الأمن و تحت ذريعة إنقاذ البلد من الدكتاتورية وإبدالها بنظام ديمقراطي فيدرالي تعددي فجعلوا من بلدنا أنقاض بلد بعد عمليات القصف والتدمير الهمجي الذي قاموا به مستخدمين كل وسائل الحرب الحديثة والأسلحة المتطورة وبوحشية وهمجية لا توصف خدمةٌ لمصالح إسرائيل ومنعاٌ لأي تهديد قد يطالها مستقبلها ثم أكملوا تدمير العراق وإحراق ما تبقى من معالمه العمرانية والصناعية والزراعية والاقتصادية وتدمير شعبه وتفكيك نسيجه الاجتماعي بعد أن سلموا مقاليد الأمور فيه إلى أحزاب متعطشه للقتل والثار والانتقام من كل شيء حتى من بعضهم البعض فعمت الفوضى والاضطرابات والاغتيالات والسرقات والأعمال الإجرامية كل مدن العراق, وعرفنا القاعدة وجرائمها وتفجيراتها ومفخخاتها وعرفنا العبوات والأحزمة الناسفة و عرفنا الصراع الطائفي والقتل الطائفي والتهجير الطائفي والمداهمات والاعتقالات والإعدامات فدمرت اللحمة الوطنية والوحدة الوطنية والنسيج الاجتماعي الذي كان متجانساٌ قرون عديدة وصبر العراقيون على ذلك, وفوق كل هذه المآسي والكوارث والمصائب استفحلت عمليات الفساد المالي والإداري والسرقات الكبرى من السياسيين المتنفذين والأحزاب والكتل الأخرى لكل شئ في هذا البلد وأصبح العراق كأنه غنيمة غنمها هؤلاء اللصوص فسرق المال العام وعقارات الدولة وأراضيها الزراعية والبساتين والمزارع وأموال مشاريع الدولة وعائدات الوطن النفطية وثرواته الأخرى وصبر العراقيون على كل هذه السرقات على أمل أن تنتهي في يوم ما لكن بدون جدوى, وسيطر المزورون وأنصاف المتعلمين على الوظائف المهمة في الدولة وبني الجيش والقوات الأمنية على أسس غير مهنية وغير علمية وغير صحيحة فازدادت أوضاع العراق الأمنية والاجتماعية سوءاٌ , ووصلت البطالة والأمية والفقر إلى نسب مخيفة , وتدنى مستوى التعليم والخدمات الأخرى وأهمها الخدمات الصحية وتم تسييس القضاء وانتهت كل ملامح الدولة المدنية الديمقراطية لتحل محلها الدكتاتورية السياسية وصبر العراقيون على كل هذا البلاء, وفي غمرة هذا التردي والضياع والصراع السياسي على المناصب والمكاسب والصراع الطائفي دخلت داعش على خط المواجهة بمؤامرة أمريكية ودعم عربي و دولي لتقضي على ما تبقى لشعب العراق من أمل في العيش موحداٌ في بلده ينعم بالحرية والكرامة والأمن والسلام وينعم بثرواته التي حباها الله له فضيعها الجهلة وطلاب السلطة والخونة بمغامراتهم السياسة الفاشلة وطائفيتهم المقيتة وجهلهم بإدارة البلاد والعباد وقيادة القوات المسلحة فسلموا الموصل وصلاح الدين خلال ساعات إلى داعش في هزيمة مخزية ومذلة دون أن تقاتل قواتهم التي لم يعدوها لحماية العراق وشعبه إنما لحماية مصالحهم وأحزابهم وطوائفهم وأهدافهم ثم تمددت داعش إلى كركوك وديالى والانبار فكانت الجرائم الكبرى في بادوش وسبايكر والصقلاوية والبونمر ومجازر الايزيديين وسبي نسائهم وقتل المسيحيين وتشريدهم ونزح نتيجة لذلك أكثر من ثلاثة ملايين عراقي عن منازلهم ومدنهم في أوضاع إنسانية لا توصف لصعوبتها بسبب قلة أماكن الإيواء ومستلزماته وقلة والمواد الغذائية والخدمات الأساسية قياساٌ للإعداد الكبيرة من النازحين وبسبب سوء التدبير والفساد حتى في مأساة النازحين , وتجرع العراقيون الصبر علقماٌ , وأدخل الساسة الفاشلون البلاد في حرب لم يستعد لها بل كانت خارج حسابات ساسته لكنها كانت محسوبة جيداٌ في دوائر المخابرات الأمريكية والصهيونية والغربية للقضاء على كل مظاهر الحياة والحرية والتقدم والبناء والاعماروالوحدة الوطنية في عراق ما بعد الاحتلال فأصبح العراق كله ساحة حرب عمليات كر وفر بين داعش والقوات المسلحة والحشد الشعبي الذي شكل بأمر من المرجعية الدينية لتفادي الانهيار والسقوط الكبير للقوات العسكرية والأمنية التي باتت عاجزة عن حماية مدن العراق وشعب العراق بسبب سوء التدريب وسوء الإعداد والفساد وازدادت قوافل الشهداء وازدادت أعداد النازحين وازدادت تضحيات العراقيين وازدادت خسائر العراق لموارده المالية نتيجة للثمن الباهض للحرب الذي ترافق مع الأزمة المالية الكـــــبرى بسبب انخفاض أسعار النفط وسرقة أموال العراق خلال السنين الماضية وتحمل العراقيون كل هذه الكوارث والمصائب وصبروا .
وازدادت مآسي الشعب العراقي وازدادت همومه فبين حرب ضروس وقلة الموارد المالية وسيطرة داعش على أجزاء كبيرة من الوطن ازدادت معاناة العراقيين خصوصاٌ الطبقات الفقيرة منه وازدادت نسبة الفقراء والمهجرين والنازحين والمشردين وتردت الخدمات وقلت المرتبات وازدادت أسعار المواد الأساسية وشحة المواد الغذائية وشح حتى الماء في بلد الرافدين ومع كل هذه البلايا والرزايا ازداد صبر العراقيين .ومع كل هذا الصبر والتحمل والمآسي والكوارث فلا بصيص من نور في آخر النفق يفضي إلى حل قريب ينهي صبر العراقيين الذي طال كثيراٌ وينهي معاناتهم وهمومهم وتشريدهم عن مدنهم وتدمير منازلهم وممتلكاتهم وضياع مستقبل أبنائهم ومستقبل بلادهم , لكن لا حل قريب على ما يبدو في أفق العراق المظلم إلا مزيداٌ من الصبر والصبر فإلى متى يصبر العراقيين بعد أن مل حتى الصبر منهم .


















