هجرة إلى السليمانية
كان من أولوياتي أنْ أُسافر في صيف العام الماضي رحلة مع العائلة إلى مدينة السليمانية، بعد أنَّ قضيت أيامًا في أربيل في دورة تدريبية؛ وكنت قد سمعت عن هذه المدينة الرائعة بجمالها وعنفوانها، بما تختزنه من تاريخ عريق.
إلَّا أنَّ الرياح تجري بما لا تشتهيه سفننا؛ فبعد أنْ كنا نحلم بالذهاب إليها للاصطياف؛ ذهبنا مرغمين مهجرين إليها شتاءً.
كنت أظنُّ أنَّ هذه المدينة كباقي الأماكن السياحية يزدهي جمالها في الصيف؛ لأَنَّ الشتاء بما يحمله من برد وثلوج وعواصف وأمطار كفيل بتقليل سحرها؛ إلَّا أنَّ التهجير القسري اقتلعنا من مرابع طفولتنا وصبانا.
سحرتني هذه المدينة وأنا في الجو، حتى قبل أن تهبط بنا الطائرة التي استقلينا متنها من مطار بغداد في عصر يوم خريفي طيب النسيم.
بدأت أتذوق هذه المدينة الساحرة قطعة بعد أُخرى.
لهذه المدينة تاريخ عريق؛ فرغم أنَّ تاريخ تأسيسها قبل 240 عامًا؛ إذ شرع إبراهيم باشا ابن أحمد باشا الباباني في عام 1199 هـ في بنائها بالقرب من السراي الذي بناه عمه (محمود باشا عام 1196هـ على حدود قرية ملكندي)، وأتمَّها عام 1200 هـ (1783- 1784م)، ونقل إليها مركز إمارته الذي كان في (قلاجوالان، أو قلعة جوالان). رغم أنَّ عمرها لم يتجاوز 240 عامًا إلَّا أنَّ لها في التاريخ عمقًا كبيرًا، فقد دلَّت الحفريات عن وجود آثار لممالك قديمة كانت في هذا الموضع.
اقول رغم ذلك فإنَّ هذه المدينة حازت على مكانة مرموقة في كردستان؛ فتعد هي القبلة الثقافية لكردستان، فقد ذكر المؤرخ الكبير عباس العزاوي (ت: 1971م) رحمه الله في كتابه (شهرزور السليمانية، ص: 237)، وهو يتحدث عن الأدب الكردي في السليمانية: (إنَّهُ كون أدبًا مهمًا خاصًا … وسبق في التدوين، وسار سيرة مرضية، فكان لهم الفخر العظيم فيه والمكانة المقبولة، وربما تصلح أنْ تكون قدوة “الأدب الكردي”، والأمل ينقاد لها ويمشي على نهجها وخطتها).
فعندما تطوف في هذه المدينة وتقرأ أسماء الشوارع والمحلات فيها، ترى عجبًا، أغلب شوارعها مسماة بأسماء شعرائها وأُدبائها؛ فالشارع الرئيس الذي يخترق السليمانية اسمه شارع (سالم) نسبة إلى الشاعر الكردي الكبير (عبد الرحمن بك بن محمود بك) الذي فضل أنْ يطلق عليه اسم (سالم) (ت: 1286). وهو شارع جميل يخترق هذه المدينة الرائعة وتنتشر على جانبيه بعض الوزارات، والفنادق الرئيسية المهمة، وكبار الشركات… وعند نهايته تدخل إلى السوق فتجد نفسك في شارع (المولوي) نسبة إلى الشاعر عبد الرحيم بن السيد سعيد الملقب بـ(مولوي) (ت: 1300)، وتتقدم في السوق ليلاقيك شاعر آخر هو الشاعر الكبير (بيره ميرد)، وآخر باسم الشاعر (كوران)، وآخر باسم الشاعر (نالي)، وآخر باسم الشاعر (بيكس)، وغير ذلك… وسأُحاول أنْ أتحدث لكم في حلقات قادمة عن هذه الشوارع .
ياسر عبود العلواني- السليمانية



















